كتُـاب وكالة أرض آشور

إيران ومعركة الكرامة: عندما يتحول الصمود إلى نصر

نبيل محمد سمارة..

ليست كل اللحظات عابرة في عمر الشعوب، فبعضها يتحول إلى معيار يقاس به الشرف، وتوزن به المواقف، وتكشف فيه حقيقة الإنسان حين يخير بين الكرامة والانكسار. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت حياداً، بل تراجعاً، ولا يكون التردد حكمة، بل خسارةً مبكرة.

سيكتب التاريخ، بلا مواربة، أن في هذه الأرض من رفضوا أن يذلوا، وأنهم لم يقبلوا أن يكونوا رقماً في معادلات الخضوع. سيكتب أن أناساً واجهوا العالم وهم يدركون أن الثمن باهظ، لكنهم مضوا، لأن الكرامة عندهم لم تكن خياراً… بل كانت قدراً.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع سياسي أو تنافس نفوذ، بل هو صدام بين منطقين: منطق يرى الإنسان حراً عزيزاً لا يساوم، ومنطق آخر لا يرى في الشعوب سوى أدوات تدار وتستهلك. وبين هذين المنطقين، تتحدد ملامح المستقبل.

لقد أثبتت الوقائع أن الشعوب التي تؤمن بحقها، لا تهزم بسهولة. قد تتألم، قد تحاصر، قد تستنزف، لكنها لا تنكسر. لأن ما يحركها ليس مجرد مصلحة آنية، بل إيمان عميق بأن الحق لا يهزم مهما طال الزمن.

وفي قلب هذه المعادلة، تقف الجمهورية الإسلامية الايرانية بوصفها نموذجاً صريحاً في رفض الإملاءات، وإعلان الانحياز لما تعتبره حقاً دون مواربة. دولة تقول بوضوح إنها لا تخشى إلا الله، ولا تنحني إلا لمبادئها. قد يختلف معها البعض، وقد يعارضها آخرون، لكن أحداً لا يستطيع إنكار أنها رسخت معادلة مختلفة: أن الاستقلال ليس شعاراً، بل قرار يدفع ثمنه.

لقد لقنت هذه التجربة، ومعها كل من سار في خط المواجهة، درساً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً: أن الكرامة لا تمنح، بل تنتزع. وأن من يقف مع الحق، حتى وهو وحيد، يملك قوة تفوق جموعاً فقدت بوصلتها.
إن الانتصار الحقيقي لا يبدأ حين تسقط راية الخصم، بل حين تترسخ القناعة بأن الخضوع لم يعد خياراً. حينها فقط، يتغير كل شيء: تتبدل المعادلات، وتعاد كتابة القوانين، ويصبح المستحيل ممكناً.

ولعل أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية، أنها لا تختبر القوة العسكرية فقط، بل تختبر صدق الانتماء. فمن يقف اليوم على الحياد، سيكتشف غداً أنه كان خارج معادلة التاريخ. لأن اللحظات الكبرى لا تعترف بالمنطقة الرمادية، بل تفرض على الجميع أن يختاروا موقعهم بوضوح.

سيكتب التاريخ أن هناك من فهم المعركة على حقيقتها، فلم يساوم، ولم يتراجع، ولم يبدل قناعاته تحت الضغط. وسيكتب أيضاً أن هناك من فضل السلامة المؤقتة على الكرامة الدائمة، فخسر الاثنين معاً.

إن الدرس الأهم الذي يعاد تأكيده اليوم، هو أن الأمم لا تبنى بالخوف، ولا تصان بالتنازل، بل تبنى بالإرادة، وتصان بالموقف. وأن من يربح نفسه، ويربح كرامته، لا يمكن أن يكون خاسراً، مهما كانت نتائج المعارك.

في النهاية، لن يتذكر الناس تفاصيل كل حدث، لكنهم سيتذكرون من وقف، ومن صمد، ومن قال “لا” حين كان الصمت أسهل. سيتذكرون من اختار الطريق الأصعب لأنه الطريق الصحيح.

وهنا تحديداً، تكتب الحكاية التي لا تمحى:
أن الكرامة حين تتحول إلى عقيدة، يصبح النصر وعداً… لا احتمالاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار