ماذا يحدث الآن: الاقتصاد والحرب

الدكتورة نادية الجدوع
خبير ستراتيجي..
الاقتصاد والحرب
يدخل العالم في مارس 2026 مرحلة حرجة من التشابك بين الصراعات العسكرية العنيفة وبين استقرار النظام المالي العالمي. لم تعد الحرب مجرد مواجهة ميدانية، بل تحولت إلى محرك أساسي لأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم التي تمس حياة الأفراد في كل مكان.
ان زلزال الطاقة: النفط والغاز تحت التهديد
منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط (فبراير/مارس 2026)، شهدت أسواق الطاقة اضطرابات حادة:
ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 30% لتصل إلى حاجز 119 دولاراً للبرميل.
تترقب الأسواق بقلق وضع “مضيق هرمز”، حيث يمر من خلاله حوالي 30% من صادرات الأسمدة وجزء ضخم من إمدادات الهيدروكربونات العالمية.
كما أثار توقف منشأة “رأس لفان” في قطر -أكبر محطة للغاز في العالم- مخاوف دولية من نقص حاد في الإمدادات، مما يضع الدول المستوردة (خاصة في أوروبا وآسيا) في موقف اقتصادي صعب.
كما ان التضخم والنمو: فاتورة باهظة للنزاعات
تؤدي الحروب الحالية إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية التي كانت موجودة مسبقاً:
وتشير توقعات صندوق النقد الدولي (IMF) لعام 2026 إلى تباطؤ النمو العالمي ليصل إلى 3.1%، مع تزايد احتمالات الركود في الاقتصادات المتقدمة.
ان كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط ترفع معدل التضخم في الاقتصادات الآسيوية بنحو 0.2 نقطة مئوية، مما يضغط على البنوك المركزية لرفع الفائدة.
و بسبب تعطل شحنات الأسمدة والحبوب، ارتفعت تكاليف الإنتاج الزراعي بشكل كبير، وهو ما سينعكس قريباً على أسعار المواد الغذائية للمستهلك النهائي
تخلق النزاعات واقعاً اقتصادياً متبايناً بين الدول:
اما الدول المستوردة للطاقة مثل الصين، الهند، اليابان، ومعظم دول أوروبا، بالإضافة إلى الدول التي تعاني أصلاً من ديون مرتفعة مثل باكستان.
والدول المصدرة للطاقة خارج مناطق النزاع مثل كندا، النرويج، وروسيا، بالإضافة إلى شركات الصناعات الدفاعية والطيران التي تشهد أسهمها ارتفاعات ملحوظة. كما تشهد التوقعات المستقبلية لعام 2026
يصف المحللون عام 2026 بأنه عام “المواجهة مع العواقب”. وتعتمد الآفاق المستقبلية على عدة عوامل:
مدة النزاع: إذا استمرت المواجهات لأكثر من شهرين، قد تصل أسعار النفط إلى 130 دولاراً، مما يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي شبيه بأزمات السبعينيات.
ورغم الأزمات، تظل الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي هي المحرك الوحيد الذي لم يتأثر بشكل سلبي كبير بالتوترات الجيوسياسية.
حيث نرى الآن تحولاً في سلاسل التوريد لتقليل الاعتماد على المناطق الساخنة، وهو ما يعرف بظاهرة “تراجع العولمة” (Deglobalization).
إن ما يحدث الآن هو اختبار حقيقي لمرونة الاقتصاد العالمي؛ فالحرب لم تعد تدمر البنية التحتية في الميدان فحسب، بل تمزق شرايين التجارة العالمية وترفع تكلفة المعيشة في أقصى بقاع الأرض.
اماالعراق يتأثر بشكل مباشر ومزدوج بالمعادلة الحالية (الحرب والاقتصاد) لعام 2026، كونه يعتمد كلياً على ريع النفط ويقع في قلب منطقة جغرافية ملتهبة. نستطيع ان نفصيل المشهد العراقي الراهن:
1. الموازنة والنفط: “طفرة” مهددة
رغم ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى ما فوق 115 دولاراً، إلا أن العراق يواجه مفارقة صعبة:
اما في الوضع الراهن حقق العراق فوائض مالية ضخمة نتيجة ارتفاع الأسعار، مما أنعش الخزينة العامة مؤقتاً.
لكن أي تصعيد عسكري في الخليج أو تهديد للملاحة في مضيق هرمز يعني شلّ قدرة العراق على تصدير أكثر من 80% من نفطه (البصرة)، مما قد يحول “الطفرة” إلى عجز كارثي في حال توقف التصدير.
و تذهب أغلب هذه الفوائض لتغطية الرواتب المتضخمة في موازنة 2024-2026، بدلاً من الاستثمار في قطاعات إنتاجية بديلة.
2. التضخم الداخلي وقدرة الشراء
يعاني المواطن العراقي حالياً من تبعات الحرب غير المباشرة:
اذ ان العراق يستورد أكثر من 90% من احتياجاته (غذائية، إنشائية، تكنولوجية). مع اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن، شهدت الأسواق المحلية موجة غلاء طالت السلع الأساسية بنسبة تتراوح بين 15-20%.
ونتيجة النزاعات وتأثر خطوط نقل الأسمدة العالمية، ارتفعت تكاليف الزراعة المحلية، مما هدد الأمن الغذائي وزاد الاعتماد على المستورد الأغلى ثمناً.




