تحقيقات في مقتل 27 مهاجراً ببحر المانش.. محادثات للإنقاذ مع السلطات الفرنسية ولكن!

 
بعد مرور حوالي عام على المأساة الأكثر دموية في بحر المانش والتي راح ضحيتها 27 مهاجرا على الأقل، كشفت تحقيقات رسمية، نشرتها صحيفة “لوموند” الفرنسية، تفاصيل الحادثة وعدم تحرك السلطات الفرنسية لتنفيذ عملية الإنقاذ رغم اتصال المهاجرين بخدمات الطوارئ أكثر من 15 مرة.
  
 
في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أبحر 33 مهاجرا من سواحل شمال فرنسا أملا ببلوغ البر البريطاني، لكن لم ينج منهم سوى اثنين، إذ انتشلت السلطات 27 جثة، ولا يزال أربعة أشخاص في عداد المفقودين.
 
هذه الحادثة الأكثر دموية في بحر المانش أثارت جدلا واسعا واستدعت فتح تحقيق في مجريات الواقعة وتعامل سلطات الإنقاذ البحري الفرنسية المسؤولة عن مهمات البحث والإنقاذ في بحر المانش “CROSS Gris-Nez”.
 
صحيفة “لوموند” الفرنسية نشرت أمس الأحد 13 تشرين الثاني/نوفمبر محتوى الاتصالات المتبادلة بين المهاجرين ومركز الإنقاذ البحري والسلطات البريطانية، التي كانت جزءا أساسيا من جلسات الاستماع مع قوات الدرك البحري في شيربورج المسؤولة عن بحر المانش والقناة الإنكليزية التي تفصل فرنسا عن المملكة المتحدة.
 
خلال جلسات الاستماع، أفاد الناجون بتسرب المياه إلى داخل القارب المطاطي بعد ساعات قليلة من مغادرته سواحل لون بلاج (دنكيرك) شمال فرنسا. وكان أول اتصال للمهاجرين بخدمات الطوارئ الفرنسية (SAMU) حوالي الساعة الثانية صباحا، لكن نداء الاستغاثة الذي أطلقه المهاجرون لم يكن كافيا ليدفع السلطات الفرنسية اتخاذ قرار بإرسال دورية بحرية لإنقاذ المهاجرين.
 
ورغم أكثر من 15 محادثة هاتفية بين المهاجرين وخدمات الطوارئ ومركز الإنقاذ، لم تتم عملية الإنقاذ إذ إن السلطات الفرنسية أصرت على أن عملية إنقاذ القارب يجب أن تكون مسؤولية سلطات المملكة المتحدة نظرا لموقع القارب التي حصلت عليه.
 
وبعد مرور 12 ساعة على أول نداء استغاثة، عثر صيادون فرنسيون حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، على جثث تطفو على المياه. إذ راح ضحية حادث الغرق 27 شخصا، بينهم نساء وأطفال، وسُجل أربعة في عداد المفقودين، فيما لم ينج سوى مهاجرين اثنين، قام المحققون باستجوابهم بعدما تلقوا العلاج المناسب في مستشفى فرنسي.
 
وتفيد البنود القانونية لاتفاقية “خطة المانش” التي وقعتها فرنسا والمملكة المتحدة، بوقوع مهمة إنقاذ الأشخاص المعرضين للخطر على عاتق “مركز العمليات الإقليمي للمراقبة والإنقاذ البحري” (CROSS) إذا كانوا في المياه الفرنسية، وعلى عاتق خفر السواحل البريطاني ومركزهم دوفر، إذا كانوا في المياه البريطانية.
 
وتوضح المحافظة البحرية “سواء بواسطة القوات الفرنسية أم البريطانية، أو كليهما، يتم تنفيذ عمليات الإنقاذ بناء على مناطق نفوذ الطرفين، وبما يتناسب والقوانين البحرية الدولية”.
 
عند الساعة 01:48، بدأت المحادثة بين المهاجرين على متن القارب وخدمة الاتصال المخصصة لحالات الطوارئ (SAMU) التي حوّلت الاتصال إلى مركز الإنقاذ البحري. وحذّر الموظف في خدمة الطوارئ المركز قائلا “يبدو أن لا شيء يسير على ما يرام في القارب”.
 
عادة، يتصل المهاجرون بخدمة الطوارئ الهاتفية عند تعرضهم للخطر، ومن ثم يتم تحويل اتصالهم إلى مركز الإنقاذ البحري.
 
استمرت المحادثة الأولى بين المهاجرين ومركز تنسيق الإنقاذ قرابة 14 دقيقة، وأول ما قاله أحد المهاجرين على متن القارب، باللغة الإنجليزية، إنهم 33 شخصا على متن قارب “مكسور”.
 
–         المهاجر: “من فضلك من فضلك! (…) نحن بحاجة للمساعدة من فضلك. من فضلك ساعدنا”.
 
–         المركز: “إذا لم يكن لدي موقعك، فلا يمكنني مساعدتك”.
 
على متن القارب، بدأ الذعر يسيطر على الركاب وتعالت أصوات الصراخ والبكاء.
 
– المركز: “أرسل لي موقعك الآن وسأرسل لك قارب إنقاذ في أسرع وقت ممكن”.
 
وكما تجري العادة، يطلب المركز من المهاجرين إرسال الموقع في رسالة عبر تطبيق “واتساب”. وتشير التحقيقات إلى أن مركز الإنقاذ تلقى إحداثيات موقع القارب بين الساعة 2:05 صباحا و2:06 صباحا.
 
رغم تلقي السلطات الفرنسية إحداثيات القارب، إلا أنهم لم يشرعوا في تنفيذ عملية الإنقاذ، بل قرروا تحويل النداء إلى السلطات البريطانية، وأخبروا مركز دوفر عبر الهاتف “يوجد قارب في قطاعكم. سأرسل لكم الموقع لأنه يبعد 0,6 ميلا بحريا” (حوالي 1 كيلومتر) عن المياه الإنكليزية.
 
عند الساعة 2:10، يرسل المهاجرون من جديد موقع قاربهم عبر تطبيق “واتساب” وكان لا يزال في المياه الفرنسية.
استمرت محاولات المهاجرين بالاتصال لطلب النجدة من السلطات الفرنسية، وعند الساعة الثانية والربع صباحا، وبين أصوات الصراخ والبكاء، قال العامل في المركز للمهاجرين أن “يلتزموا الهدوء وأن قارب الإنقاذ سيصل”.
 
عند الساعة 2:28 صباحا، حدّث المركز الفرنسي موقع القارب واتصل بالسلطات البريطانية لإخبارهم بأن المهاجرين “حاليا في منطقتكم”.
 
على الرغم من ذلك، يواصل القارب المنجرف طلب المساعدة ولكن السلطات الفرنسية تعتبر أنها لم تعد مسؤولة. وبينما تحاول خدمات الطوارئ (SAMU) تحويل مكالمة جديدة إلى المركز البحري، كان الرد على الشكل التالي: “على أي حال، هم الآن في المياه الإنجليزية وإذا اتصلوا مرة أخرى، يجب أن تخبرهم بالاتصال برقم 999 [خدمات الطوارئ التابعة للمملكة المتحدة]”.
 
بالمجمل، اتصل المهاجرون بالسلطات الفرنسية ما لا يقل عن 15 مرة بين الساعة 2:43 صباحا و 4:22 صباحا.
 
عند الساعة 3:30 صباحا، أوضح أحد الركاب أنه كان حرفياً “في الماء”، لكن المركز رد عليه “نعم، لكنك في المياه الإنجليزية”. تشير التسجيلات الصوتية المعتمدة خلال جلسات الاستماع إلى أنه بعد ذلك “عندما يحاول (المركز الفرنسي) تحويل المكالمة إلى مركز دوفر الإنكليزي، ينقطع الاتصال ثم نسمع تعليقا جانبيا حسنا، لا يمكنك السماع، لن يتم إنقاذك… قدمي في الماء، حسنا… لم أطلب منك المغادرة”.
 
تتواصل الردود والاتصالات بين المهاجرين الذين يستغيثون والسلطات الفرنسية التي تطرح أسئلة ولا تتخذ أي خطوة فعلية لتنفيذ عملية الإنقاذ.
 
وحوالي الساعة الرابعة صباحا وأثناء اتصال هاتفي مع السلطات الفرنسية، يخبر المهاجرون السلطات بأنهم رأوا سفينة كبيرة. وتبين لاحقا أن السلطات الفرنسية تلقت بالفعل اتصالا من سفينة شحن عابرة أخبرت السلطات بأنها رأت القارب المتهالك، لكن السلطات الفرنسية أمرت السفينة بإكمال طريقها وأن السلطات سيأتون لإنقاذ المهاجرين.
 
وفقا للقانون البحري، يتوجب على المدنيين في البحر (المراكب الشراعية، السفن التجارية، إلخ) مساعدة أي شخص معرض للخطر، ثم ينتظرون التعليمات من الجهات المختصة، أي من السلطات البحرية للمياه الإقليمية.
 
وبعد مرور ساعات على الاتصالات المستمرة من قبل المهاجرين، تلقى المركز معلومات بأن السلطات البريطانية أنقذت قارب مهاجرين عند الساعة الخامسة صباحا، وبالتالي اعتبروا أن المهاجرين الذين كانوا على متن ذلك القارب تم إنقاذهم، دون أن يتأكدوا بالفعل من أن عملية الإنقاذ كانت تخص القارب نفسه، “لم نتحقق من الأمر لأن ذلك لا يقع ضمن نطاق مواقعنا”.
 
وجاء من ضمن تبريرات الضباط في المركز الفرنسي أن المهاجرين يتصلون “ويصرخون” حتى عندما لا يكونون في خطر. وأشاروا إلى أنهم خلال الليلة نفسها تلقوا نداءات استغاثة عديدة من أكثر من قارب صغير كان يحاول عبور المانش.
 
خلال التحقيقات وجلسات الاستماع، ألقى مركز الإنقاذ البحري اللوم على الدولة الفرنسية ونقص الموارد المتوافرة لديهم.
في مقابلة سابقة مع مهاجرنيوز، أوضحت محافظة المانش وبحر المانش أنه من الناحية النظرية، يُنظر إلى قارب المهاجرين دائما على أنه في محنة، فعادة ما يتعرض لتيارات قوية، ومن المحتمل أن يتوه في البحر أو يصطدم بسفينة شحن، أو أن يغرق. وغالباً ما تكون القوارب محملة بأكثر من سعتها، كما أن المهاجرين يعانون من انخفاض شديد في درجة الحرارة. في معظم الحالات، يكون الإنقاذ مبررا.
 
جمعية “يوتوبيا 56″والتي كانت رفعت شكوى ضد السلطات، وصفت محتوى هذه المحادثات وتعامل السلطات الفرنسية مع المهاجرين بأنه “لا يُحتمل”.
 
وقالت في بيان “هذه المأساة هي قبل كل شيء نتيجة السياسات المطبقة على الحدود منذ سنوات، فالخطابات وكل ما يتم وضعه يدفع إلى زيادة العنف والاتجار بالبشر ويزيد من محنة الناس. في حين أن أكثر من 40 ألف شخص قد عبروا بالفعل القناة الإنجليزية في عام 2022 ( بزيادة 50% مقارنة بعام 2021)، يمكن أن تحدث مأساة جديدة في أي وقت”.
 
وأضافت أن أهالي الضحايا يطالبون فرنسا والمملكة المتحدة بالاعتراف بمسؤولياتهما في هذه المأساة و”بتنفيذ كل الوسائل حتى لا تتكرر مثل هذه المأساة مرة أخرى”.
 
نقلا عن “مهاجر نيوز”
 

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار