تقارير وتحقيقات

مركز الدراسات التجارية والاقتصادية (TREC).. خط أنابيب البصرة – جيهان: هل يمتلك العراق فرصة استراتيجية للخروج من عنق الزجاجة النفطية؟

في ظل التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية، وتصاعد التحديات الجيوسياسية التي تؤثر على استقرار سلاسل الإمداد، عاد مقترح إنشاء خط أنابيب نفطي يربط جنوب العراق بميناء جيهان التركي ليطرح نفسه كخيار استراتيجي قابل للنقاش، مدفوعًا بتصريحات المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، التي أشار فيها إلى أهمية المشروع في تعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية، وعلى رأسها مضيق هرمز.

يمثل هذا الطرح امتدادًا لاتجاه دولي متزايد نحو تنويع مسارات نقل الطاقة، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية التي تجعل من الممرات البحرية الحساسة نقاط اختناق محتملة. وفي هذا السياق، يبرز خط البصرة – جيهان كأحد البدائل الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد تشكيل خريطة الصادرات النفطية العراقية، من خلال توفير منفذ بري أكثر مرونة واستقرارًا باتجاه الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط.

*تفاصيل المشروع المقترح ومساراته

بحسب التصورات الأولية، يربط المشروع حقول البصرة جنوب العراق بميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بعدة محطات داخل الأراضي العراقية والتركية. إذ يتجه مسار الأنبوب شمالًا نحو حديثة، ثم إلى بيجي، وصولًا إلى فيشخابور قرب الحدود التركية، قبل أن يمتد إلى منطقة سيلوبي داخل تركيا، ومن ثم إلى جيهان.

ويتضمن الجزء التركي من المشروع خط أنابيب بطول يقارب 650 كيلومترًا، مكوّن من أنبوبين بقطري 40 و46 إنج، وبطاقة تصديرية تقديرية تصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، ما يجعله أحد المشاريع القادرة على إحداث نقلة نوعية في قدرات العراق التصديرية.

ولا يقتصر المشروع على النفط فحسب، بل يتقاطع مع خطط لنقل الغاز الطبيعي، بما يعزز فرص التكامل في قطاع الطاقة بين العراق وتركيا، ويدعم احتياجات العراق المستقبلية في مجال توليد الكهرباء.

*مكاسب استراتيجية واقتصادية محتملة

يمثل المشروع، في حال تنفيذه، فرصة استراتيجية للعراق لتقليل اعتماده شبه الكامل على المنافذ الجنوبية، وهو ما من شأنه أن:

* يعزز استقرار الإيرادات النفطية عبر تنويع قنوات التصدير
* يرفع من مرونة إدارة الصادرات في مواجهة الأزمات
* يقلل من المخاطر المرتبطة بالاختناقات البحرية
* يدعم القدرة التفاوضية للعراق في الأسواق العالمية
* يعزز ثقة الشركاء الدوليين باستدامة الإمدادات العراقية

كما ينسجم المشروع مع مشروع “طريق التنمية” الذي تسعى الحكومة العراقية إلى تطويره، بما يعزز موقع العراق كممر اقتصادي يربط آسيا بأوروبا، ويفتح آفاقًا أوسع للتكامل الإقليمي.

في المقابل، يعزز المشروع من طموحات تركيا للتحول إلى مركز إقليمي رئيسي للطاقة، وهو ما قد يخلق فرصًا لشراكات استراتيجية طويلة الأمد بين البلدين.

*التحديات بين الواقع والطموح

رغم ما يحمله المشروع من فرص واعدة، إلا أن تنفيذه يتطلب معالجة مجموعة من التحديات، في مقدمتها تأمين التمويل اللازم، وتوفير بيئة قانونية وتنظيمية مستقرة، فضلًا عن ضمان التنسيق السياسي والفني بين الأطراف المعنية.

كما تبرز اعتبارات أمنية ولوجستية تتعلق بمسار الأنبوب داخل الأراضي العراقية، إلى جانب ضرورة إدماج المشروع ضمن رؤية وطنية شاملة لتنويع منافذ التصدير وتعظيم الاستفادة من الموارد النفطية.

ومع ذلك، تشير التقديرات الدولية – بما في ذلك تصريحات بيرول – إلى أن معضلة التمويل يمكن تجاوزها، خاصة في ظل الاهتمام الأوروبي المتزايد بتأمين مصادر طاقة مستقرة، وهو ما يجعل التوقيت الحالي مناسبًا لإعادة إحياء هذا المشروع.

*نافذة استراتيجية تتطلب قرارًا حاسمًا

في المحصلة، لا يمثل خط أنابيب البصرة – جيهان مجرد مشروع بنى تحتية، بل يشكل تحولًا استراتيجيًا في إدارة العراق لثروته النفطية. فتنويع المنافذ التصديرية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحولات العالمية.

ومن هذا المنطلق، يرى مركز الدراسات التجارية والاقتصادية أن المشروع يستحق إعادة طرحه على طاولة صانع القرار، ضمن مقاربة شاملة تجمع بين الدراسة الفنية والاقتصادية، والانفتاح على شراكات إقليمية ودولية قادرة على تحويله من مقترح إلى واقع.

ففي عالم يتغير بسرعة، تبقى القدرة على استباق المخاطر وبناء البدائل هي الركيزة الأساسية لحماية المصالح الاقتصادية وتعزيز الاستقرار طويل الأمد .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
مشاركة فاعلة للبلداوي والعتابي في اجتماع كربلاء الوطني لمكافحة التطرف وتعزيز التماسك المجتمعي السوداني يوجه بدراسة عاجلة لأسباب ارتفاع أسعار مادة "بيض المائدة" ووضع المعالجات رئيس الاتحاد العربي للإعلام الإلكتروني يزور بلدية الرشيد ويشيد بجهودها الخدمية الداخلية: اعتماد المصحات القسرية بديلاً عن سجن المتعاطين وفق القانون تتضمن أول 15 صهريجاً.. الوائلي يعلن المباشرة بتصدير النفط الخام عبر منفذ ربيعة الإطار التنسيقي يحسم آليات توزيع الحقائب الوزارية وفق نظام "النقاط".. وهذه حصص الكتل وكالة الأنباء السورية: انفجار في منطقة السيدة زينب (ع) بريف دمشق والفرق المختصة تباشر عملها لمعرفة ح... الأمن الوطني: القبض على أكثر من 4 آلاف متهم بالابتزاز خلال العامين الماضيين رئيس الوزراء المكلف يوجه دعوة إلى الرئيس الباكستاني لزيارة العراق ويشيد بجهود إسلام آباد في إنهاء ال... شرطة بغداد الكرخ تعلن حصيلة نشاطاتها الأسبوعية: إلقاء القبض على أكثر من 1300 مطلوب وتنفيذ آلاف الواج...