الوعي السياسي العميق (٢)

محمد عبد الجبار الشبوط..

تحدث الامام علي عليه السلام عن الصفة الاولى في الوعي السياسي العميق بقوله:”أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم. بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره.”
ويحدد هذا النص المساحة الزمنية للوعي العميق وهي تاريخ البشرية كله. وتختلف اشكال الوعي من حيث المساحة الزمنية التي يستوعبها. وكلما كانت المساحة اكبر كان الوعي اعمق. وقد قدم المفكرون والفلاسفة مقترحات عدة في هذا المجال ربما كانت المحاولة الماركسية اشهرها، حيث قدم كل من ماركس وانجلز تصورا يشمل تاريخ البشرية منذ المجتمع البدائي الاول وانتهاء بالمجتمع الشيوعي الاخير. و هناك مقترح فوكوياما حول نهاية التاريخ. ولم تصمد كلتا المحاولتين امام البحث العلمي. وقدم القران الكريم العناصر الاساسية في وعي يبدأ من “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً”، وينتهي ب”وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ”، في دعوة الى الاعتبار بتاريخ الانسانية كله:”قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ”، بما يكفل استيعاب زمنيا تاريخ الانسانية كله على مدى عدة ملايين من السنين تبدا من “هبوط” الانسان على الارض، ظهور الانواع البدائية للانسان وصولا الى العصر الراهن. والميزة الثانية للوعي العميق انه يتسع افقيا ليشمل كل الجماعات البشرية، حيث لا تقتصر رؤيته على جماعة دون جماعة، ولا بلد دون اخر منطلقا من ان كل الجماعات البشرية تمثل تنويعات وتجليات مختلفة لحقيقة واحدة او نفس واحدة، تشترك في طبيعتها العامة رغم الاختلافات والتباينات في خصوصياتها المحلية. وهذا ايضا مما نبه اليه القران الكريم في مثل قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً”، وقوله:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”، وقوله: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ”. وربما كان هذا احد اسباب السياحة التاريخية الواسعة التي يقدمها القران الكريم لقصص الشعوب والمجتمعات السابقة ضمن ما يسمى بقصص الانبياء.
والوعي العميق ينطوي على بعد قيمي يتم من خلاله الحكم على الظواهر والاحداث التاريخية والاجتماعية والسياسية، ثم الدعوة الى توظيف هذا البعد القيمي في الارتقاء بالبشرية والصعود بها في سلم الكمال والتطور والتقدم. والقران الكريم يعج بالايات التي تتحدث عن المحتوى القيمي للوعي العميق في مثل قوله تعالى: “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا” وغيرها من الايات التي يضيق هذا المقال باستيعابها وتسمي المفردات الاساسية لمنظومة القيم الحضارية العليا التي ينبثق منها الوعي العميق مثل قيم التوحيد والحق والاستخلاف والعقل والحرية والعدالة وغيرها.
واخيرا يمتاز الوعي العميق بنظرته النظرة المستقبلية المتفائلة للمستقبل، والفكرة الاساسية في هذا الوعي السياسي العميق هي ان البشرية في حالة سير تطوري وتكاملي مستمر منذ البدء حتى الان، وان مستقبل البشرية افضل من ماضيها، كما في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ”، وقوله: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ”. ومن الطبيعي ان تستند هذه الرؤية الى العنصر الخامس في الوعي العميق وهو وعي السنن التاريخية والقوانين الاجتماعية. وهذا ما تكفل القران الكريم ببيانه فاتحا الباب امام العقل البشري لخوض غمار هذه الساحة المعرفية الهامة.

يتبع

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار