
وطن على مدرجات المونديال .
بقلم / فراس الحمداني
بعد ايام من صافرة نهاية مباراة العراق وبوليفيا بفوز العراق وتأهله لمونديال كأس العالم بعد اربعين عام من الانتظار .. هدأت الهتافات قليلا” وعادت الشوارع الى ايقاعها المعتاد .. ولكن ما حدث في تلك الليلة لم يكن مجرد فوز يطوى مع نشرات الاخبار بل لحظة نادرة تركت اثرا” اعمق من ان يختصر بهدف او نتيجة فوز وتأهل .. فالعراقيون استعادوا ما ظل مفقودا” لسنوات ومفاده شعورهم بأن الفرح ممكن وان السعادة المفقودة منذ سنوات يمكن ان تعود .
اربعون عام من الانتظار والامل .. اجيال كاملة كبرت وهي تسمع عن الفرصة التي تقترب ثم تتلاشى ومع كل اخفاق لم يكن المنتخب الوطني وحده هو المنكسر بل كان معه جزء صغير من امل الجمهور العراقي الذي ظل يعاني الانكسار لاربعين عام لكنه لم يتلاشى وظل يؤمن بأن الانتظار سيثمر يوما”ما ولذلك حين جاء الهدف الحاسم لم يكن رد الفعل طبيعيا” فأن
ما جرى في المدرجات في ذلك الصباح لم يكن مجرد احتفالا” تقليديا” بل كان اشبه بإنفجار عاطفي لفرحة كبرى مؤجلة .. وغرباء يتعانقون ورجال يبكون دون حرج وشباب يرقصون وبنات تصفق و تزرد واصوات تختلط فيها الضحكة بالدمعة .. الكل سويا” كعائلة واحدة لمت شملها فرحة الفوز .
ولكن ومن زواية واقتناصة استقصائية على المدرجات بعيدة عن الصورة العامة .. كانت هناك لحظات صغيرة قد تختصر القصة بأكملها .. هناك حيث كانت امراة مسنة تجلس في احد المدرجات و تحمل صورة في برواز انيق وحذاء رياضي قديم و نظيف .. كانت تحتضن ما تحمل بقوة ويداها ترتجفان .. تأن بصمت مطبق وتذرف دموع لا تتوقف ولم تكن تهتف كثيرا” ولم تلتقط الصور مثل الاخرين .. كانت فقط تراقب بصمت ثقيل وعندما تم تسجيل هدف الفوز لم تصرخ كالاخرين بل انحنت قليلا” وضمت ما في يدها الى صدرها وبكت وبكت وبكت .. ورغم كل ذلك الصخب على المدرجات فورا” تجمعت حولها بعض النساء والفتيات .. احتضننها وعانقنها و الشباب فورا” قبلوا أيديها بكل تجاعيدها المرتجفة ونظروا جميعا” الى الصورة المكتوب عليها ( ابني الشهيد البطل ) وهنا استدركت و قالت لهم ( لقد كان رياضيا” يحلم بأن يكون بينكم اليوم لكنه استشهد في السنوات العجاف التي مرت بالعراق ) الكل هنا صاحوا بصوت واحد ( كلنا اولادج يا يمة ) وظلوا يهتفون لها وللعراق حتى ارتسمت على محياها ابتسامة جميلة شقت طريقها وسط الدموع ..
ربما لا تظهر هذه التفاصيل في الصور التلفزيونية بينما تكون هي التي تمنح هذا الفوز و التأهل معناه الحقيقي لان كرة القدم في مثل هذه اللحظات تتجاوز حدودها المعتادة وتتحول الى مساحة يلتقي فيها الخاص بالعام والحكاية الفردية بالذاكرة الجماعية . بعد ايام يمكن تحليل الاداء وتقييم اللاعبين والحديث عن فرص العراق في المونديال القادم وكل ذلك مهم وربما ضروري .. ولكن ما لا ينبغي ان ننساه هو ان هذا التأهل جاء ليعيد ترتيب العلاقة بين الناس و حلمهم وليقول ببساطة ان الايمان بشيء مهما طال انتظاره سيحقق بصيص الامل للعيون الجريحة التي ترتجيه .
العراق اليوم في كأس العالم .. جملة واضحة مباشرة وقابلة للقياس ولكن ما ابعد منها وابقى هو ان العراق عاد ولو قليلا” الى نفسه .. وذلك ربما هو الفوز الحقيقي لان ما تحقق بالفعل هو أن ( الوطن نفسه جلس على المدرجات ) مع كل قلبٍ ينتظر وكل دمعةٍ صامتة وكل فرحةٍ متأخرة .




