الحشد بين موقف الحر  وخطبة العقيلة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د.أمل الأسدي
ــــــــــــــــ
29/ 5/ 2021
[يخلِّد اللهُ المواقف ويكتب لها  الثبات في الذاكرة،ويجعلها منارا وفيصلا للأجيال،فهناك في عمق التأريخ تتربع المشاهدُ الإلهية،إمامٌ وحبيبٌ للرسول وأهله وأصحابه يواجهون عتاةً فجرة!!
في بعض المناطق التأريخية ينعدم الحياد،فلابد من موقف جليّ،هذا الحسين بن علي(عليهما السلام) وهذا يزيد اللعين وريث الشجرة الملعونة، الحق واضحٌ،وفمه مفتوحٌ،وصوته عال: أقبلوا إليّ فأنا درعكم وحصنكم!!]
حين كتبت الفقرة السابقة فوجئت بأديب مصري يقول لي: عجيب أمركم يا أهل العراق، أين خُذل الحسين؟ وأين اُستشهِد أصحابه؟ أين اُستشهد الحسين؟وأين حُرقت خيامه؟ ألم تكن الكوفة الميدان الذي أطلقت فيه السيدة زينب خطبتها اللاذعة؟ ألم تصف أهل العراق بأهل الغدر والختل؟
فلماذا تخذلون وتقتلون ثم تندبون وتبكون؟
ــــــــــــــــــ
رددته كما يجب ولم أُبق ثغرةً؛لكني سرحت بصمتي،أتجول في أروقة الحاضر المُرِّ!!
هل ستلصق بنا عبارة : أهل الغدر؟
كيف يستطيع المرء ولاسيما المثقف أن يكون علی نهج الحر الرياحي؟ لا يحتاج ذلك عناءً بقدر احتياجه لموقفٍ!! لشجاعةٍ،لوفاءٍ،لرجولةٍ!!
كيف ينجو المرء من  الانضمام إلی (أهل الغدر)؟
كيف نجعل  أهل العراق( أهل الوفاء)؟
كيف نثبت للعالم أننا لسنا القوم الذين خذلوا وغدروا!!
سؤال آخر:ماذا لو توالت المواقف بعد موقف الحر الرياحي؟ هل ستتغير المعادلة؟
كيف نصنع رأيا عاما حقيقيا؟
كيف نشخِّص الحق؟
هل يفكر المثقفون والأكاديميون  والأحرار  بقضايا الموقف والحياد؟
بالنسبة لي أنا أكاديمية من بغداد،وأعيش في بغداد، أمتلكُ ذاكرةً مشبعة بالآهات والظلم والحسرة، وأمتلك قلبا أوجعه الفقد!!
لايمكن لي أن أتجول في كل غرف الذاكرة، سأدخل غرفة( الأربعينية) وأقف عند هذا المشهد:انفجار سيارة مفخخة  علی زائري الإمام الحسين في  الأربعينية،رائحة غريبة وكريهةمليئة بالأحقاد،أصابع مبعثرة،ودماء وزجاج منثور وصراخ!!
في عتبة الباب وجدت(فلاش)فكرت أن أری ما فيه،فوجدت فيه صور عيد ميلاد لطفل وعائلته!!
ولا أدري  أنا قلّبت الصور أم هي التي قلّبتني؟!
سأدخل غرفة الساعة الثامنة:
🔴 الثامنة صباحا: توقيت أخافه،فهو وقت الذروة،ازدحام وسيارات مليئة بالموظفين والموظفات والأطفال،وشوارع تتنفس رحمة الله الصباحية،صورة من صورة الحياة؛لذا اختارها المجرمون وسعوا لإطفائها، في كل أسبوع  تقريبا انفجار سيارة مفخخة في ساحة عدن!!
رائحة الموت الإجباري تحتل منازلنا!!
صرت أخاف من الساعة الثامنة،وأخاف من  القادم الذي يريد ابتلاع أنفاس أحبتي،أهلي،ناسي،جيراني،الشوارع،العصافير،صوت الباعة…الخ
🔴غرف مُظلمة كثيرة،وأشدها ظلمة غرف الدواعش،فالاحساس بأنك علی وشك النهاية،إحساس مخيف،مرعب،مروع!!
نحن مقبلون علی زوال اسم العراق!!
ستختفي حضارتنا،وتختفي مراقد الأنبياء والأولياء،ونعود إلی زمن الرق والعبودية!!
وسنری رؤوس أبنائنا أمامنا!!
وبالفعل تحقق ذلك وخيّمت الغرابيب السود علی العراق،وكنا علی شفا حفرة الزوال!!
🔴 فجأةً وُلد النور،وفتح الله لنا بابا ومخرجا،إنه الحشد الشعبي، إنهم أبناء علي،تربوا علی التسامح،ثلة مباركة، غيروا وجه التأريخ المعاصر!!
أبناء الفتوی المباركة!
أسطورة الأرض السمراء
من ظلمات داعش أخرجوا الناسَ الی أنوار الأمان!!
يدافعون عن تربة العراق وعن أهله،وبيوتهم تربو فيها أصوات اليتامی،ولوعات الثكالی!!
بماذا عُجنت طينتكم؟
من علَّم هذه المرأة أن تهب أولادها وتقف شامخةً وهي تقول:(فدوة للحسين)؟
من جعل هذا الرجل العجوز  بهذه الشجاعة والبسالة؟
من جعل هذا الشاب زاهدا  في الدنيا؟
من وراء هذه المشاريع الإلهية؟
🔴تعالوا معي لندخل غرفةأخری: في هذه الغرفة  الكل يدعي الوصل بالحشد،يظهر الفنان فيقول : أنا دعمت الحشد وذهبت  مع قافلة دعم لوجستي!
يظهر الأستاذ الجامعي: فيدعو للحشد ويقول: ذهبت مع طلبتي  لإرسال بعض المواد الغذائية للمقاتلين!!
كل الناس تتغنی بالحشد،وحتی من ليست له مشاركة فعلية،يدعي  المشاركة والدعم!!
فالانتماء الی هذه الصفحة الناصعة شرف عظيم!!
🔴 الآن
ماذا سنختار؟ وماذا سيختار المثقفون والأكاديميون والأحرار ،الذين كانوا يركنون سيارتهم ويدخلون الجامعات آمنين،ويأخذون رواتبهم الشهرية عامرة،ويسافرون في العطلة الصيفية الی الخارج،كل ذلك كان بسواعد الأبطال،بجراحاتهم،بعرقهم،بدموع أمهاتهم،بصراخ أطفالهم!!
ماذا ستختارون؟
ـ موقف الحر الرياحي؟
ـ موقف الحياد الذي  سيعود عليكم برؤوسكم  ورؤوس أحبتكم وأبنائكم؟
ـ موقف  أهل الختل والغدر؟
اختاروا طريقكم، هي كلمةٌ تنجي،هي كلمة تنصر،هي كلمة تُخرج أهل العراق من خانة الغدر والختل!!
اليوم: الصمت خيانة،والحياد سيف مشرع بوجه الحق!!
اليوم: الكلمة نجاة
الكلمة: شرف
قولوا للعالم: حشدنا وجودنا
حشدنا قوتنا
حشدنا فخرنا
حشدنا أماننا
حشدنا مقدسٌ،مسدَّدٌ،ومسدِّدٌ
وهبكم الله هذه الهدية،فلا تسمحوا لأحد أن يسرقها!!
علموا أولادكم أن الحشد رجال الله
فحين فرّ فتيةٌ من البطش واعتزلوا الناس في كهف،كي يحافظوا علی دينهم،وصفهم الله تعالی:((…إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)) سورة الكهف،الآية:١٣
فبماذا يُوصَف الفتية الذين ألقوا بأرواحهم في لهوات الحروب رافعين شعار إما النصر وإما الشهادة؟!!
هل تعجزون عن نصرتهم الآن؟
هل نقدم أغلی ماعندنا لعدونا؟
إن لم يكن لكم موقف فستكون لكم غدا نهاية، تشبه نهاية من خذل المختار الثقفي وفرّط في قوة واقعية  أعادت هيبته!!
وستكون لكم وقفة أخری بين يدي الله تعالی!!
في مشهد ملائكي،حيث الشهداء يشكون الی الله الخذلان والجفاء والنكران!!
المسؤولية تقع علينا جميعا،والنار ستحرقنا جميعا لاسمح الله.

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار