كتُـاب وكالة أرض آشور

الخبز في العقل البدوي !

حسين الذكر..

بعد عقود من رحيل ابي رحمه الله .. ما زلت أرفع أي قطعة عيشة ممكن تراها عيني مرمية على الارض مهما صغرت فلا يمكن ان اتجاوز قدسية ( العيش ) المترسخة في اعماقي وفقا لنصائح وسلوكيات بيئية … ( الرغيف ) ليس مجرد وسيلة لمواصلة الحياة بل هو بمثابة رمز لدوام النعمة .. هكذا سمعتها مرارا من كبار من عاشرتهم – في اقل تقدير – بالطفولة والصبا ..
منذ عصف الازمنة القاحطة حيث كانت الامهات تضطر الى وضع قليل مسحوق الحنطة مع ( بيض الدجاج المعمول للافطار صباحا ) كي يكبر ويكفينا حتى مع بيضة واحدة تسد رمق عدد من الاطفال المجتمعين على مائدة ترتسم عذرية العشق الاسري والانتماء الفطري وتكرس في كثير من ابجدياتها القناعة حد الاطمئنان ..
نعم مررنا خلال تقلبات الشطحات السياسية والحروب بازمات خانقة بلغ سعر الكغم طحين – الذي لا يكفي لاطعام الاسرة – بالاف الدنانير بصورة تعبر عن سوء الوضع الاقتصادي الخانق الذي تمر به البلاد .. واغلب مهتلكات الامم تعانيها الشعوب سيما الطبقات الفقيرة التي تعتاش على رمزية الخبز قبل غيرها من ترفيات المائدة العربية التي تبقى مهما تعددت وتبذرت وقولبة غير مكتملة ان لم يزينها ويعززها رغيف الخبز وما تشكله تلك الارغفة المرسومة في البال باغلب الانتفاضات تاريخيا اذ ان الفوارق الاقتصادية كانت سببا رئيسيا لاكثر الثورات الحقيقية – وليس المصطنعة – فالناس اغلبهم لا يعبأون بالسلطة وادواتها ومعتقداتها اذا ما شبعوا من الخبز .
كنت اشتري بعض الارغفة من مخبز ( البركة ) في منطقتنا .. الذي اغلقه صاحبه لاسباب تتعلق بقلة الزبائن .. ليات خباز جديد صرف اكثر على ديكور المخبز وغير اسمه الى (النور) فعانى الفشل وفتحه ثالث بعنوان (الرسالة) وظل يفتح ويغلق بذات الطريقة التي تكررت لسنوات خلت .. لم يبق اسم الا واستخدم لكن المصير واحد والفشل حاضر والخسائر مستمرة ..
تحدثت الى بعض أصحاب المخابز فوجدت اغلبهم متشائمين من الديكور او الاسم ويغيرونهما بشكل دائم .. دون ان يدرسوا أحوال البيئة والمنطقة والسكان ورغابتهم والتطورات الحضارية وتاثيرها على المواطن ومزاجه ورغباته العامة التي يعد جزء اساس منها الاكل وطريقة تناوله ونوع الاكلات وغير ذلك مما ارتبط به فقد كانوا قبل العولمة ينامون مبكرا ويخرجون لعمل يمتد ساعات طويلة لا لشيء الا لسد رمقهم من الخبز في دلالة على طول طوابير الواقفين لشراء الخبز انذاك اذ لم اجد في طفولتي حتى وقت متاخر مخبزا واحدا دون ان يكون هناك طوابير للحصول على مبتغاهم من قرص ( العيش ) كما يسمى ببعض الدول العربية .
اليوم تغيرت الأحوال الاجتماعية والنظرة للحياة ومتطلباتها وآليات عيشها.. فقد غدا التواصل على النت والسهر هدفا وامتاع … فيما الكثير من ربات البيوت اما موظفات او عاملات او مؤدلجة ترى اعداد الطعام من التوافه الوضيعة لذا يلجئن للوجبات السريعة الجاهزة بواسطة ( الدلفري )… غير ذلك الكثير مما لم يعد يشغل بال المواطن انذاك ..
اتذكر فيما اتذكره من سالف طفولة يحبها المستذكرون عادة هي الاجمل لما تحويه من ذكريات بيضاء حد الرسوخ .. ان امي رحمها كانت تخبز باكرا في تنور طين عملته بيديها الكريمة في حديقتنا .. لكنها لم تكن في يوم من الايام تخبز على قدر حاجة الاسرة اليومية .. اذ تخبز – بلا مبالغة – اضعاف ما نحتاج وعند الانتهاء تنادي علي وبعض اخوتي وتسلمنا عدد من الارغفة الحارة وتبدا تعدد : هذه لبيت جارنا فلان .. وتلك لبيت فلان ثم فلان .. وبعد انتهاء حفل التوزيع نبدا بالافطار خبزا حارا لا نكترث ( لغموسه ) كان لبنا او حليبا او مجرد ماء حار .
في المدن الفقيرة حد البؤس وما اكثرها في بلادنا العربية .. عادة ما تنتشر بشكل كثيف بارقام مهولة – اكثر مما تستعدي الضرورة او ما يتناسب مع الاحصاءات الديمغرافية – المطاعم والكازينوهات والكوفيات ودور العبادة .. فيما تختفي منتديات الثقافة والفكر وحلقات الدرس .. بما يعد مؤشر على طبيعة ازمة ( العيش ) التي تعانيها الامة .. التي ستبقى على هذا المنوال شغلها الشاغل الاول والاخير بكيفة توفر لقمة العيش دون الخوض بما يجري في البيئة من تغيرات حضارية تستحق التذكير والتفكير .. كي تتغير معها حتمية معالم ازمة او ثورة الخبز .. !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار