هل تستطيع الحكومة اسعاد المواطنين ؟ (٣)

محمد عبد الجبار الشبوط
ثانيا، تأهيل المواطنين للسعادة
تستطيع الدولة المساهمة في اسعاد المواطنين عن طريق تأهليهم معرفيا، وعمليا لدخول سوق العمل، اضافة الى تأهيلهم سياسيا ليكونوا مواطنين صالحين واعين منتجين فعالين قادرين على الاخذ بازمة الحداثة واسباب التقدم.
ويتم ذلك بشكل اساسي عن طريق النظام التربوي الحضاري الحديث الذي تتبناه الدولة وتطبيقه وزارة التربية. ونقول هنا ان المدرسة هي المكان الاول لتأهيل المواطنين. والاصل ان الدولة تحتكر وضع اسس النظام التربوي الحضاري الحديث من حيث المناهج والمقررات والمدارس. وبعض الدول الحضارية الحديثة تمنع التعليم الاهلي والبعض الاخر تجيزه. وهذا قرار في للتفاصيل يعود الى الدولة نفسها، لكن المهم ان يكون النظام التربوي قادرا على تأهيل المواطنين وفقا للضرورات الاقتصادية والسياسية للبلاد ووفقا للمعايير الدولية في الحداثة والتقدم.
وفي حالتنا العراقية فقد سبق لي ان اقترحت بعد فترة وجيزة من اسقاط النظام الدكتاتوري عام ٢٠٠٣ فكرة نظام تربوي حضاري حديث تشرع الدولة بتنفيذه على مدى ١٢ سنة متداخلة غايته تنشئة المواطن الفعال. وقد اقترحت تأسيس المجلس الدائم او اللجنة الدائمة للتربية، وتقسيم العمل بينه وبين وزارة التربية بحيث يُعنى المجلس بالجانب المعرفي من النظام التربوي، اي software، في حين تُعنى وزارة التربية بالجانب المادي منه اي hardware. على ان يتم فصل المجلس والوزارة عن نظام المحاصصة. وسيكون على المدرسة اعداد التلميذ في المجالات التالية الاربعة على الاقل:
المجال القيمي: تشكل منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة الاساس في اعداد المواطن وتنظيم المجتمع وبناء الدولة. ولهذا تتكفل المدرسة، من خلال النظام التربوي الحديث، بتنشئة الاطفال في ضوء هذه القيم لينشأ الطالب محبا للعدل والحرية والمساواة والعلم والعمل والتعاون والانتاج وتقبل الاخر والديمقراطية والاخلاق الفاضلة والبيئة والسلام، مخلصا لشعبه ووطنه ودولته، ملتزما بالقانون والواجبات، رافضا للظلم والعبودية والاستبداد والفساد والتفرقة والطائفية والعنصرية والعنف والحرب، مؤهلا للعمل الجماعي، والتعايش والحوار.
المجال المعرفي: وظيفة النظام التربوي الحديث تزويد الطالب بالمعارف التي تمكنه من بناء مستقبله واداء دوره كعضو فعال ومنتج في المجتمع في مقطع تاريخي زمني له خصائصه وحداثته. وفي موازاة ذلك بناء ذهنيته على اساس منهجية علمية تجعله قادرا على التفكير المنطقي العقلاني في مختلف المجالات ومنها المحاججات والنقاش وتقييم الافكار والاحداث.
المجال العملي: كما يتكفل النظام التربوي الحديث بتأهيل الطالب و اعداده لدخول سوق العمل، بوصفه عضوا منتجا كما تقدم. وهذا يتطلب فضلا عن المحتوى الدراسي المناسب حسابا مستمرا لحاجات السوق ومتطلباته. وهذا ما على الجهة المعنية في الدولة، مثل وزارة التخطيط، القيام به باجراء حسابات ودراسات مستمرة قد تتغير سنويا. يجب ان تتصف مناهج الدراسة وفقا للنظام التربوي الحضاري الحديث بديناميكية تستجيب لمتطلبات السوق. بهذه الطريقة سوف تضمن الدولة ان يجد كل طالب تخرج من المدرسة او الجامعة مكانه في المجتمع، وبذلك تضمن الدولة عدم تدفق فائض خريجين لا يحتاجهم السوق او المجتمع. وهذه هي الطريقة الحضارية في الحد من البطالة.
المجال السياسي: في هذه المجال يؤهل النظام التربوي الحضاري الحديث الطالب ان يكون قادرا على اداء دوره كناخب بصورة ايجابية سليمة عند بلوغه ١٨ سنة من عمره. وهذا يتضمن تزويد الطالب بالثقافة السياسية الديمقراطية التي تجعله يمارس حقوقه وواجباته السياسية بطريقة حضارية.
ان التشوه في القيم والثقافة والمعارف، بما في ذلك التشوه في فهم الدين والعلمانية والديمقراطية، من اسباب شقاء وتعاسة الافراد والمجتمعات. وهذا ما يعاني منه المجتمع العراقي حاليا.

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار