كتُـاب وكالة أرض آشور

«يجب على المرشد أن يشعر بالقلق»… عندما يتكلم ترامب بلسان الهزيمة

نبيل محمد سمارة..

عندما يخرج دونالد ترامب ليقول إن على المرشد الإيراني أن يشعر بالقلق، فإن ما نسمعه ليس تهديدا بقدر ما هو صرخة سياسية صادرة عن عقل مرتبك ونظام مأزوم. ترامب، المعروف عالميا بالكذب والنفاق والجشع وانعدام أي التزام أخلاقي أو سياسي، لا يتحدث من موقع قوة، بل من موقع خوف. رجل يرى العالم مزرعة خاصة للولايات المتحدة، ومن يرفض الخضوع يجب أن يحاصر ويجوع ويهدد، وكأن الزمن لم يتغير وكأن الشعوب لم تتعلم من تاريخ الاستعمار والهيمنة.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن القلق الحقيقي يسكن واشنطن لا طهران. أمريكا هي من تعيش هاجس إيران، وهي من تسخر كل أدواتها لإيقافها، من العقوبات الاقتصادية الخانقة إلى الحصار المالي، ومن التهديد العسكري إلى الحرب النفسية، ومن الإعلام الموجه إلى تحريك الشارع عبر العملاء. ولو كانت إيران ضعيفة كما يدعي ترامب، لما احتاجت الولايات المتحدة لكل هذا الجنون السياسي، ولما استنفدت كل أوراقها دفعة واحدة.
الحصار المفروض على إيران ليس دليل قوة أمريكية، بل اعتراف رسمي بالعجز. هو فشل مقنع، ومحاولة يائسة لمعاقبة شعب بأكمله بعد أن عجزت واشنطن عن كسر الدولة. سنوات طويلة من الضغط، ولم تسقط إيران، ولم تنهر مؤسساتها، ولم تركع قيادتها، ولم تقدم التنازلات التي كانت أمريكا تنتظرها. بل على العكس، خرجت إيران أكثر خبرة، وأكثر صلابة، وأكثر حضورا في معادلات المنطقة، وهو ما يشكل الكابوس الحقيقي لصناع القرار في البيت الأبيض.
ولأن الحصار لم ينجح، انتقلت أمريكا إلى الرهان الأقذر: الشارع. حاولت عبر أدواتها وحلفائها أن تشعل الداخل الإيراني، مولت وحرضت وضخت المال والإعلام، وقدمت الاحتجاجات على أنها ثورة شعبية، لكن هذا الرهان سقط مرارا وتكرارا. فالشعب الإيراني، مهما اختلف مع حكومته، يدرك جيدا متى يكون الغضب داخليا ومتى يتحول إلى أداة بيد الخارج. وعندما تكتشف اللعبة، ينقلب السحر على الساحر، وتسقط المؤامرة قبل أن تكتمل.
ترامب لا يتحدث بلغة السياسة، بل بلغة التاجر المفلس الذي يرفع صوته عندما تفشل الصفقة. يظن أن التهديد العلني سيصنع هيبة، لكنه لا يفعل سوى تعرية الانحدار الأمريكي. فالدولة التي كانت تفرض إرادتها بالفعل، أصبحت اليوم تفرضها بالكلام، والدولة التي كانت تقود العالم، باتت تخشى صعود قوى ترفض الخضوع وتكسر احتكار القرار.
عندما يقول ترامب إن على المرشد الإيراني أن يقلق، فهو في الواقع يعترف بأن أمريكا لم تعد قادرة على احتواء إيران، ولا على إخضاعها، ولا على تجاهلها. يعترف بأن النفوذ الإيراني يتمدد رغم العقوبات، وأن الهيمنة الأمريكية تتآكل رغم التهديدات، وأن زمن الإملاءات المطلقة قد انتهى.
التاريخ لا يرحم، وهو يعلمنا درسا واضحا: الإمبراطوريات عندما تبدأ بالصراخ، تكون قد بدأت بالسقوط. أما الدول التي تعيش تحت الحصار منذ عقود، فقد تعلمت أن القلق ليس ضعفا، بل أن الخضوع هو الهزيمة الحقيقية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار