

وداعا” إبراهيم .
هناك لحظات في الحياة تتكسر فيها الكلمات والحروف قبل أن نكتبها وتضيق بنا الدنيا الواسعة وكأنها اصغر بكثير من حجمها .. حقيقة انا اعترف بانني فشلت في التعبير عن ما يحرق قلبي .. لأن وجعي اكبر من كل الكلمات والعبارات ..
فحين جاءني خبر رحيل صديقي ورفيق دربي المصور الإعلامي الطيب الخلوق إبراهيم الحداد (رحمه الله) شعرت أن النور بداخلي قد انطفأ بعد أخذ القدر مني إنسانا” لم يكن لي مجرد زميل او صديق .. بل كان جزءًا” من عمري وكان ظلي الذي لا يفارقني وروحي التي كانت تكملني بين مواسم التعب والفرح .. فلقد عشت مع إبراهيم سنوات طويلة لم نفترق فيها أبدا” .. كنا نتقاسم رغيف الخبز كما نقتسم الهموم ونضحك لذات الأشياء ونخاف على بعضنا بذات القدر ..
كان هو ذلك الطيب الذي يحب الجميع وكان الجميع يحبونه لإخلاصه ونقاء قلبه وصدقه في كل خطوة يخطوها في حياته المهنية والإنسانية .
ابراهيم كان إعلاميا” يلتقط الصورة كما لو أنه يلتقط نبض الناس ويجمع نورهم ليهديه للعالم بشكل اجمل .. ابرأهيم كان يحول كل ما حوله إلى ما هو اجمل بلمسته الجميلة .. وعلى الرغم من جمال قلبه إلا أن مرض السكر كان يقسو عليه قسوة لا يحتملها الجسد .. كان يتعذب كثيرا” .. لكنه كان يواجه الألم بصبر يليق بالرجال العظماء .. كنت أراه في لحظات الانهيار التي يخفيها عن الجميع وقلبي يتقطع عليه .. كنت أراه يجاهد ويبتسم كي لا نشعر بوجعه وكان يزداد إيمانا” وصبرا” كلما ازداد المرض هجوما” و شراسة على جسده الطاهر .. وكان يردد ( أن الله لا يبتلي عبدًا إلا ليكرمه ويهذب روحه ويمنحه مقاما” أرفع ) .
كنت أعيش تفاصيل مرضه و أتألم معه بصمت .. كنت أحمل خوفه في صدري وأراقب وجعه واحفظه في قلبي وكنت أتمنى في كل ليلة لو أنني أستطيع أن أنتزع الألم من جسده وأضعه في صدري بدلا” عنه .. لكن كل شيء في هذه الدنيا يمضي كما يشاء القدر .. فلقد غاب إبراهيمي بعد صراع طويل مع المرض وغاب معه جزء كبير مني لا أعرف كيف أعيده ..
ان رحيل إبراهيمي لم يعد خسارة لحياتي وحدها بل خسارة للإنسانية الصغيرة التي يبنيها الطيبون حولهم بهدوء وصدق كونه أحد أجمل اعمدتها المنيرة .. فلقد كان يضيء الأماكن بحضوره ويزرع الطمأنينة في قلوب من حوله ويترك أثره كعطر لا يزول مهما مر الزمن .. ذكرياته تملىء المدينة وذكره العطر على كل لسان .. وها أنا اليوم أكتب عن غيابه و أشعر بثقل الكلمات بحزن لا يشبه أي حزن مررت به من قبل فقد ترك غيابه في قلبي وجعا” عميقًا لا يشفى ورحيلا” لا يعوض وغيابا” وفراغا” لا يمكن أن يملأه أحد مهما كان ..
وها أنا مستسلم للحزن .. عاجز عن كل شيء .. لا أملك إلا أن أرفع يدي إلى السماء بالدعاء له ولسان حالي يقول إن عزائي الوحيد في فقد الحبيب إبراهيم (رحمه الله) أنه قد توفي على فراش المرض مصارعا” شجاعا” عاش كل لحظات الألم صابرا” محتسبا” لينال الشهادة كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( من مات مريضا” فقد مات شهيدا”) ..
وداعا” يا شهيد الصحافة والإعلام .. وداعا” يا صديقي وأخي ورفيق دربي وابني الذي جاء به الزمن الي وأخذه مني غدرا” ..
وداعا” ايها الطيب الخلوق كما يسميك الجميع ..
وداعا” ابراهيم .




