لماذا تقدم الاحتياجات والدعم للأشخاص الخطأ؟؟ قراءة تحليلية في خلل الاختيار وتوجيه الموارد

الكاتبة / هبه نجم الدين
___
تعد مسألة توجيه الدعم إلى غير مستحقيه من الظواهر المتكررة في الحياة الفردية والمؤسسية على حدٍ سواء فكثيرا ً ما تبذل الجهود والموارد والاهتمام لصالح أشخاص لا يقدرونها أو لا يحسنون توظيفها بينما يهمش من هم أكثر كفاءة أو التزاماً أو استحقاقاً
هذه المفارقة لا تنشأ عادة من سوء نية بقدر ما تنتج عن تداخل عوامل نفسية واجتماعية وتنظيمية معقدة.
وأحدة من أبرز هذه العوامل هو الانطباع الأولي المضلل فالإنسان بطبيعته يتأثر بالمظاهر السريعة مثل (الحضور الواثق، أو الطلاقة في الحديث، أو القدرة على لفت الانتباه) وغالباً ما يحصل أصحاب الكاريزما الظاهرية على دعم أكبر من أصحاب الكفاءة الهادئة، ومع مرور الوقت يتضح أن الجاذبية اللحظية ليست بالضرورة مؤشراً على الجدارة الحقيقية، لكن القرار يكون قد اتخذ بالفعل.
ويبرز عامل اخر ايضاً وهو عامل سوء تقدير الاحتياج مقابل الاستحقاق فبعض متخذي القرار يخلطون بين من يبدو أكثر طلباً أو إلحاحاً وبين من هو أكثر جدارة، الشخص الأكثر شكوى أو حضور قد يحصل على نصيب أكبر من الموارد، بينما يفترض خطأً أن الشخص الصامت أو المستقر “لا يحتاج”
وهنا يحدث خلل جوهري في توزيع الدعم.
من وجهة نظر اخرى يسهم ضعف المعايير الواضحة في تفاقم المشكلة حين تغيب مؤشرات الأداء الدقيقة أو آليات التقييم الموضوعي، يصبح توزيع الفرص والدعم عرضة للأهواء والانطباعات الشخصية وهذا مؤسف جداً فالمؤسسات التي لا تمتلك أنظمة تقييم شفافة تكون أكثر عرضة لتكرار دعم الأشخاص الخطأ.
ولا يمكن إغفال التحيز التأكيدي حيث يميل الأفراد إلى دعم من ينسجم مع توقعاتهم المسبقة أو يشبههم في الخلفية أو الأسلوب. هذا التحيز يعمل غالباً دون وعي ولكنه يؤدي إلى إعادة تدوير الفرص داخل دائرة ضيقة وإقصاء كفاءات قد تكون أكثر استحقاقاً.
كذلك يظهر أحياناً ما يمكن تسميته بمتلازمة المنقذ في العلاقات الإنسانية وحيث يشعر بعض الأشخاص بقيمة ذاتية اعلى حين يساعدون من يبدو ضعيفاً أو مضطرباً، حتى لو كان هذا الدعم غير مجدٍ أو يساء استخدامه، في هذه الحالة يتحول الدعم من فعل رشيد إلى استجابة عاطفية غير محسوبة.
وان النتائج المترتبة على توجيه الدعم لغير مستحقيه ليست بسيطة ابدا ً فهي تؤدي إلى (هدر الموارد، وإحباط الكفاءات الحقيقية، وتكريس أنماط غير عادلة داخل المنظومات الاجتماعية والمهنية) ومع التكرار قد تتشكل ثقافة ضمنية تكافئ الصوت الأعلى لا الجهد الأجدى.
الخلاصة
إن تقديم الاحتياجات والدعم للأشخاص الخطأ لا يحدث غالباً بسبب غياب الخير، بل بسبب غياب المعايير الواعية. فحين يحل الانطباع محل التقييم، والعاطفة محل الموضوعية، والضغط اللحظي محل الرؤية طويلة المدى، يصبح الخلل شبه حتمي
المقصود بـ “الأشخاص الخطأ”؟؟
——————————————————
في سياق هذه القراءة لا يقصد بـالأشخاص الخطأ
حكماً أخلاقياً مطلقاً على قيمة الإنسان أو إنسانيته، بل توصيفاً وظيفياً لحالة عدم التوافق بين الدعم الممنوح والعائد المتوقع أو الهدف المرجو.
بمعنى أدق الشخص الخطأ هو من تنطبق عليه واحدة أو أكثر من الحالات الآتية ضمن سياق محدد:
١. من يتلقى دعماً لا يوظفه أو لا يحسن استخدامه.
٢. من لا يمتلك الجاهزية أو الكفاءة المناسبة للفرصة الممنوحة.
٣. من يستهلك الموارد على حساب من هو أكثر قدرة على تحقيق أثر إيجابي.
٤. من يظهر احتياجاً أو جاذبية سطحية تخفي ضعف الالتزام أو المسؤولية.
٥.من يتكرر معه نمط الاستنزاف دون تطور ملموس.
من الذي يحدد الشخص الخطأ؟؟
——————————————
التحديد لا ينبغي أن يكون انطباعياً أو شخصياً بل يقوم في السياقات الرشيدة على منظومة معايير واضحة تختلف باختلاف المجال:
ففي المؤسسات والعمل يعتمد على (مؤشرات الأداء والإنجاز، مستوى الكفاءة والجاهزية، القدرة على تحويل الدعم إلى نتائج ملموسة، الالتزام والاستمرارية).
اما في العلاقات الشخصية ( التوازن بين الأخذ والعطاء،احترام الحدود وعدم الاستنزاف المتكرر، الصدق والوضوح في النوايا،الأثر النفسي والسلوكي للعلاقة على الطرفين).
المهم جداً فيما كُتب هو:
الحكم الخاطئ يحدث غالباً عندما يترك التقييم للأهواء أو الانطباعات السريعة لذلك فإن السؤال الأدق ليس فقط: من هو الشخص الخطأ؟؟
بل: هل نمتلك نحن أدوات تقييم صحيحة وعادلة؟؟
دمتم بخير




