القيم العليا لمجتمع صالح (٦)

محمد عبد الجبار الشبوط

مشكلة الدافع الذاتي
في كتابه الكبير “اقتصادنا” (١٩٦٠)، قال السيد محمد باقر الصدر ان جوهر المشكلة الاجتماعية هي “مشكلة مجتمع يتحكم فيه الدافع الذاتي. وما دامت الكلمة العليا للدافع الذاتي الذي تمليه على كل فرد مصلحته الخاصة فسوف تكون السيطرة للمصلحة التي تملك قوة التنفيذ”. وهنا يثور السؤال التالي:”من يكفل لمصلحة المجتمع في زحمة الانانيات المتناقضة ان يصاغ قانونه وفقا للمصالح الاجتماعية للانسانية، مادام هذا القانون تعبيرا عن القوة السائدة في المجتمع؟” قبل الاجابة عن هذا السؤال قال الصدر انه “لا يمكننا ان ننتظر من جهاز اجتماعي كالجهاز الحكومي ان يحل المشكلة بالقوة، لان هذا الجهاز منبثق عن المجتمع نفسه، فالمشكلة فيه هي المشكلة في المجتمع باسره لان الدافع الذاتي هو الذي يتحكم فيه.” وخلص الصدر من ذلك الى القول “ان الدافع الذاتي هو مثار المشكلة الاجتماعية وان هذا الدافع اصيل في الانسان لانه ينبع من حبه لذاته”.
وكان الصدر كتب في كتابه “فلسفتنا” (١٩٥٨) ان “حب الذات هو الغريزة التي لا نعرف غريزة اعم منها واقدم، فكل الغرائز فروع هذه الغريزة وشعبها”، واضاف:”فان حب الانسان ذاته، الذي يعني حبه للذة والسعادة لنفسه وبغضه للالم والشقاء لذاته، هو الذي يدفع الانسان الى كسب معيشته وتوفير حاجاته الغذائية والمادية. وقال: ان الواقع الطبيعي الحقيقي الذي يكمن وراء الحياة الانسانية هو “حب الذات الذي نعبر عنه بحب اللذة وبغض الالم”. واللذة، حسب هوبز، حركة تدفعنا الى اشتهاء الاشياء، والالم حركة تسوقنا الى مخالفته والفرار منه. وبذا يكون الاشتهاء والخوف هما باعثا افعالنا كلها. ومنهما تتفرع الارادة وهي الرغبة القوية بالاشياء حيازة او نفورا. والرغبة تتولد من اللذة. والنفور يتولد من الالم. (العمدة في فلسفة القيم ص ٧). فالارادة هي الاداة التنفيذية لحب الذات.
وقد شرح ماسلو دوافع السلوك البشري المنبثقة من حب الذات في عمله المعروف “نظرية في الدوافع الانسانية” (١٩٤٣) او ما يعرف الان باسم هرم ماسلو. وبين ان هناك ما لا يقل عن خمس مجموعات من الأهداف ، والتي قد نسميها الاحتياجات الأساسية. وهي تتضمن الاحتياجات الفسيولوجية (مثل الحاجة الى النوم، والطعام والشراب، والجنس)، واحتياجات الأمان (مثل السلامة الجسدية من العنف والاعتداء والأمن الوظيفي و الأمن المعنوي والنفسي الخ)، و الاحتياجات الاجتماعية و الحاجة للتقدير واخيرا الحاجة لتحقيق الذات. وبيّن اننا مدفوعون بالرغبة في تحقيق أو الحفاظ على الشروط المختلفة التي تستند إليها هذه الرغبات الأساسية.
يتطلب اقامة مجتمع صالح، من ضمن ما يتضمنه، تهذيب غريزة حب الذات، وليس الغاءها، فهذا الامر الاخير يتعارض مع الفطرة. وكل ما هو معارض للفطرة لا يكتب له النجاح. لا يمكن ان نطلب من الناس التخلي عن حبهم لذواتهم، وانما يمكن ان نقوم بتربيتهم لاشباع هذه الحاجات بشكل يحفظ سلامة المجتمع وصلاحه، وذلك عن طريق منظومة القيم العليا الصالحة، بوصفها مؤشرات لما ينبغي ان يكون، و التي تتضمن التعاون والايثار والقانون والحلال والحرام و تمكين الانسان من اعتناق اهداف تتجاوز اغراضه الشخصية، اي تتجاوز ذاته، بما يؤدي الى ارتقاء الانسان.
وهذا ما يفسر لماذا يضحي الانسان بذاته في سبيل الانسانية او الوطن او الدين. وفي الحالة الاخيرة يربط الدين بين الذات وبين الهدف المنفصل عن الذات من خلال الوعد بالثواب الاخروي. (العمدة ص ١٦٤). وهذا، اي دور الدين، هو ما شرحه السيد الصدر منطلقا من الاية القرانية التي تقول: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”.
علما انه يصعب تجاوز الذات في ظل الانظمة الدكتاتورية، الاستبدادية، الفرعونية. لان تجاوز الذات يتطلب تمتع الفرد بارادة حرة، والنظام الدكتاتوري يصادر حرية الافراد ويستعبدهم: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ”، “فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ”، ويقول لهم: “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ”، و “أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ”.
لذلك يكون اول مايتعين القيام به هو زرع حب الحرية في نفوس الناس، لتكون شرط تهذيب غريزة حب الذات والخطوة الاولى في هذا الطريق الطويل.
يتبع

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار