ردود فعل متباينة

بقلم – محمد عبد الجبار الشبوط:-
في سياق دعوتي الى الدولة الحضارية الحديثة بوصفها المشروع الوطني المحقق لسعادة الانسان في العراق، اواجه نوعين من ردود الافعال، من نوعين مختلفين من القراء.
اليكم نموذج رد الفعل الاول الذي كتبه القاريء السيد جواد السعيد العبادي ردا على احد منشوراتي:
“هذه الدولة الحضارية الحديثة خدعة… تريدون تمريرها بجانب دولة الحق التي ضحى من أجلها آلاف الرجال…حضروا جوابكم يوم الحساب..”
ويقصد بدولة الحق: الدولة الاسلامية.
وواضح ان العبادي ينطلق من منطلقات دينية اسلامية يمكن التأكد منها بالعودة الى صفحته في الفيسبوك.
واليكم نموذج رد الفعل الثاني الذي كتبه لي الزميل السيد مازن صاحب الشمري:
“ان تخرج الدولة الحضارية الحديثة من معطف ذات الافكار الإسلامية فانها ستواجه ما يقابلها من افكار مذهبية ..فحين تذكر الشهيد الصدر الاول ..عليك توقع ردود افعال مقابلة من مكون اخر ..”.
وواضح ان الشمري يخشى ان تكون الدولة الحضارية الحديثة نسخة معدلة من فكرة الدولة الاسلامية.
واقولها بصراحة ان التعليقين فاتهما فهم معنى الدولة الحضارية الحضارية.
فاولا، هذا المصطلح ليس اسم علم، كما نقول مثلا دولة العراق، وليس عنوانا دينيا كما نقول الدولة الاسلامية، ولا تعبيرا ايديولوجيا كما نقول الدولة الماركسية. انما هو وصف للدولة، بغض النظر عن اسم العلم او العنوان الديني او الايديولوجي لها.
استخدمت كلمة “الدولة” للتمييز بينها وبين الحكومة. والفرق معروف لكن امكانية الاشتباه والخلط موجودة. والاحزاب السياسية عندنا تستخدم كثيرا مصطلح الحكومة واوصافه المختلفة مثل حكومة الاغلبية السياسية، او الحكومة التوافقية، الخ. وانا اريد ان ابعد مصطلح الدولة عن هذه الدائرة.
واستخدمت كلمة “الحضارية”، استنادا الى منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة، اي الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. واليوم ليس بوسعي ان اقول ان هذه القيم المقصودة في مشروع الدولة قيم دينية او علمانية او ما شابه، لانها في جوهرها قيم انسانية تستهدف تحقيق تفاعل ايجابي منتج بين عناصر المركب الحضاري.
واستخدمت كلمة “الحديثة” لابراز ان هذه الدولة تعتمد العلم والتكنولوجيا الحديثة في عملها.
وهذه اوصاف تنطبق على كل دولة. بامكانك ان تقيم دولة اشتراكية او راسمالية او اسلامية او ما شئت من المسميات، وتجعلها دولة حضارية حديثة ان شئت، وان استطعت. غاية ما يمكن ان اقوله في هذا المجال ان لا تسمح لمتبنياتك الدينية او السياسية او الايديولوجية ان تحرمك من رؤية اوصاف الدولة التي يمكن ان تحقق السعادة للانسان.
وفكرة الدولة الحضارية الحديثة هي نتاج الاف السنين من التجارب البشرية منذ نشوء دول المدن في وادي الرافدين الى الان. وقد اسهم في بناء هذه الفكرة الانبياء والفلاسفة والمفكرون والادباء والشعراء وصولا الى وثائق الامم المتحدة ذات العلاقة وخاصة لائحة حقوق الانسان ووثيقة التنمية المستدامة.
لهذا لا نجد غضاضة او مشكلة في ان نجد بذورا لهذه الفكرة في مختلف الكتب السماوية والارضية، وليس هناك ما يمنع من الاستعانة بارسطو او افلاطون او علي بن ابي طالب او عمر بن الخطاب او روسو او فولتير او ماركس او انجلز او ديكارت او كنت او محمد باقر الصدر او راولز او اي من المفكرين الذين اغنوا الفكر البشري، وهذا لا يعني ان فكرة الدولة الحضارية خرجت من هذا المعطف او ذاك. نعم، انها خرجت من معطف الخبرة البشرية عبر الاف السنين حتى وصلت الى ما وصلت اليه. ولست مع فوكوياما حين يتحدث عن “نهاية التاريخ”؛ لان الخبرة البشرية متواصلة ومتراكمة، والحداثة نسبية، ولكل عصر حداثته، “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ”، كما يعبر القران الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى