
بقلم: حسين شاكر الخفاجي..
إهداء
إلى الذينَ ماتوا ولم يُدفنوا كما يليقُ بالكرامة إلى أمهاتٍ علقن أسماءَ أولادهن على جدرانِ الصبر إلى وطنٍ لا نزال نُحبهُ رغم كلِّ الخذلان
إلى الشعوبِ التي لا تموتُ وإن ماتَ فيها الأمل هذه صرختي
في كلِّ زاويةٍ ظلٌ يُحدقُ بي
وجهٌ بلا مَلامحٍ
عينانِ لا تنطفئانِ ولا تبصران
أمشي وأعرفُ أني غريبٌ
وأنَ المدى مستعدٌ لِخوفي
وأن الجدارَ يخبئُ صوتَ الرصاصِ
كأنَ الزمانَ يُجرجرُ خطواتِنا
نحو موتٍ جديدٍ وموتٍ يُعدُ احتفال
أينَ الأمانُ؟
أينَ الذي كانَ يُسمى وطن؟
تاهَ الصباحُ
وضاعت نوافذُنا تحتَ صفارةِ الانفجار
نحملُ أحلامَنا في أكياسِ خوفٍ
ونرعى الهواجسَ في كلِ دار
يا موطني
هل نسيتَ العصافيرَ
كانت تُغني على غصنِ هذا الغياب
فصارت تُهاجرُ بحثاً عن الأمنِ
والقبرِ إن كانَ فيهِ جواب
نحنُ الأنينُ الذي لا يُذاع
نحنُ بكاءُ الأراملِ في نصفِ ليلٍ
إذا ما انطفأت شمعةُ الهاجسِ المشتعل
نحنُ الرجاءُ الذي لم يَعدْ آمناً
في زجاجِ المُقلْ
نحنُ نزيفُ البلادِ التي تتقيأُ موتاً
وتضحكُ من وجعِ المُمتَحن
نحنُ السؤالُ الذي لا ينامْ
ونحنُ الخرابُ الذي يتزينُ في مجلسِ الأمنِ
أو في كلامِ الخُطَب
يا موطني أيُ ذنبٍ جنينا
سوى أننا قلنا الحقيقةَ
حينَ اختبأت في الظلال
قلنا نريدُ الحياةَ فقيلَ لنا
احملوا النعشَ
أو صادقوا الاحتمال
قلنا نريدُ البلادَ التي
تحضنُ الطفلَ حينَ يخافْ
تحرسُ بابَ الفقيرِ إذا نامَ دونَ اكتفَاءْ
تحنو على الجُرحِ
تمسحُ ماءَ السنينِ عن الأمهاتِ
لكننا ما وجدنا سِوى
بردِ أمنٍ مُرابِط
في رأسِ كُلِ زقاقٍ
وفي حنجرةِ الأمهاتِ
هذا الوطن ليس لي
إن لم يكن حضنَ يومي
وصوتي وخبزَ البُكاء
فاحذَر
إذا نامَ جوعُ الشعوبِ قليلاً
فإن الجياعَ يُفيقونَ يوماً
ويكسرُ سيفُ السكوتِ الحبالْ
واحذَرْ
إذا صمتَ هذا الترابُ كثيراً
ففي جوفِهِ تتخثرُ نارُ السؤالْ
واحذَر
إذا ما تمادى الطغاةُ
وأوغلَ هذا الخراب
فإن القبورَ تُنادي الرجالْ
قد يُخرسونَ الحناجرَ
لكن
من يمنعُ الأرضَ إن صاحتِ الأمهات
من يُسكتُ الطفلَ
إن صاحَ هذا بلادي
فأينَ البُنَاة
إن متُ فيك
فكن أنتَ أولَ مَن يدفنُ الظلمَ في قبرهِ
وابتدئ بالشتات



