عندما تغيب الأخلاقيّات عن الإعلام!

بقلم : زينة محمد الجانودي/لبنان..
الإعلام رسالة مهنيّة،تتمتّع بحريّة تامّة تحت قواعد يحدّدها القانون، وهي رسالة تنقل وتعبّر عن الخبر أو الحدث، وكل مايتعلق بإيصال المعلومات إلى الجمهور العام بصورة مجرّدة ودون تحيّز، وذلك ليطّلع النّاس على حقيقة مايجري حولهم.
والإعلام لا يشكّل اليوم فقط عنصر نقل المعلومة، وإنّما هو جزء أساسي من الحياة، ومن أهم وظائف وسائل الإعلام على الإطلاق صناعة الآراء والاتّجاهات لدى الرأي العام المحلي والعالمي، وهي وظيفة تتميّز عن بقيّة الوظائف الأخرى، بدقّة الهدف وتحديد الغايات والأغراض الأساسيّة.
ويمثّل الإعلام اليوم أداة هامّة ومؤثّرة على المجتمع، فهو يؤثّر على الفرد من خلال عدّة أمور رئيسيّة، فقد يكون تأثيره على مدى الإدراك لدى الفرد، أو على اعتقاداته أو على سلوكه، أو على عاطفته، أو على مواقفه ووجهات نظره، فأهمية وسائل الإعلام تكمن بأنّ العقل البشري لا يتوقّف عمله فقط على استقبال المعلومات، إنّما يقوم بتحويل كلّ مايحصل عليه، من معلومات إلى معرفة واستنتاجات لأمور أخرى ومعان ومبادئ جديدة تتعلّق بالحياة من حوله، وأكبر تأثير وسيطرة من الإعلام يكون على فئة الشباب، فهو يحدّد الأولويات ويرسم الأفكار والأهداف، لأنّه البوّابة التي من خلالها يتواصل عبرها الشباب مع العالم الخارجي، ويسمع أخباره ويشاهد إبداعاته، والثورة الهائلة اليوم عبر الإنترنت وسرعة الاتصالات،وعولمة المعلومات بالعالم أجمع جعلت العالم يشهد حضارة جديدة لم يشهدها من قبل، ولكنّها جعلت المعلومة تنتقل من مكان إلى آخر وبحريّة دون رقابة والقائمون على تلك الوسائل يمارسون دور حارس البوّابة حيث يمررون مايريدون، ويمنعون مايريدون.
ولا ينبغي التّجاهل بأنّ هناك مؤسّسات إعلاميّة تسعى دائما لتوصيل الحق، ومساعدة الجماهير بتوجيه رؤيتهم للحقائق والواقع، على أسس موضوعية بعيدة كلّ البعد عن التّلاعب بعواطف الفرد والمجتمع، وبالمقابل لا ينبغي التّجاهل أيضا بأنّ هناك مؤسّسات إعلاميّة انتقائيّة متحيّزة، تسعى للتّضليل الإعلامي المتعمّد،ويكون ذلك نتيجة وجود صراع للمصالح (سياسيّة وفكريّة وإيديولوجيّة،واقتصاديّة وثقافيّة واجتماعيّة)، فيتمّ اختيار الكلمات والحقائق والمصادر، مقابل تجاهل حقائق أخرى مرتبطة بها وإغفالها نهائيا، إضافة إلى التّلاعب بالمعلومات وترتيب الحقائق التي توحي بمعان وانطباعات تخالف الواقع، فتُحْجَب وتضيع الحقيقة، وتكون مهمّة هذا التّضليل الإعلامي إهمال خلفيّة الأحداث، حتى تكون مشوّهة وناقصة، فيتعذّر على المتلقي فهمها وتفسيرها، أو بالمزج والخلط بين طبيعة الأخبار من ناحية، وبين طرح الرأي والتّحليل والتّعليق من ناحية ثانية، حتى لا يتمكّن المتلقّي من التمييز بين الخبر وبين رأي الصّحفي ووجهة نظره الخاصة،
و يكون ذلك بإقحام معلومات لا علاقة لها بالحدث على حساب الحقائق المهمّة والمؤثّرة في جوهر الموضوع، باعتماد العناوين ومقدّمات الأخبار، التي تعتمد أسلوب التّهويل والتّضخيم والمبالغة في الحدث، والغموض النّاجم عن نقص المعطيات ليتعارض في الغالب مع محتوى المادّة الصحفيّة ومضمون الخبر.
ولهذا تطلق مقولة:( الإعلام سلاح ذو حدّين) ، لانّه في نفس الوقت الذي تفرض فيه أخلاقيات المهنة على وسائل الإعلام بأنواعها ضرورة الالتزام بالمصداقيّة والموضوعيّة والشفافيّة إلى جانب صفات الأمانة والعدالة والشموليّة والدّقة والتّوازن، ونرى فيها، كوكبة من رجال الإعلام الموقرين، الذين يحترمون المهنة ويؤدّون نشاطهم الإعلامي بصورة صحيحة ومحترفة،ويعتبر الإعلام هنا الأداة المناسبة والسّليمة لتصحيح الأخطاء وإبراز الحقيقة المطلوب معرفتها للمتلقّي، ويكون دوره معمّرا وإيجابيّا، فإنّه في الوقت ذاته عندما تغيب هذه الأخلاقيّات نهائيا،وتأخذ مكانها أنواع شتّى من التّضليل الإعلامي المتعمّد، ونقل الخبر بشكل مشوّه لايعبّر عن الواقع ولا مايحصل فعليا، فهنا يكون دور الإعلام مدمّرا وسلبيّا، ومن أخطر صور تأثير هذا الإعلام الفاسد المدمّر والسّلبي مانراه اليوم من طمس لهويّة مجتمعاتنا، وخصوصا لدى فئة الشباب والفتيات حيث يُقدّم المجتمع بطريقة منافية ومتناقضة مع المفاهيم الصّحيحة، وتغلّف الحالات المنحرفة والغير سويّة الموجودة في المجتمع، بغلاف الحريّة وبأنه أمر طبيعي، وعلينا تقبّله في مجتمعاتنا، وحمايته والدّفاع عنه، فَتُخْلَق النّقاشات والحوارات المختلفة حوله بمجالات متعدّدة، ضمن حيّز إعلامي معيّن، وتمثل البرامج التلفزيونيّة الحواريّة، مثالا واضحا على ذلك.
وينتج عن ذلك تدهور في حياتنا الشخصيّة، وتغيير بمنظورنا الاجتماعي للواقع الحقيقي، وتهييج للمشاعر نحو قضايا معيبة وغير أخلاقيّة، وإثارة العواطف بتزيين هذه المعلومات بالشّعارات البرّاقة والرّنانة، لجعل المتلقي وهو الضحيّة، يعتقد بأنّه من جفاء المشاعر واللا إنسانيّة، عدم قبول هذه القضايا أو الحالات في المجتمع،ويتمّ هذا في الغالب بعرض صور ناقصة عن هذا الفعل والتصرّف وتزيين الجانب المسيء منه، وتكون صورة غير مكتملة، ينتج عنها تأويل مشوّه للواقع وانحراف عن الحكم الصّائب، مع التّغافل وعدم الوضع في الاعتبار العواقب النّاتجة عنها، والتّأثير الحقيقي الذي يقع بسببها،و كلّ ذلك بهدف تغيير وتفكيك بوصلة ثوابت وتماسك مجتمعاتنا.
ومن الجدير ذكره أنّ المشاعر والعواطف، لا تمثّل الحقائق وإنّما التّصور الحقيقي يكتمل، عندما يكون لدينا قاعدة أخلاقيّة ثابتة، ومبادئ لا تتغيّر ولا تتجزّأ بتغيّر الزّمان والمكان، عندها فقط يكون في مقدرتنا أن نرى الواقع بنظرة مكتملة، لما وراء الألوان المبهجة فلا نغترّ بها، وإن كانت في أزهى وأبهج صورها، وما إن تحقّقت لدينا هذه النّظرة المتكاملة، نبدأ بوضع التّحليلات،ثمّ يكون الحكم الأخير على أساس موضوعي ومنطقي، ولذلك يجب التّحدث بشكل دائم مع أبنائنا، عن التّوجهات الفكريّة والإعلاميّة الحقيقيّة، كما يجب صقل الصّورة المشرقة لواقعنا العربي، وإظهار الاعتزاز بمبادئنا وقيمنا، وإبراز القدوات الصّالحة عبر تاريخ أمّتنا،وتوفير الانفتاح على العالم الخارجي لأنّه بغاية الأهميّة، ولكن بشرط الحفاظ على مجتمعنا وهويّتنا، وشخصيّتنا ومنعهم من الانحلال والذّوبان.

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار