المعرفة بين الإحساس والادراك

المعرفة بين الإحساس والادراك
د. امال بو حرب

لقد اتخذت الحقيقة المعرفية عبر التاريخ أبعادًا مختلفةً ومتناقضة لأسبقية الاحساس عن الادراك أو العكس ولقد وضع المجتمع العلمي المعاصر قواعد للبحث الموضوعي وذلك باللجوء للتجربة للبحث والملاحظة والقياس… والتي تحول الفرضيات إلى قوانين علمية تعبر عن العلاقات الثابتة والمنتظمة بين الظواهرإلا أن انتقال المعرفة العلمية من دراسة المادة إلى دراسة الإنسان ذاته بما يتميز به من إرادة وحرية في الاختيار تجعله ينفلت من القوانين الحتميةوهذا ما دفع العلوم الإنسانيةإلى دراسة المفاهيم وآليات المعرفة عبر التاريخ المعرفي وخاصة فيما يتعلق بعلاقة الادراك مع الاحساس فهل هي علاقة اتصال حتمية أم علاقة انفصال فكري وعملي؟ يرى الفلاسفة الكلاسيكيون ( العقليون والحسيون ) أنه من الضروري الفصل والتمييز بين الإحساس والإدراك في التعرف على العالم الخارجي إذ يرى العقليون وفي مقدمتهم رونيه ديكارت ورو ألان وجورج باركلي و إيمانويل كانط بأن المعرفة الإدراكية هي حكم ذهني ناتجة عن نشاط العقل فيما يرى الحسيون وفي مقدمتهم جون لوك ودافيد هيوم وجون ستوارت ميل بأن المعرفة الإدراكية مصدرها الإحساس والتجربةالخارجيةويستند الفلاسفة العقليون في فصلهم بين الاحساس والإدراك على التمييز بينهما من حيث طبيعة وقيمة المعرفة المتأتية من كليهما فمن حيث الطبيعة إن الإحساس عملية فيزيولوجية أولية بسيطة مرتبطة بالبدن وهو عالم ثابت مشترك بين الإنسان والحيوان أما الإدراك فهو مرتبط بالعقل أي أنه عملية عقلية معقدة تساهم فيه عمليات ووظائف عقلية من ذاكرة وذكاء وتخيل وتأويل للحكم … وهو متطور تبعا لتطور هذه القدرات الذهنية . أما من حيث قيمة الاحساس فهي أدنى قيمة معرفية من الإدراك بمعنى أنه معرفة أولية لم يبلغ بعد درجة المعرفة فهو يحدث صورا ذهنية لا تتضمن أي معنى بينما الإدراك يؤسس على المعرفة الحقة القائمة على الوضوح واليقين والتي تتم في إطار الزمان والمكان يقول ديكارت في هذا : ” أنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني “ولعل هذا ما عناه الفيلسوف اليوناني سقراط بقوله: “إن الحواس تخدعنا خداعا كبيرا”وفي العصر الحديث يرى رائد الفلسفة الحديثة ديكارت أن العقل هو أعدل قسمة بين الناس بما ركب فيه من أفكار فطرية هو أساس كل معرفة وفي هذا الصدد يقول ديكارت: ” لقد رأيت الحواس تخدعني وليس من الحكمة أن نطمئن كل الاطمئنان إلى من يخدعنا ولو لمرة واحدة ولقد أشار ديكارت إلى هذا بتقديمه لمثال عن أبراج القلعة التي كانت تلوح له مستديرة عن بعد أصبحت تلوح له مربعة عن قرب ويقول في هذا الصدد : ” (ولكن إختبارات كثيرة فوضت شيئا فشيئا كل ما لدي من ثقة بالحواس فقد لاحظت مرات عديدة أن الأبراج التي كانت تلوح لي مستديرة عن بعد تلوح لي مربعة عن قرب ) بينما يميز الفلاسفة الحسيون بين الإحساس والإدراك بالنظر إلى درجة وشدة التعقيد فيهما فالعقل عندهم ملكة تابعة للإحساس عاجزة عن إنشاء أفكار ذاتية خاصة بل إنه ( العقل ) ليس أكثر من مستودع للخبرات والصور الحسية ومنه فكل المدركات العقلية ما هي في الحقيقة سوى خبرات حسية تحصلنا عليها شيئا فشيئا نتيجة إنطباع صور المحسوسات إذ يؤكدون أن الإحساس هو مصدر جميع معارفنا فالمعرفة الإدراكية في تصورهم هي نتيجة تآلف جميع الإحساسات ومعنى ذلك أن المعرفة المتحصلة تنتج عن تآلف بين الإحساس والإحساس المركب ( والذي يكون شعورا أو إنطباعا أو إدراكا حسيا ) فالمعرفة الإنسانية متولدة من التجربة والخبرة فالعقل البشري صفحة بيضاء و التجربة هي التي تخط عليه ما تشاء وبهذا يجعلون الاحساس اكثر قيمة واسبق وجودا، بحيث يسلمون ان كل ادراك هو احساس في الاصل وانه من فقد حاسة فقد المعرفةالمتعلقة ما يعني ان وظيفة الاحساس مستقلة عن وظيفة الادراك هذا ما دفع الظواهريين إلى الاعتقاد أن ” الثابت هو الأشياء نفسها والمتغير هو الإدراك ” لهذا يجب الاكتفاء بوصف ما يظهر دون الاعتماد على فروض ونظريات ودون الفصل بين الإحساس والإدراك حيث لا وجود لإحساس خالص غير مسبوق بشعور ذهني، كما لا يوجد إدراك ذهني غير مرتبط بالحواس، وهذا ما يعزز فرضية استحالة الفصل بينهما..
أخيرا إن كل التجارب المعرفية أثبتت أن محاولة الفصل بين الإحساس والإدراك عملية لا جدوى منها من الناحية الواقعية بحكم أنهما متكاملان وهذا ما أثبتته الدراسات النفسية والعلميةكما أنه لا يجب تغليب عامل على آخر لأن هذا الفصل أو التغليب ناتج فقط عن التفسيرات المذهبية فالإدراك يتولد من وجود ذات تدرك (العقل) وموضوع يدرك (الأشياء الحسية) وهذا ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي توماس ريد بقوله: ” الإدراك هو الإحساس المصحوب.

أخبار ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار