الشعب مادة الدولة

محمد عبد الجبار الشبوط:-
تتفق كتب العلوم السياسية والقانون الدستوري على ان الدولة تتألف بشكل اساسي من ثلاثة مكونات هي: الشعب والارض والحكومة. ومن بين هذه المكونات ليس الشعب هو المكون الاول فقط، بل هو ايضا المكون الرئيس للدولة، او هو “مادة الدولة” كما يقول عنوان هذا العمود. ولما كان الشعب مكوّنا من افراد، فانني سوف اقول ان الافراد هم الوحدات الاولية التي يتكون منها جسم الدولة، كما ان الخلايا هي الوحدات الاولية التي يتكون منها جسم الانسان، والتشبيه للمقارنة وليس للمطابقة، فالامثال تضرب ولا تقاس.
يقع الشعب في منطقة ما بين الحكومة والارض، فاذا كان الشعب هو “مادة الدولة”، كما قلت، فان الحكومة هي رأس الدولة وجهازها التنفيذي، والارض هي القاعدة المادية، او المكان او الوطن الذي يعيش فوقه الشعب. ولبناء الدولة لا يمكن الاستغناء عن اي من هذه العناصر الثلاثة، فلا يمكن تصور دولة بلا حكومة، او بلا ارض، او بلا شعب، يجب ان تتوافر هذه العناصر كلها في نسيج زماني-مكاني واحد لكي تقوم الدولة. وتنعكس طبيعة الشعب او هويته على الدولة. ولهذا تفصيل اتركه الى فرصة اخرى.
ويتساءل بعض الناس عن ايهما اسبق الدولة ام الشعب؟ والجواب الذي تقدمه الخبرة التاريخية منذ قيام دول المدن في وادي الرافدين قبل اكثر من ٥ الاف سنة هو ان الشعب يسبق الدولة في الوجود. وتجربة اقامة دولة الولايات المتحدة ليست استثناء من هذه القاعدة.
كما يتساءل اخرون عن طبيعة العلاقة بين الحكومة والشعب، وهل ان الحكومة هي التي تصنع الشعب ام ان الشعب هو الذي يصنع الحكومة. والجواب يتمثل في علاقة التأثير المتبادل بين الطرفين. كل طرف يؤثر على الثاني بدرجة ما، والمعادلة ليست متوازنة دائما، وان كانت هذه هي الحالة المثالية كما في الدول الديمقراطية السليمة. لكن قد تميل المعادلة لصالح احد الطرفين، بهذا الشكل او ذاك.
الغرض من هذا الحديث هو القاء الضوء على كيفية وضع خطة او ستراتيجية للتغيير وبناء الدولة. وبناء على هذا الحديث فان هذه الخطة تتألف من المراحل التالية:
المرحلة الاولى: تظهر في رحم المجتمع جماعة من الناس تؤمن بالتغيير وتملك تصورا واضحا لبناء الدولة. قد يبدأ الامر بفرد واحد او افراد معدودين، ثم تتوسع الدائرة حتى تتكون امة التغيير، او الاقلية المبدعة، التي تواصل عملها في الدعوة والتغيير على الصعيد الاجتماعي حتى تحوز على قاعدة شعبية تمكنها من الانتقال الى المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية: تسعى هذه الجماعة الى تشكيل حكومة تتبنى اطروحة التغيير، او المشاركة جزئيا في الحكومة لتحقيق جزء من المشروع التغييري. وفي كلا الحالتين يفضل ان يتم ذلك بالطريق الديمقراطي السليم، لان الوسائل يجب ان تكون من جنس الهدف حتى يمكن تحقيق الهدف، وبخلافه فلا يوجد ضمان من عدم الانحراف والفساد.
المرحلة الثالثة: بعد ان تحقق المرحلة الثانية هدفها المرحلي، تبدأ جماعة التغيير باستخدام امكانيات الدولة وقدراتها المادية في عملية التغيير واعادة بناء الدولة وخاصة في مجالات التشريع والتعليم والاقتصاد والادارة.
وللتأكد من صحة هذا التصور يمكن ان نراجع خط سير الحركات التغييرية في التاريخ على الاقل منذ بعثة الرسول محمد، مرورا بالدعوة العباسية، وانتقالا الى الثورات المعاصرة في بريطانيا وفرنسا واميركا وروسيا وايران واليابان وغيرها. وسنجد ان كل هذه التطورات التغييرية بدأ من اقلية مبدعة وانتهت ببناء الدولة باطروحة جديدة.
لا يمكن ان يكون العراق استثناءً من هذا السياق التغييري التاريخي. ولا يصح التعويل على فرضيات غير مجدية وليس لها سوابق تاريخية، لان هذا سوف يؤدي الى ضياع كثير من الجهد والوقت.

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار