مركزية “الدولة” في المشروع الحضاري

محمد عبد الجبار الشبوط..
المشروع الذي اقوم بالترويج له يحمل اسم “الدولة الحضارية الحديثة”. وواضح من البناء اللغوي لهذا العنوان انه يتكون من مفردة او اسم هو “الدولة”، ومن صفتين لهذا الاسم هما “الحضارية” و “الحديثة”. فالعنوان عبارة عن موصوف وصفتين.
وواضح من هذا التقديم البسيط ان مفردة “الدولة” هي المفردة الاساسية والمفتاحية في هذا العنوان. فالمشروع الذي يجري الحديث عنه هو “مشروع دولة”، وهذا يستبعد الاحتمالات الاخرى مثل “مشروع السلطة” او “مشروع الزعامة”.. الخ.
ويكمن السبب الذي يجعلني اعتبر “الدولة” هي الكلمة المفتاحية في غياب الدولة عن الاجتماع السياسي العراقي. فمنذ عام ١٩٦٨، على اقل التقادير، انحسر وجود الدولة لصالح عناوين اخرى. ففي الفترة من عام ١٩٦٨ الى عام ١٩٧٩ انحسر وجود الدولة لصالح سلطة الحزب، ومنذ عام ١٩٧٩ الى عام ٢٠٠٣ انحسر وجود الدولة لصالح سلطة الدكتاتور الذي جرى تأليهه. ومنذ عام ٢٠٠٣ انحسر وجود الدولة لصالح سلطة المحاصصة الحزبية.
وفي كل الحالات يتجلى انحسار وجود الدولة بغياب المواطنة والمؤسسات والقانون. وبسبب استمرار هذه الحالة لفترة طويلة من الزمن (٥٢ سنة) فقد اعتاد الفرد العراقي على غياب الدولة، اي اعتاد على غياب المواطنة والمؤسسات والقانون، وبسبب نفس الفترة الطويلة اعتاد الفرد العراقي على الدكتاتورية ايضا.
لذلك جاءت دعوتنا الى انشاء “دولة ….”، لاعطاء المجتمع العراقي ما يفتقده. صحيح ان الشباب العراقيين الذين يدرسون العلوم السياسية في الجامعة يعرفون ان الدولة مؤلفة من عدة عناصر، منها الشعب والوطن، وصحيح ان هذه العناصر موجودة حكما، فالشعب موجود والوطن موجود، الا ان هذه العناصر لم تجتمع لتكوين دولة، وهذا هو الخلل الاكبر في المركب الحضاري، انما اخضعت من قبل فئات حاكمة (حزب البعث، صدام حسين، الاحزاب السياسية) لصالح سلطات سياسية الغت الدولة لصالحها. والغريب في الوضع الراهن ان الدولة الغائبة يتحكم بها عدد محدود وقليل من الافراد بعضهم لا يملكون موقعا رسميا في الدولة، او انهم غير منتخبين اصلا من قبل المحكومين. ومع انفجار الاحتجاجات الشعبية اتضح ايضا ان هؤلاء الافراد لم يعودوا يتمتعون برضا الشعب، لحين اجراء انتخابات حرة وعادلة ونزيهة ومصونة من التزوير لنعرف مدى رضا “العامة” من المحكومين على “الخاصة” من الحاكمين، اذا شئنا استخدام مفردات الامام علي. ومن هنا قد يمكن تأويل الهتاف الذي رفعه بعض المتظاهرين القائل: “نريد وطن”بانه يعني “نريد دولة”، والا فهو هتاف لا معنى له. فمن الصحيح جدا ان ينادي العراقيون: نريد دولة، لا بلدهم اضحى بلا دولة بعد ١٠٠ سنة من تأسيسها. يا للمفارقة!
وحتى يكون للشعار معنى ومحتوى ومضمون، فان المطالبة بالدولة يجب ان تعني المطالبة بالمواطنة والديمقراطية والقانون والمؤسسات والعلم الحديث. وبدون المطالبة بهذه المفردات الخمس يغدو الشعار فارغا من اي مضمون ودلالة. بل ان اية ممارسة تبتعد عن هذه المفردات الخمسة تتناقض بالكامل مع شعار نريد دولة، لانه لا وجود للدولة خارج هذه المفردات الخمس.
وبعد اقرار مركزية كلمة “الدولة” نأتي الى بيان صفتي هذه الدولة، وهما الحضارية والحديثة.
فاما صفة “الحضارية” فانها تطلق بالارتباط بمنظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري المؤلف من الانسان والطبيعة والزمن والعلم والعمل. وهذه الصفة ليست منتزعة من اية حضارة معروفة عددها توينبي في كتابه العظيم “دراسة التاريخ”. وهذا القيم تمثل الاهداف العليا ومؤشرات السلوك للفرد والمجتمع والدولة في مشروع الدولة الحضارية الحديثة.
واما صفة “الحديثة” فتستخدم لتمييز الدولة المطلوبة عن نموذج الدولة القديم حيث يغيب مبدأ المواطنة، وحقوق الانسان، والفصل بين السلطات، والتمييز بين شخص الحاكم والدولة، الخ، وحيث يكون العلم الحديث الاساس الاكبر في بناء الدولة ومؤسساتها واجهزتها.

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار