محرم في بغداد عبق الحزن وكرم النفوس

علي قيس زبار – لوكالة أرض آشور الإخبارية :-
في بغداد، عندما يهلّ شهر محرم، يتبدل وجه المدينة. تنقلب الشوارع إلى ممرات حزينة مضمخة بالسواد، ترفرف الرايات الحسينية من كل زاوية، وتنبض الأرواح بإحياء ذكرى كربلاء. ليس الأمر مجرد طقوس، بل هو انغماس وجداني عميق في قيم الفداء والوفاء والتضحية التي سطرها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه.
المواكب الحسينية في بغداد تأخذ طابعاً خاصاً، فهي ليست فقط مسيرات عزاء، بل محطات للإنسانية والتكافل. تمتد سرادقاتها في الأزقة والأحياء والأسواق، يعلو منها صوت اللطم والبكاء على مصيبة كربلاء ، ولكن أيضاً تفوح منها رائحة الطعام الممزوجة بالنوايا الطيبة. هنا، لا يسأل أحد عن اسمك أو من أين أتيت، فكل من يمر هو “زائر الحسين (ع)” وله نصيب من الخدمة.
الطعام في محرم ببغداد ليس مجرد وجبات توزع، بل هو طقس روحي. القدور العملاقة توقد منذ الفجر، ويجتمع حولها شباب وكبار السن، يسهمون في تقطيع اللحم، غسل الرز، تقليب الحساء، أو توزيع الماء البارد. وكل من يطبخ، لا يبتغي إلا الأجر والثواب، وكأنهم يطبخون للحسين نفسه. تلك النفوس الطيبة في الطبخ، وذاك العرق المتصبب من جباههم، دليل على حب لا يُفسَّر بالكلمات.
والماء… الماء في محرم له حكاية خاصة، يُوزَّع في أكواب صغيرة أو ثلجية، مصحوباً بنداء: “تذكرة لعطش الحسين وأهل بيته”. فحتى شربة الماء في هذه الأيام تصبح عبادة ووفاء لدمعة.
محرم في بغداد ليس حزناً فقط، بل هو موسم للكرم، لصفاء النفوس، لوحدة الناس، ولعشق لا يشيخ اسمه الحسين.




