الزعيم المالكي: كاريزما القيادة وثبات المنهج السياسي

رئيس التحرير
محمد فاضل الخفاجي :-
لطالما كانت السياسة في العراق فنًا لا يتقنه إلا من امتلك نفساً طويلاً ورؤيةً تتجاوز حدود اللحظة الراهنة. وفي هذا المشهد المعقد، برز اسم نوري المالكي ليس فقط كقائد سياسي، بل كصمام أمان نجح في قيادة السفينة العراقية وسط أمواج متلاطمة، مُثبتاً في كل محطة أن “الزعامة” ليست مجرد منصب، بل هي موقف وقدرة على اتخاذ القرار الصعب لمصلحة الوطن.
اتسمت مسيرة المالكي بقدرة فائقة على احتواء الأزمات التي كادت أن تعصف بكيان الدولة. فمنذ سنوات التحديات الأمنية الكبرى إلى صراعات الهوية السياسية، كان حضوره يمثل محور الارتكاز. لم يكن حزمه نابعاً من الرغبة في السلطة، بل من إيمانه بضرورة وجود دولة قوية ومؤسسات قادرة على حماية المواطن. لقد أثبت عبر سنوات قيادته أن القوة في السياسة لا تعني الصدام الدائم، بل تعني القدرة على ضبط الإيقاع ومنع الانفلات.
ان أحد أبرز المواقف التي سجلها التاريخ للمالكي كزعيم عراقي كبير هو تنازله عن رئاسة الوزراء في لحظة تاريخية فارقة. هذا الموقف لم يكن تراجعاً، بل كان ذروة الحكمة السياسية؛ حيث آثر استقرار البلاد وحقن الدماء وتوحيد الصف الوطني على التمسك بالموقع. بهذا الفعل، كسر المالكي الصورة النمطية للسياسي الذي يتمسك بالسلطة، ليؤكد أن مصلحة العراق واستقرار نظامه السياسي فوق كل اعتبار شخصي.
حيث استمرت هذه الحكمة السياسية في التجلي من خلال دور المالكي داخل الإطار التنسيقي (الكتلة الأكبر). فبفضل توازنه ورؤيته الثاقبة، تمكن الإطار من الوصول إلى تفاهمات وطنية أفضت إلى اختيار السيد علي فالح الزيدي مكلفاً لرئاسة الوزراء.
هذا الاختيار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء انعكاساً لمنهج المالكي في دعم الكفاءات القادرة على إدارة المرحلة وتلبية تطلعات الشارع. إن مباركة هذا التكليف ودعمه يظهران حرص “الزعيم” على استمرار عجلة الدولة والبناء على المكتسبات التي تحققت، مع إعطاء مساحة لدماء وطنية جديدة تواصل مسيرة الإصلاح والإعمار.
لقد أثبتت الأيام أن نوري المالكي يمتلك قدرة استثنائية على إخراج العراق من مضايق سياسية وأزمات مركبة بفضل حنكته وهدوئه في اتخاذ القرارات المصيرية. إن القوة في القيادة التي يمثلها اليوم هي قوة “الراعي” للعملية السياسية، الذي يضع خارطة الطريق ويضمن عدم انحرافها.
ختاماً نقول: يبقى المالكي رقماً صعباً في المعادلة العراقية، لا لكونه رئيساً سابقاً للوزراء فحسب، بل لكونه زعيماً وطنياً استطاع أن يثبت للجميع أن القيادة هي مسؤولية تاريخية، وأن الحكمة في الانسحاب أحياناً لا تقل قوة عن الحزم في المواجهة.




