كتُـاب وكالة أرض آشور

عقول مخترقة… لا دفاعات جوية وعسكرية

بقلم: الصحفي العراقي رامي الحمداني:-

من لم يحفظه شعبه، لن يحظى بالأمان والكرامة.

ما جرى مؤخراً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يُمكن اعتباره نجاحاً استخبارياً أو دهاءً خارقاً من الكيان الصهيوني الغاشم، ولا من “الشيطان الأكبر” الولايات المتحدة، بل هو نتيجة اختراق اجتماعي واقتصادي وإعلامي عميق مهّد له الحصار والعزلة الطويلة.

الاختراق الذي تعاني منه طهران اليوم ليس اختراقاً لمنظومات دفاعية ولا لدوائر أمنية فحسب، بل هو أخطر من ذلك بكثير. هو اختراق للوعي الجمعي والثقافة المجتمعية، ولعقول أُنهكت تحت ضغط الحرب الاقتصادية والإعلامية التي استهدفت نَفَس المواطن قبل أن تستهدف سلاح الدولة.

الموساد لم يتسلل فقط إلى المنشآت، بل اخترق الأحياء، والعقول، ومراكز التأثير المجتمعي. تمكن من تحويل الفقر والبطالة واليأس إلى أدوات للطعن من الداخل، وخلق حالة من التشظي داخل المجتمع الإيراني. هذا الواقع الهش سهّل عملية اختراق مؤسسات حساسة واغتيال قادة بارزين، وسط صمت داخلي مرتبك.

لكن عندما نعود للمقارنة مع العراق، رغم كل ما مرّ به من حصار، حروب، وحملات تجويع ممنهجة، إلا أن قوى الشر فشلت في اختراق نسيجه الوطني بشكل جذري. حتى في ظل النظام الديكتاتوري البائد، كانت السيطرة على الحدود أسهل بكثير من اختراق المؤسسة الأمنية أو العسكرية. هذا لا يعني أن العراق لم يُستهدف، بل يعني أن الشعب العراقي أظهر حرصاً استثنائياً على كرامته، وأمانة فريدة في صيانة وطنه.

اليوم، وبعد أكثر من عشرين عاماً على الاحتلال الأميركي، ما زال أبناء العراق الذين صبروا داخل الوطن، يحملون صفات الوفاء والولاء الحقيقي له. والدليل أن معظم من يتصدرون المشهد السياسي بعد 2003 كانوا ممن عاشوا في الخارج، بعيداً عن معاناة الداخل وجذور دجلة والفرات.

إن فشل اختراق العقل العراقي، رغم سياسات الإفقار والتضليل، هو أكبر هزيمة لأعداء العراق، وهو ما لم يحدث مع الجارة الشرقية، حيث مهّد الاختراق الثقافي والإعلامي الطريق لاختراق أمني وعسكري لاحق.

في النهاية، من يمتلك وعياً حقيقياً وشعباً حياً، لا تهزمه لا طائرات مُسيّرة، ولا حملات تضليل إعلامي، ولا حصار اقتصادي.
فالتحصين الحقيقي يبدأ من العقول… لا من حدود السماء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار