كتُـاب وكالة أرض آشور

دهاء وذكاء الإنجليز في طريقة فن الرد لترويض (الرعونة) الأمريكية الترامبية .. عندما شدَّ الملك تشارلز أُذن واشنطن في عقر دارها !

بقلم : أحمد عبد الصاحب كريم..

عندما يقصف الأستاذ الخبير التلميذ المتمرد والمستفز ، في مدرسة السياسة الدولية ، ثمة فرق شاسع بين (التلميذ المشاغب) الذي يظن أن الضجيج يصنع هيبة وبين (الأستاذ العجوز) الذي ينهي المعركة بابتسامة باردة وكلمة منتقاة ولكنها ذات معنى كبير ، هذا بالضبط ما حدث في الزيارة التاريخية للملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة زيارة توهمت (واشنطن وترامب) أنها صك خضوع من بريطانيا فإذ بها تتحول إلى درس في (الإتيكيت القاسي) واستعراض لعضلات التاريخ أمام مراهقة الجغرافيا
أنها دبلوماسية (قبل أيام مضت) .. دخل الملك تشارلز مبنى الكونغرس الأمريكي لا ليطلب ودًّا بل ليمارس هواية الإنجليز المفضلة (القصف بالبرود) ، في الوقت الذي كان فيه ترامب يوزع الإهانات يميناً وشمالاً مستصغراً شأن حلفائه وعارضاً عضلات الناتو كأنها ملكية خاصة وقف الملك السبعيني بشموخ لا تكسره السنون وبدلاً من الرد على (تغريدات) ترامب الرعناء بلغة الشارع اختار لغة العراقة والوقت والتأريخ المناسب للرد ، قالها تشارلز ببرود ملكي يحسد عليه : ” نحتفل معكم بمرور (250) عاماً على تأسيس بلدكم الرائع .. نحن في المملكة المتحدة نطلق على هذه السنين عبارة (قبل أيام مضت) ! ” ، هكذا وبجملة واحدة حوّل تشارلز الإمبراطورية الأمريكية العظمى إلى مجرد (حدث عابر) في دفتر الملاحظات البريطاني .
عندما يتحدث (صانع الملوك) .. لم يكن تشارلز ذلك الشاب الذي اصطحب (17) كتاباً في شهر عسله (كما ذكرت زوجته الراحلة الأميرة ديانا) عبثاً ، بل كان يعد نفسه ليوم يلقن فيه (رعاة البقر) أصول العراقة ، فبينما يتبجح ترامب بأن أمريكا أنقذت اوربا من التحدث بالألمانية بعد غزو هتلر لاوربا ، جاءه الرد الملكي البريطاني كالصاعقة :  ” لولا ريطانيا العظمى لكان السيد ترامب يتحدث الفرنسية اليوم! “، وهذا الرد جعل الكاميرات تتوجه إلى وجوه الأمريكان و ترامب بالذات الذي لم يتمكن من الرد بأي كلمة
هي رسالة مفادها : ” نحن من صنعنا هويتكم ونحن من وقع أحد أجدادنا (جورج الخامس) شهادة ميلاد ديمقراطيتكم التي تصدعون بها رؤوسنا الآن ” وانا جئتكم زائر وليس محتل ، عتاب لم يكن للمواساة بل كان (تأديباً) مغلفاً بنياشين ملكية لامعة تزين بدلة تشارلز الملكية .

أما الانتقاد الأكبر جاء خلال فترة التحضير للعشاء قال لترامب وبطريقة سخرية وتذكير أنني لم أشاهد أي تغير في البيت الأبيض منذ عام ١٨١٤ من أن قمنا بأعماره وإصلاحه لي يخبره أننا قمنا بأوراق البيت الأبيض في ١٨١٤ خلال الحرب ونحن من اصلحناه هذا التذكير جعل ترامب يمسك بأرجل تشارلز حتى يكف من التوقف من قصف الجبهات
جرس الغواصة.. نكتة بريطانية بامتياز .. ولأن السخرية الإنجليزية لا تكتمل إلا بـ (هدية ملغومة) أهدى الملك تشارلز لترامب جرس غواصة من الحرب العالمية الثانية تحمل اسم (ترامب) معلقاً بخبث :  “بريطانيا مستعدة لأي شيء ومساعدتكم عند الاتصال بنا “، لم يكن جرساً للذكرى بل كان (منبهاً) لترامب ليفيق من غيبوبة القوة المفرطة ليذكره أن انتقاده للبحرية البريطانية بعدم الانخراط في الحرب مع إيران بأنها بحرية قديمة أهداه الجرس ليذكره أن البحرية البريطانية هي من التي حكمت أوربا خلال الحرب العالمية الثانية ، لقد أمسك الملك بأذن أمريكا في عقر دارها وبينما كان الكونغرس يصفق كان الملك يبتسم لأنه يعلم أن التاريخ لا يحفظ (الجعجعة) ، بل يصنعه أولئك الذين يعرفون متى يرتدون (معطف الملك) ليذكروا العالم أن (الأصل يبقى أصلاً) ، وأن العراقة لا تُشترى بمليارات الدولارات ولا بالتصريحات العنترية.
… الخلاصة .. لقد غادر تشارلز واشنطن تاركاً خلفه ترامب يحاول فك شفرات (الأدب الإنجليزي) ، بعدما أثبت له أن بريطانيا وإن شاخت مخالبها فإن لسانها لا يزال يقطع رقاب المتطاولين على هيبة (التاج البريطاني) .
لادنسبيرغ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار