كتُـاب وكالة أرض آشور

بناء مجتمع راسخ القيم يجمع بين اصالة العراق وتجارب العالم الحديثة

علي قيس الشيخ زبار لـوكالة أرض آشور الأخبارية:-

في سياق البحث عن سبل بناء مجتمع راسخ القيم واضح الاتجاه، يصبح الحديث عن بناء مجتمع متماسك اشبه بمحاولة ترميم جذور شجرة قديمة بينما تنمو اغصانها في اتجاهات متعددة. غير ان المجتمعات التي تنجح في الحفاظ على هويتها لا تفعل ذلك بالصدفة، بل عبر منظومات قيمية راسخة تؤدي فيها المؤسسات الدينية والاجتماعية دورا محوريا. فالجامع، الحسينية، الكنيسة، والمعبد ليست مجرد مبانٍ للطقوس، بل فضاءات تتشكل فيها المعاني الكبرى للوجود والانتماء، حيث يتعلم الانسان كيف يكون جزءا من جماعة لها اخلاقها واحترامها المتبادل. ومع حضور رجل الدين وشيخ العشيرة، تتخذ هذه المؤسسات طابعا توجيهيا يربط الماضي بالحاضر ويمنح المجتمع اتزانا يحتاجه في زمن الاهتزازات المتكررة. روح الجماعة عبر المؤسسات الدينية والاجتماعية من يتأمل المجتمعات التقليدية، يلاحظ انها كانت تتعامل مع الجامع او الكنيسة او المعبد بوصفها مركزا لادارة شؤون الحياة اليومية، لا مكانا للعبادة فحسب. فالمسجد في المدن القديمة كان مدرسة، منتدى، ومحكمة شعبية كانت مركزا لنشر المعرفة وربط الناس بتاريخهم. والكنيسة لعبت ادوارا ثقافية وتعليمية عميقة في مسار تطور الشعوب. اما المعابد، فقد كانت عبر التاريخ رمز الانسجام الروحي والالتزام بالنظام.

في هذه الفضاءات، يعمل رجل الدين على بث معاني الصدق والتآزر واحترام الاخر، بينما يقوم شيخ العشيرة في حفظ التقاليد وحل النزاعات بأساليب تتسم بالحكمة والهدوء. هذا التكامل بين المرجعيتين الدينية والعشائرية خلق عبر قرون منظومة قيم تجعل الفرد يشعر بأنه ليس وحيدا، بل جزء من شبكة اجتماعية تحميه وتوجهه وتمنحه الشعور بالكرامة والواجب.

احترام الكبير والعالم القيم لا تفرض بالقوة، بل تتجذر عبر الممارسة اليومية. واحترام كبير السن يشكل احد اهم هذه الممارسات، فهو يمثل الرابط بين الاجيال والمعبر عن الحكمة التي اكتسبها الانسان عبر السنين. فالمجتمع الذي يستمع للحكيم يختصر على نفسه الكثير من الاخطاء. كذلك الحال مع اصحاب الشهادات العليا، فالعلم يمثل الجهد والفكر ومسؤولية تطوير البلاد. ومتى ما نزع عن العالم تقديره الاجتماعي، تراجعت قيمة المعرفة في المجتمع كله، وتقدم الجهل على حساب العقل.

وفي العديد من الدول المتقدمة، نجد ان احترام العالم جزء اساسي من ثقافة العمل والتطوير والبحث، وهو السبب في ان المجتمعات العلمية تستقطب العقول وتستثمر في قدراتها.

التجربة اليابانية من التجارب المهمة التي يمكن الاستفادة منها تجربة اليابان، التي جعلت التربية الاخلاقية جزءا اصيلا في مناهج التعليم منذ المراحل الاولى. فالطفل الياباني يتعلم كيف يحافظ على نظافة المكان، كيف يعتذر اذا اخطأ، كيف يعمل مع زملائه، وكيف ينظر الى المجتمع باعتباره نسيجا واحدا. في اليابان، لا ينتهي الدرس بانتهاء الحصة، بل يمتد الى سلوك الطالب وهو ينظف صفه، يحترم الدور، يلتزم القوانين، ويقدر المعلم كما يقدر الكبير في السن.

هذا النهج لم يأتِ من فراغ، بلـ من ايمان عميق بأن بناء المواطن الصالح هو الخطوة الاولى لصناعة دولة قوية. وقد اثمرت هذه الجهود في خلق مجتمع منضبط ومتحضر قادر على النهوض بالرغم من الكوارث الطبيعية والظروف القاسية.

تجارب اخرى تثبت قيمة التربية الاخلاقية
كوريا الجنوبية طبقت برامج عالية الجودة لزرع قيم الالتزام والاحترام وروح الفريق في المدارس. وفنلندا اشتهرت بأنظمتها التعليمية التي تركز على بناء شخصية الطالب لا امتحاناته فقط، فتعطيه الحرية في التعبير، وتعلمه كيفية اتخاذ القرار الصحيح، وكيف يوازن بين حريته واحترامه للآخرين.

الدول الاسكندنافية عموما تعتمد على مبادئ الثقة والشفافية، وتربي الاجيال على فكرة ان الانسان جزء من منظومة يجب ان تحترم القانون وتحافظ على النظام العام. وهذا ما جعلها من اكثر المجتمعات استقرارا وهدوءا.

ولكن حين نعود الى العراق، نجد ان فكرة التربية الاخلاقية ليست دخيلة ولا جديدة. فالحضارات السومرية والبابلية والآشورية تركت لنا نصوصا تعليمية تشدد على احترام المعلم، طاعة القوانين، تقدير الكبير، وعدم التعدي على حقوق الجار. وكانت المدارس القديمة تعتمد على الانضباط الصارم وتعليم القيم قبل العلوم.

وفي العصور الاسلامية، اصبح المسجد والكتاب مدارس اخلاقية قبل ان تكون اماكن للتعليم الديني. وكان العلماء العراقيون عبر التاريخ قدوة في السلوك قبل العلم، مما جعل المجتمع ينظر اليهم بدرجة عالية من التقدير.
اما العشائر العراقية، فقد شكلت عبر اجيال طويلة منظومة اخلاقية متينة، تقوم على الكرم، الشهامة، حماية الضعيف، احترام الضيف، وعدم خذلان القريب او الجار. وشيخ العشيرة كان وما زال رمز الحكمة وصاحب الكلمة التي تُصلح بين المتخاصمين وتعيد الامور الى نصابها.

بناء مجتمع ملتزم لا يعني فرض قيم قسرية، بل يعني استعادة الدور الاساسي للمؤسسات التي عاشت مع الناس تاريخيا وافادتهم في توجيههم. وعندما يعمل المسجد والكنيسة والمعبد جنبا الى جنب مع المدرسة والعائلة والعشيرة، يمكن خلق مجتمع يوازن بين الحداثة والاصالة، بين الانفتاح والالتزام، بين الحرية والمسؤولية.

المجتمع القوي ليس الذي يمتلك ثروات طائلة، بل الذي يمتلك قيما تستمر مهما تغيرت الظروف. وعندما يتم غرس هذه القيم في الاطفال، وتعزيزها لدى الشباب، وتكريم كبار السن والعلماء، يصبح المجتمع اقوى من كل الظروف، وقادرا على صناعة مستقبل يتسق مع ارثه الحضاري الطويل.

وهكذا، يثبت التاريخ والتجارب العالمية ان المجتمع الذي يحافظ على اخلاقه وحكمته يصبح اكثر قدرة على مواجهة التحديات، لان القيم ليست مجرد كلمات، بل اساس متين تقوم عليه حياة الافراد واستقرار الدول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار