الشعب مادة الدولة (٢)

محمد عبد الجبار الشبوط..
تعقيبا على الحلقة الاولى من مقالي “الشعب مادة الدولة” بعث لي الصديق جبار موسى بالسؤال التالي:”سؤال عندي حول مقالك هو هل ان الشعب مادة الدولة بما هو افراد او بما هو منتظم اجتماعي؟ بمعنى هل ان الشعب كونه افراد هو مادة اشتغال الدولة أو الشعب بما هو نظام مادة الدولة؟ بصورة اوضح هل العبرة من كون الشعب مادة الدولة كافراد ذوي طاقات تحتاجها الدولة او الشعب كمنظومة عمل وفعاليات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وغير ذلك؟”
واجبته مختصرا بالاتي: “سؤال دقيق ومهم.ينتج منه سؤال اخر قبل الاجابة عن السؤالين: هل يمكن الفصل بين الافتراضين؟
الاصل هم الافراد. انهم المادة الخام. لكن حتى يتحولوا الى مادة دولة يجب ان يلتحموا بمنظومة او شبكة روابط تشكل النسيج الاجتماعي. لا يمكن تصور فرد كمادة للدولة دولة ان يدخل هذا الفرد في الشبكة او الملتحم الاجتماعي. في نفس الوقت لا يمكن تصور الملتحم الاجتماعي بدون الافراد.”
وفي التفصيل اقول ان الافراد يتحولون الى “مادة الدولة”، اي مواطنين، حين يدخلون في شبكة علاقات متشعبة بينهم. وهذا ما اعتبره السيد محمد باقر الصدر العنصر الثالث من عناصر المجتمع اضافة الى الانسان والارض، واطلق عليه اسم “العلاقة المعنوية” بفرعيها: علاقة الانسان بالانسان، وعلاقة الانسان بالطبيعة.
والمواطنة في جوهرها صفة مكتسبة وليست موروثة. وهنا يتعين على النظام الاجتماعي ان يقوم بدوره في تحويل الفرد الى مواطن.
وينبغي الالتفات هنا الى ان المواطنين (الافراد) يدخلون في الملتحم الاجتماعي بوصفهم احرارا ومتساوين. فهاتان هما الصفتان الاساسيتان اللتان يقوم عليهما الملتحم الاجتماعي: الحرية والمساواة. وهاتان الصفتان تولدان مع الانسان، وهما جزء مكوِّن اساسي مما يسميه القران الكريم “الفطرة”، كما في قوله تعالى:”فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.”. وتشير الدراسات الانثروبولوجية والقرانية الى عناصر هذه الفطرة، وهي: الحرية والمساواة والايثار والاستخدام المتبادل والجنس. وقامت المجتمعات البشرية الاولى، القديمة، على اساس هذه العناصر الاولية. وفي مجتمع حديث يجب الحفاظ على هذه العناصر مع فارق مهم وهو “تقنين” هذه العناصر، وهذا هو الفرق بين مجتمع بدائي ومجتمع حديث، والفرق هو القانون. وهذا هو ما كان يقوم به الانبياء (من نوح الى محمد) والمشرعون امثال الملك البابلي السادس حمورابي (حكم من سنة 1792 قبل الميلاد إلى سنة 1750 قبل الميلاد) ومشرعو دول المدن اليونانية و المشرعون الرومان مرورا بتشريعات نابليون ووصولا الى العصر الحديث. غاية ما في الامر ان التشريعات سواء كانت الهية او وضعية عليها ان لا تخالف الاسس الفطرية الخمسة للمجتمع الانساني.
وفي الدولة الحديثة، نحتاج ان تتفق الاغلبية من المجتمع على الخطوط العريضة لهوية الدولة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين وغير ذلك. وانما قلت الاغلبية لان الاجماع غير ممكن عمليا. لكن اتفاق الاغلبية ضروري لتأخذ الدولة شكلها العام، وهذا الاتفاق من الاسباب الاساسية لاستقرار المجتمع والدولة معا. وبخلافه، اي بغياب اجماع الاغلبية على هوية الدولة، فان هذا سوف يؤدي الى زعزعة الاستقرار في الدولة والمجتمع على حد سواء. وعليه فلا يصح ان يكون الانقسام حادا في المجتمع حول المحاور الاساسية لانه يتعذر بناء دولة مستقرة بوجود هذا الانقسام. وهذا جوهر ما نعنيه بقولنا ان الشعب هو مادة الدولة، ومن هذه المادة يتم صنع الدولة. ومن هنا اوافق على النص الذي يقول:”كيفما تكونوا يولى عليكم” بغض النظر عن مصدره.

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار