حين تتلاقى الإرادة مع المسؤولية وتتحول الإدارة إلى مشروع حقيقي للإصلاح.سجن سوسة المركزي يتصدر سجون العراق وتجربة قيادية شابة تعيد تعريف العمل الإصلاحي .
فراس الحمداني


حين تتلاقى الإرادة مع المسؤولية وتتحول الإدارة إلى مشروع حقيقي للإصلاح.سجن سوسة المركزي يتصدر سجون العراق وتجربة قيادية شابة تعيد تعريف العمل الإصلاحي .

تحقيق اجراه وكتبه / فراس الجمداني
في أقصى شمال العراق وبين جدران مؤسسة اعتاد الرأي العام أن ينظر إليها بوصفها مكاناً مغلقاً للعقوبة فقط تتشكل اليوم تجربة مختلفة تلفت انتباه المتابعين للشأن الإصلاحي بعد أن تصدر سجن سوسة المركزي قائمة السجون في العراق وفق تقييم هيئة النزاهة الاتحادية وهو تصنيف يعكس تحولات إدارية وتنظيمية شهدها السجن خلال الفترة الأخيرة وأعاد طرح تساؤلات مهمة حول إمكانية تطوير المؤسسات الإصلاحية وتحويلها إلى بيئات أكثر فاعلية في إعادة بناء الإنسان
النتيجة التي حصل عليها سجن سوسة لم تكن حدثاً منفصلاً عن سياق العمل الحكومي في قطاع العدالة بل جاءت ضمن جهود أوسع تبذلها وزارة العدل لتحديث منظومة المؤسسات الإصلاحية وتحسين معايير الإدارة والرقابة داخلها حيث يؤكد العاملون في السجن أن الدعم المباشر من القيادات العليا في الوزارة لعب دوراً محورياً في توفير المناخ المناسب لتنفيذ خطط التطوير.
ويشير منتسبو السجن إلى أن التوجيهات والمتابعة التي قدمها معالي وزير العدل الدكتور خالد شواني أسهمت في دفع مشاريع الإصلاح الإداري داخل المؤسسات الإصلاحية إلى الأمام كما كان للسيد وكيل الوزارة الأقدم زياد التميمي دور بارز في متابعة التفاصيل التنفيذية وتذليل العقبات التي قد تواجه العمل الميداني.
كما يثمن العاملون في السجن الدور الإداري للدكتور ماجد المنذور المدير العام إضافة إلى الجهود التي بذلها الأستاذ أحمد عدي معاون المدير العام للشؤون الإدارية الذي عرف بقربه من الكوادر العاملة ومتابعته المباشرة لاحتياجاتهم المهنية الأمر الذي انعكس إيجاباً على مستوى الأداء العام داخل المؤسسة
ويؤكد منتسبو الموارد في السجن أن هذا الإنجاز يمثل حصيلة عمل جماعي شاركت فيه مختلف الأقسام والكوادر الإدارية والأمنية والخدمية مؤكدين أن الوصول إلى المرتبة الأولى بين سجون العراق يعكس حجم الالتزام والانضباط المهني الذي أظهره المنتسبون خلال الفترة الماضية كما يشددون على أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار العمل لتعزيز هذا المستوى وتحقيق مزيد من التطوير.
غير أن قصة سجن سوسة في السنوات الأخيرة لا تقتصر على الدعم المؤسسي فحسب بل ترتبط أيضاً بتجربة قيادة شابة أخذت على عاتقها إعادة النظر في آليات العمل داخل المؤسسة ومحاولة تطويرها بما يتناسب مع المفاهيم الحديثة للإصلاح
ففي إدارة السجن يقف الحقوقي شيرزاد خضر الذي يمثل جيلاً جديداً من الإداريين الشباب الذين جمعوا بين الخبرة الميدانية والرؤية الإصلاحية فقد أمضى سنوات من العمل داخل السجن في المجال الحقوقي قبل أن يتولى مهمة الإدارة الأمر الذي أتاح له الاطلاع المباشر على تفاصيل الحياة اليومية داخل المؤسسة وعلى التحديات التي تواجه المنتسبين والنزلاء على حد سواء
هذه الخلفية المهنية جعلته يدخل موقع المسؤولية وهو يمتلك تصوراً واقعياً عن طبيعة المشكلات التي تحتاج إلى معالجة كما منحته القدرة على التعامل مع الملفات الحساسة بقدر أكبر من الفهم والتوازن.
المولود عام 1986 يمثل شيرزاد خضر نموذجاً لقيادة شابة تراهن على الإدارة الحديثة والعمل المؤسسي وقد عرف بين زملائه بوضوح مواقفه وجرأته في طرح القضايا المرتبطة بالصالح العام إضافة إلى إيمانه بأن المؤسسات الإصلاحية لا يمكن أن تؤدي دورها الحقيقي ما لم تتحول إلى بيئات تعيد تأهيل الإنسان وتمنحه فرصة ثانية للحياة
ومن هذا المنطلق بدأت الإدارة الجديدة في سجن سوسة بتنفيذ سلسلة من الإجراءات التنظيمية والإصلاحية التي هدفت إلى إعادة ترتيب بيئة العمل داخل المؤسسة وتعزيز كفاءة الأداء الإداري والأمني فيها.
وكان من أبرز هذه الخطوات تطوير البرامج الموجهة للنزلاء بحيث لم تعد تقتصر على الجوانب الانضباطية فقط بل شملت أنشطة ثقافية ورياضية وفنية تهدف إلى استثمار الوقت داخل السجن بطريقة إيجابية وتعزيز القدرات الفردية للنزلاء
ويرى مختصون في مجال الإصلاح الجنائي أن إدخال مثل هذه البرامج يمثل تحولاً مهماً في فلسفة إدارة السجون إذ لم تعد المؤسسات الإصلاحية في العديد من الدول تركز على العقوبة وحدها بل تسعى إلى إعداد النزيل للعودة إلى المجتمع من خلال برامج تعليمية وثقافية ومهنية تسهم في تقليل احتمالات العودة إلى الجريمة.
وفي هذا السياق عملت إدارة سجن سوسة على توسيع نطاق الأنشطة التي يمكن للنزلاء المشاركة فيها بما يخلق بيئة أكثر استقراراً داخل السجن ويعزز الشعور بالمسؤولية لدى النزيل ويمنحه فرصة لتطوير ذاته خلال فترة محكوميته
كما شملت عملية التطوير تحسين آليات العمل الإداري داخل السجن من خلال تنظيم المهام وتحديث طرق المتابعة وتفعيل التنسيق بين الأقسام المختلفة وهو ما انعكس بصورة واضحة على مستوى الانضباط والفاعلية داخل المؤسسة
ويشير عدد من العاملين في السجن إلى أن هذه الإجراءات أسهمت في خلق بيئة مهنية أكثر توازناً حيث يشعر المنتسبون بأن جهودهم تحظى بالتقدير وأن الإدارة تعمل على توفير الظروف المناسبة لأداء واجباتهم بالشكل المطلوب
ومع تراكم هذه الجهود بدأت نتائج التغيير تظهر بشكل تدريجي سواء في مستوى التنظيم الإداري أو في طبيعة الأنشطة والبرامج المقدمة داخل السجن وهو ما انعكس في النهاية على التقييمات التي حصلت عليها المؤسسة من الجهات الرقابية
فالتصنيف الذي منح سجن سوسة المرتبة الأولى بين سجون العراق لم يكن مجرد تقدير شكلي بل جاء نتيجة معايير تتعلق بمستوى الإدارة والانضباط والخدمات المقدمة للنزلاء إضافة إلى كفاءة العمل المؤسسي داخل السجن
ويرى متابعون أن هذه التجربة تقدم مثالاً عملياً على إمكانية تطوير المؤسسات الإصلاحية في العراق عندما تتوفر الإرادة الإدارية والدعم المؤسسي والتخطيط الواقعي القائم على فهم التحديات الميدانية.
كما يشير هؤلاء إلى أن تجربة سجن سوسة يمكن أن تشكل نموذجاً مهماً للاستفادة منه في بقية المؤسسات الإصلاحية خاصة في ظل الحاجة إلى تحديث منظومة إدارة السجون بما يتماشى مع المعايير المهنية والإنسانية المعتمدة دولياً
وفي ظل هذه المعطيات تتزايد الدعوات إلى قيام الجهات المعنية وصناع القرار ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام بزيارة السجن والاطلاع عن قرب على تفاصيل هذه التجربة الإدارية والإصلاحية التي تسعى إلى تحويل التحديات اليومية داخل المؤسسات العقابية إلى فرص حقيقية للتطوير
فما يحدث داخل أسوار سجن سوسة اليوم يعكس فكرة أساسية مفادها أن الإصلاح لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالإدارة والرؤية والقدرة على العمل بروح الفريق
وبينما قد تبدو السجون في نظر الكثيرين فضاءات مغلقة فإن التجارب الناجحة تثبت أن هذه المؤسسات يمكن أن تتحول إلى منصات لإعادة بناء الإنسان وإعادة الأمل إلى حياة من أخطأوا الطريق.
ومن داخل هذه الأسوار تحديداً قد تبدأ أحياناً قصص التغيير الأكثر عمقاً حين تتلاقى الإرادة مع المسؤولية وتتحول الإدارة إلى مشروع حقيقي للإصلاح.




