ذكريات العراقيين مع صوبة علاء الدين دفء الماضي وروح الأصالة


*الحقوقية انوار داود الخفاجي..
في ليالي الشتاء الباردة، حين تعصف الرياح في أزقة العراق العتيقة، يبرز في الذاكرة صوت اشتعال “صوبة علاء الدين” ورائحتها المميزة، التي كانت تملأ البيوت بدفء لا يُنسى. هذه المدفأة النفطية، التي دخلت البيوت العراقية منذ عقود، لم تكن مجرد وسيلة تدفئة، بل أصبحت جزءًا من التراث الشعبي ومرتبطة بذكريات الطفولة والجلسات العائلية الحميمية.
كانت صوبة علاء الدين، ذات اللون الأزرق المميز والتصميم الأسطواني، تُعتبر من أكثر المدافئ انتشارًا في العراق خلال العقود الماضية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، دخلت هذه المدفأة إلى المنازل العراقية لتحل محل طرق التدفئة التقليدية، مثل “المنقلة” التي تعتمد على الفحم أو الحطب. وكانت مصدرًا موثوقًا للدفء، إذ تعمل بالوقود النفطي وتتميز بقدرتها على نشر الحرارة في أرجاء الغرفة بفضل تصميمها الفريد.
لم تكن الصوبة مجرد أداة لتدفئة الأجساد، بل كانت محور الحياة العائلية في الشتاء. ففي الصباح الباكر، كان الأب أو الجد يستيقظ ليشعلها، لتصبح مصدرًا للدفء قبل أن يستيقظ باقي أفراد العائلة. ومع تساقط المطر في الخارج، كان الأطفال يلتفون حولها، يمدون أيديهم إليها، بينما الأمهات يضعن فوقها إبريق الشاي أو قدر الطعام ليبقى ساخنًا طوال اليوم.
لكل عراقي حكاية مع صوبة علاء الدين، فهي كانت رفيقة الدراسة أيام البرد القارس، حيث يجلس الطلاب بالقرب منها ليحلوا واجباتهم المدرسية، مستمتعين بدفئها ونورها الخافت الذي يبعث الطمأنينة. كما أنها كانت نقطة التجمع في الليالي الطويلة، حيث تجتمع العائلة حولها لشرب الشاي، وتبادل الأحاديث، والاستماع إلى قصص الأجداد وحكايات الماضي.
وكانت الصوبة أيضًا جزءًا من الطقوس الشتوية، حيث كان الأطفال يحمصون الخبز أو الكستناء فوقها، مستمتعين برائحة الشتاء التي تنبعث منها. وكانت بعض الأمهات يستخدمنها لتجفيف الملابس في الأيام الممطرة، حيث تُعلق الثياب الرطبة بالقرب منها لتجف بسرعة.
اليوم، ورغم التطور الكبير في وسائل التدفئة، لا تزال صوبة علاء الدين تحتفظ بمكانة خاصة في قلوب العراقيين. فالكثير من العائلات، حتى مع توفر المدافئ الكهربائية والغازية، لا تزال تحتفظ بها كقطعة تراثية، وأحيانًا يعاد استخدامها في المناطق الريفية أو في حالات انقطاع الكهرباء.
أصبحت الصوبة رمزًا للبساطة والأيام الخوالي، حيث كانت الحياة أكثر هدوءًا وتماسكًا، وكانت العائلة تقضي وقتها معًا بعيدًا عن الشاشات والضوضاء الحديثة. كما أنها تذكر العراقيين بطفولتهم، حين كانوا يجلسون حولها في ليالي الشتاء، يحتسون الشاي الساخن، ويستمعون إلى قصص الأهل بحب ودفء.
وفي الختام تبقى صوبة علاء الدين جزءًا من ذاكرة العراقيين، تحمل بين طياتها حكايات من الدفء والحنين، وتجسد صورة من صور الحياة البسيطة التي تميزت بها البيوت العراقية في الماضي. قد تتغير وسائل التدفئة، ولكن ذكرياتها تبقى راسخة في القلوب، كإحدى أيقونات الشتاء العراقي التي لا تُنسى.