العلاقات بين الحقيقة والواجهة في المجتمع الحديث


بقلم علي قيس الشيخ زبار – وكالة ارض آشور الإخبارية:-
في المجتمعات المعاصرة تتكرر حكاية الشخصية التي تبدو في ظاهرها مثالاً للنبل واللطف، شخصية تعطي انطباعاً بأنها تحب الجميع وتتعامل مع كل من حولها بنيات صافية. هذه الصورة الوردية كثيراً ما تخدع المحيطين، فتجذبهم الى دوائر الثقة دون تردد. ولكن خلف هذا المظهر المطمئن يختبئ احياناً نمط مختلف تماماً، نمط استغلالي يقوم على بناء العلاقات لا بهدف التواصل الانساني او تبادل الدعم، بل بهدف استثمار الاخرين لتحقيق مكاسب شخصية.
تبدأ القصة عادة بشخص مقبول اجتماعياً، متحدث لبق، يعرف كيف يقدم نفسه كصديق مثالي. يحرص على اظهار الاهتمام، ويجيد اختيار اللحظات التي يقدم فيها خدمات تبدو صغيرة لكنها تترك اثراً ايجابياً. وبمجرد أن يكسب ثقة الطرف الاخر، يبدأ في توظيف تلك العلاقة بطريقة تتجاوز حدودها الطبيعية. هذا النمط من الشخصيات يسعى الى تسلق السلم الاجتماعي باستغلال الروابط التي يشكلها، لا عبر تطوير مهاراته او الاعتماد على جهوده الخاصة.
في احدى الدراسات الاجتماعية التي اجريت في جامعة بريطانية، تمت متابعة مجموعة من العلاقات المهنية بين زملاء في بيئة العمل. النتائج اظهرت ان بعض الموظفين الذين يظهرون في البداية بوصفهم الاكثر تعاونا كانوا في الحقيقة يستخدمون شبكة علاقاتهم لتحقيق نفوذ اكبر داخل المؤسسة. هؤلاء لم يبنوا سمعتهم من خلال الاداء الفعلي، بل من خلال القدرة على استمالة الاخرين ثم استغلال مواقعهم. وعندما تنكشف نواياهم، يشعر المحيطون بخيبة امل حادة، لان الصورة التي تشكلت في البداية كانت بعيدة كل البعد عن الواقع.
يمكن ملاحظة هذا السلوك ايضا في الحياة اليومية. فهناك قصص متعددة عن اشخاص يدخلون حياة افراد معينين فقط لانهم يعرفون ان لديهم علاقات نافذة. قد يظهرون في البداية بوصفهم سندا عاطفيا او صديقا قديما عاد بعد غياب، ولكن سرعان ما يتبين ان هدفهم كان الوصول الى شخص اخر او مورد معين. احدى الحالات التي جرى تناولها في برنامج وثائقي تناول نماذج من العلاقات غير المتوازنة، كانت لشخص تمكن خلال سنوات من الظهور في محيط رجال اعمال معروفين على انه شخص ودود وخدوم. لكن بعد فترة تبين انه كان يجمع معلومات ويستغل كل علاقة لدخول علاقة اخرى، في سلسلة طويلة هدفها النهائي تحقيق مصلحة مادية مباشرة.
من الناحية النفسية، تميل هذه الشخصية الى ما يسمى بالاستفادة الانتهازية. فهو لا يرى العلاقات بوصفها مساحة انسانية، بل كجسر. يختار كلماته بعناية ويتجنب الخلافات في البداية، لكنه يصبح شخصا مختلفا عندما يشعر بان الطرف الاخر لم يعد مفيدا. وهذه اللحظة بالذات تكشف جوهره الحقيقي: الانفصال البارد، التخلي السريع، والبحث عن فريسة جديدة.
ولعل الجانب الاكثر تعقيدا في هذه الظاهرة هو تأثيرها على ضحاياها. فالاشخاص الطيبون الذين يفتحون قلوبهم بسهولة يجدون انفسهم امام صدمة ثقة. ومع تكرار التجربة، قد يصبحون اكثر حذرا في بناء علاقات جديدة، وربما يفقدون جزءا من ايمانهم بالنية الصافية. وهذا يؤدي الى دوائر من الحذر الاجتماعي تخنق spontaneity العلاقات الطبيعية.
في النهاية، يبقى التمييز بين الصادق والمستغل تحديا انسانيا مستمرا. ليس من الخطأ منح الثقة، لكن من الحكمة مراقبة التوازن في اي علاقة: من يعطي اكثر؟ من يستفيد اكثر؟ وهل يقابل الاهتمام بقدر معقول من الاهتمام؟ ومع الوقت يتعلم الانسان ان اللطف الحقيقي يظهر في اللحظات التي لا يمكن استثمارها، وان العلاقة التي لا تقف على نية صادقة سرعان ما تكشف نفسها مهما حاول اصحابها التمويه.
هذا النوع من المقالات تذكرنا بان العلاقات الانسانية تظل مساحة معقدة، وان الشخص الذي يبدو محبا للجميع قد لا يكون اكثر من محترف في ارتداء الوجوه. لكن الوعي والقراءة الجيدة للمواقف تبقى مفاتيح اساسية لحماية الذات والحفاظ على العلاقات التي تستحق فعلا ان تستمر.




