المقالاتكتُـاب وكالة أرض آشور

التدوير

فراس الحمداني

التدوير .

بقلم / فراس الحمداني

في المدن التي تكبر أسرع من قدرتها على الاحتمال تتغير ملامح الحياة اليومية بهدوء أحيانا” وبفوضى واضحة أحيانا” أخرى فالأزقة والشوارع والأسواق تعكس دائما” ما يحدث خلف الكواليس من تخطيط أو غيابه ومن إدارة ناجحة أو حلول مؤجلة ومع كل زيادة سكانية يصبح ما نتركه خلفنا أكثر مما نتصور وأكثر تأثيرا” مما نراه .
وخلال السنوات الأخيرة أصبح ملف النفايات واحدا” من أكثر التحديات البيئية والخدمية حضورا” في العراق مدفوعا” بالنمو السكاني وارتفاع الكثافة السكانية في محافظات رئيسية مثل بغداد ونينوى والبصرة حيث يتركز ملايين السكان في مساحات حضرية محدودة هذا التركز يؤدي إلى ارتفاع كبير في حجم النفايات المنتجة يوميا” حتى باتت المدن تواجه عبئا” يفوق قدرات أنظمتها الخدمية التقليدية .
فالتقديرات تشير إلى أن العراق ينتج أكثر من ثلاثين ألف طن من النفايات الصلبة يوميا” بمعدل يتجاوز كيلوغراما” واحدا” للفرد وتتصدر بغداد المشهد من حيث الكمية الإجمالية بحكم عدد سكانها الكبير بينما تظهر محافظات أخرى مثل صلاح الدين والأنبار وذي قار وكربلاء معدلات أعلى لإنتاج النفايات للفرد الواحد ما يجعلها من أكثر المناطق معاناة في هذا الملف خاصة في ظل ضعف البنى التحتية وغياب مواقع الطمر الصحي الحديثة وأنظمة المعالجة المتطورة .
ورغم أن محافظات مثل البصرة ونينوى تسجل معدلات أقل للفرد إلا أن المشكلة لا تقل حدة فيها بسبب انتشار المكبات العشوائية وتداعياتها البيئية والصحية ومع غياب التدوير تتحول النفايات من مورد اقتصادي محتمل إلى عبء ثقيل يهدد البيئة والصحة العامة
في هذا المشهد المعقد يبرز ( التدوير ) كأحد الحلول القليلة القادرة على إحداث فرق حقيقي إذ لا يقتصر دوره على تقليل حجم النفايات بل يمتد إلى تخفيف الضغط على البلديات وخلق فرص عمل وبناء نموذج أكثر استدامة لإدارة الموارد غير أن تحويل التدوير من فكرة إلى واقع يتطلب رؤية واضحة وتشريعات فاعلة واستثمارا” جادا” في البنية التحتية وثقافة مجتمعية جديدة تبدأ من الفرز وتنتهي بمدن أنظف وأكثر قدرة على الاستمرار .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار