كتب الاستاذ محمد الشبوط : الانسان والله

محمد عبد الجبار الشبوط
١. الله كائن موجود، من طبيعة اخرى ليست مادية، لا يُرى بقوانين الفيزياء المادية، كلي القدرة والمعرفة والحرية. يمكننا ان نعرف صفاته، لكن لا يمكننا ان نعرف كنه ذاته. ” لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ”. ومن يؤمن بغير ذلك، اعني من يرى ان الصدفة او الطبيعة خلقت الانسان، فلا بأس ما دام آمن بالمفهوم واخطأ في المصداق. واعني بالمفهوم ان الانسان مخلوق بحاجة الى خالق، والخالق اما الله، او الطبيعة، او الصدفة. وهذه هي المصاديق.
٢. الله اختار ان يخلق الانسان، وجعل كل شيء في الكون ملائما لحياة الانسان، واسكنه فيما نعلم في الارض التي خلقه منها وفيها. “الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ” “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”. “وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ”.
٣. استخلف الله الانسان في الارض، اي كلّف الانسان مسؤولية و وظيفة تدبير شؤون الارض ومن عليها، واعمارها، واستثمارها.”وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”.”وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ”. والاستخلاف نقيض الافساد وسفك الدماء، فهو اصلاح وسلام، وبناء واعمار، بدلالة قول الملائكة:”أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”.
٤. الله خلق الانسان حرا، والحرية تشترط العقل و تستبطن المسؤلية. “وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ”. “وَقِفُوهُمْ. إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ”.
٥. الله خلق الانسان لكي يعبده.”وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”. والعبادة اقصى درجات الحب. وهي تقتضي التطابق الارادي ما امكن ذلك بين ارادة الله الخالق وارادة الانسان المخلوق.”. “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ”. والعبادة بمعناها المذكور انفا هي الطريق الى الكمال. لان سعي الانسان الناقص الى التطابق مع ارادة الله الكامل انما هو سعي الى الكمال. فالكمال هو تمثل صفات الله المطلقة، من العلم والقدرة والرحمة والعفو الخ، في حياة الانسان. وبهذا يتضح الفرق بين المفهوم القراني للعبادة بالمفرد، والمفهوم الفقهي للعبادات بالجمع. فالعبادات كما هو موضّح ومشروح في كتب الفقه انما هي الطقوس والشعائر الدينية التي يقوم بها المسلم وفي مقدمتها الصلاة والصوم والحج. وهي واجبة على المسلم الذي بلغ سن التكليف وتوفرت شروطها الاخرى. وهي اضيق معنى من العبادة بالمفهوم القراني وان كانت مشمولة فيه لمن امن. فالاية لا تعني حصرا ان الله خلق الانسان من اجل الصلاة والصوم، وانما تعني بالمعنى الشامل الذي ذكرناه والذي يشمل اعمار الارض واقامة الحياة الطيبة، كما وصفها القران الكريم بقوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ”. فمصطلحا الاستخلاف والعبادة يكمّل احدهما الاخر.
٦. ولم يجز الله فرض الايمان به و عبادته على الانسان بالقوة والاكراه: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”. ولم يخوّل احدا القيام بذلك: “لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ”، “وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ”، “وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ”؛ انما “دعا” الانسان الى عبادته: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”.
٧. وبازاء هذه الدعوة منح الله الانسان حرية الاختيار بين طريقين بعد ان عرّفه بهما وهما طريق عبادته، وطريق عدم عبادته. والانسان وحده هو الذي يقرر ذلك ويختار، ويتحمل مسؤولية ذلك الاختيار. فان اختار طريق عبادته اسلم وجهه لله وهو محسن.
٨. لكن الله حبب للانسان اختيار طريق عبادته، ووعده بالسعادة ان هو سار بهذا الطريق، وذلك حبا بالانسان، ورحمة، وشفقةً. “وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ”. “وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ”.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار