المقالات

العراق بين مطرقة “دولار” الفيدرالي وسندان التوترات الإقليمية: خيارات النجاة

رئيس التحرير
محمد فاضل الخفاجي :-

يواجه العراق اليوم منعطفاً تاريخياً حرجاً، حيث تتلاقى ضغوط الجغرافيا السياسية مع أزمات الهيكلية الاقتصادية. ففي ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، يجد الاقتصاد العراقي نفسه رهينةً لتقلبات لا يملك السيطرة الكاملة عليها، مما يستدعي وقفة جادة للمراجعة ووضع حلول جذرية تضمن استمرارية الدولة ورفاهية مواطنيها.
أزمة السيولة و”فيتو” الدولار
​يرتكز الاقتصاد العراقي بشكل كلي تقريباً على عوائد النفط، وهو ما يجعله عرضة للاهتزاز عند أي اضطراب في تدفق شحنات “الدولار” من البنك الفدرالي الأمريكي. إن تأخر أو شح هذه السيولة يضع الحكومة في مأزق حقيقي تجاه الوفاء بالتزاماتها، وعلى رأسها رواتب الموظفين ونفقات التشغيل اليومية.
​هذا الاعتماد المفرط كشف الغطاء عن الحاجة الماسة لفك الارتباط التدريجي بسطوة العملة الصعبة عبر:
​تفعيل الجباية الرقمية: أتمتة الضرائب والرسوم في القطاعات كافة لتقليل الهدر والفساد وضمان دخول الأموال لخزينة الدولة مباشرة.
​تعزيز الثقة بالعملة المحلية: من خلال إجراءات بنكية تدفع المواطن والمستثمر للتعامل بالدينار في المعاملات الداخلية.
ما وراء النفط: السياحة كطوق نجاة
​يمتلك العراق كنوزاً لا تنضب، وهي البديل الأمثل للنفط إذا ما استغلت بشكل صحيح. إن تنويع مصادر الدخل لم يعد ترفاً بل ضرورة قصوى:
​1. السياحة الدينية والترفيهية
​العراق وجهة عالمية للسياحة الدينية التي تستقطب الملايين سنوياً. الحل يكمن في تحويل هذه الزيارات من “عبء خدمي” إلى “استثمار اقتصادي” عبر تطوير البنى التحتية المحيطة بالعتبات المقدسة، وفرض رسوم خدمات متطورة، وتنشيط قطاع الفنادق والنقل. كما أن المناطق السياحية في إقليم كردستان والأهوار في الجنوب تمثل رئة تنفس اقتصادية يمكنها جذب العملة الصعبة إذا ما توفرت الرؤية الترويجية الصحيحة.
​2. تعظيم الإيرادات غير النفطية
​على الحكومة تفعيل جباية أجور الكهرباء، الماء، والخدمات البلدية بآليات حديثة، حيث أن هذه الأموال تمثل رافداً حيوياً يمكن أن يغطي جزءاً كبيراً من الموازنة التشغيلية بعيداً عن تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
الاستحقاق السياسي: بوصلة الإنقاذ
​لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة؛ فالاستقرار المالي يبدأ من استقرار القرار السياسي. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الإطار التنسيقي في حسم ملف اختيار رئيس الوزراء القادم.
​مواصفات رئيس الوزراء المنشود:
​الحنكة الاقتصادية: القدرة على إدارة الأزمات المالية وتفكيك العقد التي تحول دون تدفق السيولة.
​الدبلوماسية المتزنة: شخصية تمتلك القدرة على تحييد العراق وإبعاده عن “صراع المحاور” في المنطقة، للحفاظ على تدفق الاستثمارات وحماية سيادة القرار المالي.
​الرؤية الإصلاحية: الجرأة في اتخاذ قرارات هيكلية لتقليص الترهل الوظيفي ودعم القطاع الخاص.
الطريق إلى بر الأمان
​إن خروج العراق من عنق الزجاجة يتطلب تكاتفاً بين صانع القرار السياسي والخبير الاقتصادي. إن تأمين رواتب الموظفين وضمان مستقبل الأجيال لا يمر عبر انتظار شحنات الدولار فحسب، بل عبر بناء اقتصاد متعدد الموارد، ومؤسسات قوية، وقيادة سياسية تضع “مصلحة العراق أولاً” فوق كل اعتبار إقليمي أو حزبي. الوقت ليس في صالحنا، والتحرك الآن هو الخيار الوحيد للنجاة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار