تقرير: سببان يدمّران سوق العقارات في بغداد ويبددان حلم الفقراء في امتلاك السكن

سلّط تقرير صحفي، الضوء على أسباب ارتفاع أسعار العقارات في العاصمة بغداد، الأمر الذي بدأ يشكّل عقبة كبيرة أمام الطبقة الفقيرة والمتوسطة في امتلاك عقار، ويشير التقرير إلى أن “الفساد أحد أبرز تلك الأسباب”.
  
 
ويقول التقرير الذي نشرته صحيفة “العرب” (5 كانون الثاني 2023)، “يصطدم الكثير من سكان العاصمة العراقية بغداد وخاصة من الطبقتين المتوسطة والفقيرة بالعديد من المطبات في سبيل الحصول على مسكن جراء الأسعار الخيالية للعقارات التي كانت نتائج لسياسات تخطيط خاطئة على مدار عقدين، فضلا عن استشراء الفساد”.
 
وتالياً نص التقرير:
 
يتزايد قلق العراقيين بشأن فرص امتلاكهم عقارا في ظل فشل المبادرات لكسر قيود البيروقراطية الجاثمة على القطاع والتي جعلت الأسعار وخاصة في العاصمة بغداد تحلق إلى مستويات غير معقولة.
 
ومن أهم أسباب فشل الحكومات المتعاقبة في معالجة هذه المشكلة المستعصية هو عدم وجود خطط إستراتيجية بشقيها، قصيرة المدى وطويلة المدى، فضلا عن الفساد المزمن الذي استشرى في مفاصل الدولة النفطية.
 
وصارت حلول أزمة الإسكان التي كانت مطروحة على مدار عشرين سنة مجرد وعود غير قابلة للتطبيق وفقاعات للاستهلاك المحلي، والتي أدت إلى تضخم المشكلة مع استمرار معاناة الأسر التي باتت عاجزة أمام هذا الأمر.
 
وبعد سنوات من البحث المضني، وصل يوسف أحمد إلى حافة اليأس من إمكانية أن يشتري له ولعائلته الصغيرة منزلا أو شقة يسكنون فيها، فأسعار العقارات في بغداد بلغت مستويات مرتفعة، لأسباب عديدة منها الفساد وضعف التخطيط.
 
ومن الضغط السكاني الذي دفع إلى زيادة الطلب على العقارات إلى تبييض الأموال، باتت أسعار العقارات في العاصمة خارج متناول يد الطبقة الوسطى.
 
وفي بلد يتراوح فيه متوسط الدخل بين 400 و500 دولار في الشهر للفرد، بحسب مسح نشرته منظمة العمل الدولية بالتعاون مع السلطات العراقية العام الماضي، تبلغ أسعار العقارات السكنية في بغداد والتي عرفت في السنوات الأخيرة استقرارا نسبيا بين ألفي دولار للمتر الواحد و8 آلاف أو أكثر.
 
وترافق الاستقرار مع استقطاب العاصمة عددا كبيرا من السكان، الذي تضخّم ليصل إلى تسعة ملايين، إضافة إلى ارتفاع الطلب على العقارات.
 
في الأثناء، تملأ شوارع العاصمة الإعلانات الضخمة لمجمعات سكنية حديثة وأبراج بأسعار باهظة، في مدينة تختنق بالازدحامات المرورية، وتطوف طرقها بالمياه بعد الأمطار وتكتظّ بأسلاك المولدات الكهربائية، في انعكاس لتهالك بنيتها التحتية إثر سنوات من الحروب والإهمال.
 
ويعمل يوسف البالغ من العمر 29 عاما في شركة اتصالات خاصة ويتقاضى ألف دولار في الشهر، ومع ذلك لا يستطيع تحمّل كلفة شراء شقة يقطن فيها مع زوجته وطفله ويستقلّ عن منزل أهله.
 
ويقول هذا الشاب لوكالة الصحافة الفرنسية “حتى لو تطوّر الدخل بمرور الوقت، لكن في المقابل أسعار البيوت…تتضاعف بشكل كبير”.
 
وإزاء ذلك، لا تبدو البدائل مغرية، فالمجمعات السكنية الفارهة التي بدأت بالانتشار في السنوات الأخيرة باهظة.
 
في المقابل، يؤكد يوسف أنه “إذا فكرنا في الابتعاد عن مركز بغداد، حيث الأسعار أقلّ، علينا أن نبتعد كثيرا وهذا صعب بسبب صعوبة التنقل ورداءة الخدمات”.
 
ويضيف “أما القروض المتوافرة فغير مفيدة كثيرا، حتى ولو أخذت قرضا بمئة مليون دينار (حوالي 68 ألف دولار)، لن تشتري لك شيئا، وفوائدها عالية”.
 
ولطالما كان الاستثمار العراقي في سوق العقارات، لاسيما بعد الغزو الأميركي وما تلاه من حروب، يذهب إلى تركيا في المرتبة الأولى، أو إلى أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراقي، التي نجحت في أن تكون واجهة للحداثة مع بنية تحتية جيدة وطرق سريعة ومشاريع عقارية عملاقة.
 
لكن مع الاستقرار النسبي في العاصمة بغداد، انطلقت في السنين الأخيرة حملة إعمار ضخمة، وارتفعت معها الأسعار.
 
وفي شارع الكرادة التجاري المكتظ في العاصمة، تصطف العشرات من المكاتب العقارية قرب بعضها البعض، فيما هياكل الأبنية المشيّدة حديثا تجاور البيوت البغدادية التقليدية التي توشك على الانهيار.
 
وفي هذه المنطقة، يعمل سامر الخفاجي في قطاع العقارات منذ ثماني سنوات لاحظ خلالها تزايدا في الأسعار بشكل كبير، خصوصا العام الماضي.
 
ويقول الخفاجي “السوق بدأ بالارتفاع من دون توقف”. ويشرح أن أسعار الأراضي والبيوت في المنطقة التي يعمل بها “كانت بين 1200 و1500 و1700 دولار للمتر، واليوم تبلغ نحو ثلاثة آلاف دولار للمتر”، وصولا إلى خمسة آلاف في بعض المناطق.
 
وفي منطقة الجادرية التي تعدّ من المناطق الفارهة بالعاصمة، قد يصل سعر المتر إلى أربعة آلاف دولار وحتى ثمانية آلاف للعقارات التجارية، كما يؤكد حسين الصفار صاحب مكتب عقاري.
 
ويتحدّث الشاب عن “صعود خيالي في الأسعار”. ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية “بغداد حاليا مزدحمة، كمركز للعراق، أعداد السكان تتزايد ولذلك هناك طلب على العقارات”.
 
وفي بلد يحتلّ المرتبة 157 من بين 180 دولة في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن “مدركات الفساد”، تبدو قضية ارتفاع أسعار العقارات في بغداد مرتبطة بغسل الأموال، كما يعترف بسهولة المسؤولون.
 
ويشرح المحلّل الاقتصادي العراقي علي الراوي أن “المشكلة الرئيسية بالسوق العقارية هي أن التعامل يكون نقدا”، وبالتالي يسهل “إخفاء الأموال بأراضٍ وبنايات”، ويرفع ذلك من “السيولة في السوق وبالتالي الأسعار ترتفع”.
 
وأضاف الراوي “عند بيع هذه العقارات، يتمّ الأمر بعقود رسمية وبيان وعقد بيع وشراء، الموضوع يكون رسميا”، وبالتالي “تبييض الأموال” عبر ذلك، يكون “سهلاً جدا”.
 
وخلال حديثه عن “سرقة القرن”، أقرّ رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بأن جزءا كبير من أموال الضرائب التي سرقت استخدمت في “شراء عقارات مهمة في مناطق هامة في بغداد”.
 
وفي تقرير لمركز ذي سنتشوري فاوندشن للأبحاث يشير الباحث العراقي سجاد جياد إلى أن “أكثر من مليار دولار من أموال الضرائب المسروقة البالغة 2.5 مليار دولار، استثمرت في 55 عقارا في بغداد، ومليار دولار أخرى وزعت بين ممتلكات، وأراضٍ، وأصول أخرى”.
 
ويلقي مدير العلاقات العامة في أمانة بغداد محمد الربيعي باللوم في هذه الأزمة على “التخطيط الخاطئ” من الحكومات المتعاقبة “في ملف الاستثمار في الإسكان”، وسياسة عامة في هذا الملف “لم تفد الموظف والفقير”.
 
ويضيف “يوجد ارتفاع مخيف في الأسعار. ومن الصعب حتى على الأغنياء أن يمتلكوا ولو مئة متر في بغداد”. ويرى أن “زيادة أسعار العقارات غير مرتبطة بالسوق، بل مرتبطة بالمافيا وبغسل الأموال”.
 
وفي مدينة يقطن مليون شخص فيها العشوائيات، وفق الربيعي، تنوي الحكومة الجديدة إنجاز مشاريع سكنية غير مكلفة ومدعومة بقروض، على غرار مشروع بسماية، الذي أعلنت هيئة الاستثمار الحكومية في يناير الحالي عن استئناف العمل فيه قريبا.
 
واختفت الأراضي الزراعية وغابات النخيل اللتان تعدّان رمزا عراقيا في ضواحي العاصمة، تحت كتل الإسمنت، مع بروز مشاريع سكنية توفر ربحيةً أكثر من الزراعة.
 

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار