منوعات

عشرون عاماً من الوحدة

كتبت: رباب النويري :-

أكبر فشلٍ لي في حياتي على مدى عشرون عامًا هو أنني لم أجد إنسانًا واحدًا يشبهني حقًا ، كنت دائمًا محاطة بأشخاص لا يشبهونني ، ولا يتناغمون مع طاقتي، فبدوت وحيدة وسط الجماعات ، غريبة حتى في أكثر اللحظات ازدحاما بالناس ، كنت أراقبهم عن قرب، أرى كيف يتشابهون بطرق دقيقة وعميقة، وكيف يجمع بينهم خيط غير مرئي من الانسجام، حتى وإن كان بينهم كره دفين، فإن هناك ما يوحدهم ويجعلهم ينتمون لنفس النوع من البشر،
أما أنا، فكنت دائمًا خارج تلك المجاميع ، كلما دخلت مجموعة جديدة، شعرت بأنني دخيلة لا مكان لي بينها ، أحاول أن أجد لنفسي موضع قدم، لكن سرعان ما أكتشف أن طاقتي تنفرهم، وأن رفضي غير المعلن يصل إليهم رغم محاولاتي المستميتة لإخفائه، وهكذا يبدأون بالابتعاد بصمت، أو أجد نفسي أنسحب بلا وعي مني ، ثم يتكرر المشهد ذاته في كل مرة أعود انا وحدي إلى منزلي وحيدة، أتناول طعامي وحيدة، أنام وحيدة، وأعيش يومي كله في وحدة تامة حتى حين أكون وسط الزحام، يظل شعوري بالاغتراب يلازمني، وكأن بيني وبين العالم جدارًا سميكًا لا يُرى ، لقد مضت عشرون عامًا كاملة ولم أجد من يشبهني ، ولم احب احداً ولم أتعلم بعد كيف أحب نفسي حتى،
هذا الشعور العميق بالاغتراب جعلني أطرح على نفسي أسئلة تثقل رأسي من التفكير ، متى سأجدهم ، اولائك الذين يشبهون روحي ، فبالطبع لم يخلقني الله وحدي في هذا العالم ، بالتأكيد خلّق اخرين مثلي ، لايتناسبون مع هذا العالم السطحي المليء بالزيف ، بالتأكيد هنالك اشخاصاً يشعرون بما اشعر ، لكن متى سألقاهم؟ ولماذا لم اجدهم بعد؟ ولكن بعد كل شيء ، انا ممتنة لوحدتي ،لو لا وحدتي هذه ، لما امتلكت الوقت للتفكير والتأمل واكتشاف الذات ، رغم قسوة الوحدة ورغم عظمة الوحشة التي اشعر بيها في اعماق روحي الا انني اكتسبت وعيا من هذه الوحدة وتنويرا روحيا لم يصل اليه اولائك العالقون في الزحام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار