الأخبار السياسيةتقارير وتحقيقات

مفترق الطرق الدستوري والسياسي في العراق بعد الانتخابات

تستعد الساحة السياسية العراقية للدخول في مرحلة التكليف والتشكيل الحكومي، وهي مرحلة محكومة بنصوص دستورية مرنة وتقاليد سياسية راسخة على أساس التوافق المكوناتي (“الصفقة الثلاثية”). ومع المصادقة الوشيكة على النتائج الانتخابية، تتجه الأنظار نحو مفترق طرق دستوري يحدد هوية رئيس الوزراء القادم.
فيما يلي تحليل احترافي للسيناريوهات الأربعة التي تحكم المشهد السياسي للشهر القادم، مع التركيز على التعقيدات الإجرائية والسياسية.
المحور الأول: السيناريوهات المرتكزة على التوافق الدستوري
السيناريو الأول: التوافق الثلاثي وتفعيل الكتلة الأكبر المسجلة مسبقاً
هذا السيناريو هو الأكثر اتساقاً مع الأعراف السياسية، حيث يتمحور حول إتمام الـ “الصفقة الثلاثية” التقليدية لضمان التوازن:
* الشيعة يتولون رئاسة الوزراء (بموافقة السُنة).
* السُنة يتولون رئاسة البرلمان (بموافقة الشيعة).
* الكرد يتولون رئاسة الجمهورية (بمرشح توافقي من كتلهم).
| المرحلة الإجرائية | الشرط الدستوري والإجرائي | القوة السياسية المتوقعة |

| الجلسة الأولى للبرلمان | انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه بـ الأغلبية المطلقة (165 صوتاً) خلال 15 يوماً. | تحالف سُنّي توافقي.

| انتخاب رئيس الجمهورية | حضور ثلثي الأعضاء (220 نائباً) للنصاب. الفوز بـ (165 صوتاً) في الجولة الثانية. | التحالف الديمقراطي الكردستاني.

| إعلان الكتلة الأكبر | التقدم بطلب إعلان “ائتلاف الإعمار والتنمية” برئاسة السوداني كـ الكتلة الأكبر، استناداً إلى المادة (76) وتشكيله المسبق. | ائتلاف الإعمار والتنمية.

| التكليف ومنح الثقة | تكليف رئيس الوزراء من الكتلة الأكبر، ويحتاج إلى موافقة الأغلبية المطلقة (165 صوتاً) من البرلمان خلال 30 يوماً. | رئيس الوزراء المكلف.

النتيجة المتوقعة: تشكيل حكومة شراكة مستقرة نسبياً في إطار زمني لا يتجاوز 60 يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى.
السيناريو الثاني: تنافس الإطار التنسيقي على تعريف “الكتلة الأكبر بعد الانتخاب”
يتبع هذا السيناريو نفس الإجراءات الدستورية في انتخاب الرئاسات الثلاث، لكنه يختلف في نقطة حاسمة: التقدم بطلب “الكتلة الأكبر”.

* في هذه الحالة، يتقدم الإطار التنسيقي (بقيادة المالكي) بصفته الكتلة التي تشكلت بعد الانتخابات وضمت أكبر عدد من النواب الموقعين في الجلسة الأولى، وفقاً لتفسير المادة (76) التي تجيز التشكيل اللاحق.
* هذا يضع السيناريوهين الأول والثاني في حالة تصادم تفسيري أمام رئاسة البرلمان، وقد يدفع الملف برمته نحو المحكمة الاتحادية لتحديد الأحقية الدستورية.

المحور الثاني: سيناريوهات الجمود والضغط الخارجي
السيناريو الثالث: الشلل السياسي وتفعيل “الثلث المعطل”
في حال احتدام الصراع بين الأطراف الشيعية على تعريف “الكتلة الأكبر” وتسمية رئيس الوزراء (كما في 2021)، سيتم اللجوء مجدداً إلى المرجعية القضائية والدستورية.

* الاحتكام للقضاء: تطلب إحدى الكتل من المحكمة الاتحادية تفسيراً حاسماً ونهائياً للمادة (76) المتعلقة بالكتلة الأكبر، مما يعطل العملية مؤقتاً.
* تفعيل التعطيل: قد يلجأ الطرف الخاسر أو غير الموافق إلى تفعيل “الثلث المعطل”، وهو منع تحقيق نصاب ثلثي البرلمان (220 نائباً) اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية.
* التبعات: دخول البلاد في فراغ دستوري وعدم قدرة رئيس الجمهورية الحالي على تكليف رئيس وزراء جديد، مما يعكس حالة من الجمود والشلل السياسي المديد.

السيناريو الرابع: التدخل الدولي والإقليمي لفرض التوافق
قد يتم تسريع تشكيل الحكومة في زمن قياسي نتيجة ضغوط دولية وإقليمية مكثفة، خاصة إذا كان هناك قلق بشأن الاستقرار الإقليمي أو مصالح القوى الكبرى.

* الضغط الأمريكي: من المرجح أن يلعب مبعوثون دوليون، مثل المبعوث الأمريكي مارك سافايا (في عهد إدارة ترمب أو أي إدارة أخرى)، دوراً محورياً في توجيه المفاوضات والضغط على الأطراف لتقديم تنازلات.
* فرض الإرادة: قد يتم تقديم خارطة طريق معدلة تفرض مرشحاً أو برنامجاً حكومياً يلبي تطلعات الجهات الخارجية، مع التحذير من “سيناريو مظلم” (تجدد الاحتجاجات أو العنف الداخلي) في حال فشل التوافق.
النتيجة المتوقعة: تشكيل حكومة توافقية سريعة لكنها قد تكون ضعيفة داخلياً بسبب تشكيلها تحت إملاءات خارجية.

ملاحظة ختامية: إن المسار الأكثر احتمالية هو مزيج من السيناريوهين الأول والثالث؛ حيث يبدأ بتوافق مبدئي ثم يتأخر بسبب التفسيرات الدستورية، ليُحل أخيراً بتوافق يتم بوساطة داخلية وخارجية.

متابعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار