هي والتكنولوجيا وأخلاق الإمام

د.أمل الأسدي..
التكنولوجيا فعلت فعلتها في حياتنا،فلم تبق مجالا من المجالات إلا واقتحمته وغيرت في ماهيته وظروفه وعلاقته بنا وبالآخرين،فبعد عقودثلاثة من الانعزال والتقوقع فُتحت لنا أبواب العالم،وأبواب التواصل، فكل شيء بات سريعا خاطفا،حتی التعبير عن مكنوناتنا ومشاعرنا صار سريعا حاضرا،محاصِرا للصبر والتروي والانتظار ولاسيما عند المرأة، ذلك الكائن الذي يفكر في أمور عديدة في آن واحد،ذلك الكائن الحيوي الذي لايعرف الركود فقد خُلق من الحياة ولبث الحياة،ذلك الكائن الرقيق  المتفوق  العاطفة،قد أثرت التكنولوجيا كثيرا في حياة المرأة ،فهي أكثر استجابة للتفاعل لأنها وكما قلنا متفوقة العاطفة،وكثيرة التفكير،وهنا لا أود أن أنشغل بالتنظير بقدر ما أريد اطلاع المتلقي علی أنموذج حياتي،وقصة واقعية،فهذه صديقتي(رحمة) عشت معها قصة وأحداثا غريبة تبين قصدي، فحين تزوجت رحمة وصار لها بيتا وحياة مستقلةصار شغلها الشاغل في الحياة أن تكون أُمَّا،فأخذت تتنقل من طبيبة الی طبيبة،ومن مستشفی الی أخری،والموبايل في يديها تبحث في صفحات الأطباء،وتبحث عن قصص النساء اللاتي ينتظرن  مثلها،وتنتظر البث المباشر للعتبات المقدسة كي تطلب الدعاء لها من الحاضرين،هكذا حولت حياتها الی قلق سلبها سكينتها واستقرارها،فقرر زوجها أن يضع حدا للوعتها وقلقلها فصحبها الی المستشفی وقررا إجراء عملية(أطفال الأنابيب) وأول ما أوصت به الطبيبة وفريقها هو الكتمان وعدم إخبار الآخرين حتی لا يشكل ذلك ضغطا نفسيا عليها فيؤثر علی نجاح العملية،وبالفعل أجرت العملية وقد تكللت بالنجاح،وهي الآن تحمل بين أحشائها طفلا وتحلم بأن تحمله بين يديها!!
الآن قد تحولت وصية الطبيبة لها بالكتمان الی عقدة،تخاف التحدث إلی أحد،ولاتريد إخبار أي مخلوق الی حين تمر الشهور الثلاثة،تخشی  علی طفلها بشكل مفرط وهي معذورة فلم يكن الأمر سهلا!!
في كل يوم سبت تذهب الی المستشفی للاطمئنان،وهي مستمرة ببرنامج علاجي صعب،وكل يوم يمر عليها  تشكر الله علی أن الأمور مازالت بخير، هذا اليوم قد رأتها صديقة أخت زوجها في المستشفی،وقد علمت بأمر حملها،وبسرعة البرق علم الجميع،وأخذ الكل يعاتبها ويقرعها،لماذا لم تخبرينا ونحن أهل زوجك؟ ولماذا ولماذا،ولا أحد يشعربها وبمدی خوفها علی حملها،ولا أحد يقدر ذلك!!
ضغطوا عليها كثيرا،فكل من يفكر فكرة ما، لايدخرها مطلقا،فيرسلها برسالة،أو يتصل وعلی هذا ازدادت المشكلات،وازداد الضغط وهي مازالت توضح وتبرر،ولم يكن أمامها إلا أن تتصل بتلك السيدة وتعاتبها وتوبخها علی فعلتها!!
ـ لماذا بادرتِ بنقل الخبر وقد أخبرتكِ بأن لا أحد يعلم الی الآن؟ لماذا تتدخلين بأمور لاتعنيك؟ ماذا تريدين؟
ـ الله أكبر،نساء هذا الزمن يعاملن أهل الزوج علی أنهم أعداء!!
– احترمي نفسك،فأنا لم أخبر أحدا،حتی أهلي، كنت أنتظر أن يثبت الحمل فأخبر الجميع!!
وهكذا كبرت الحكاية،وتلك تتصل،وأخری ترد،والكلام كثير،تلفيق وادعاءات ولغو….الخ ينتقل بسرعة عجيبة بسبب الانترنت والجوال  الذي سيطر علی تفاصيلنا اليومية!!
وبعد كل هذا العناء نُقلت(رحمة) الی المستشفی وقد خسرت حملها الذي انتظرته منذ ثلاث سنوات!!
هنا بدأت مرحلة جديدة،قد اعتزلت العالم،ولاتحدث أحدا،تبكي وتبكي وتدعو علی من تسبب بإيذائها،تدعو علی تلك السيدة النار التي أحرقت كل شيء، باتت (رحمة) تكره العالم وتحقد علی أهل زوجها،بل وتلوم زوجها كثيرا وتحمله المسؤوليةإذ ری أنه لم يحمها !!
مازالت تدعو وتدعو علی هذه السيدة.نسيت تماما حياتها،ونسيت رحمة الله وقدرته علی رزقها مرة أخری،في جوف الليل تصلي وتبكي وتدعو علی هذه السيدة: رب انتقم منها
ربي، سلط عليها من يحرق قلبها
ربي، أذقها لوعة الحرمان
ربي، أريد حقي منها
وفي ليلة القدر الأولی توسلت بحق شهيد المحراب،أبي اليتامی،علي بن أبي طالب،أن يأخذ الله حقها من هذه السيدة،فلا يمر عليها  العيد إلا وهي مفجوعة!!
دعت وتوسلت وغفت،فرأت أنها علی شاطئ البحر،تحاول أن تخلِّص قدميها من الرمال ولاتستطيع،وضغطا كبيرا علی قدميها،وثمة متحكم يجرُّ روحها  الی المسير،وهي تحاول وتتعذب فلاتستطيع التحرك،ولاتستطيع البقاء،فهناك من يحركها من الداخل،كالذي يتحكم بها بجهاز التحكم
  (remote control)
فجأة ظهر سلمٌ أمامها، وبصعوبة وبألم بدأت تصعد السلم،تريد التحدث ولاتملك صوتا،تريد السؤال عن المتحكم ولاتستطيع!! فهو يسحب روحها سحبا ثم يعيدها،تتعذب وتتعذب ولا تتمكن من الصراخ أو الشكوی،فكل شيء صامت ساكن سوی صوت البحر المرعب!! والسماء المظلمة المخيفة!
انتهی السلم فوجدت بحرا آخر،عاصف الأمواج،أكثر رعبا من سابقه،ومازالت روحها تتعذب ولاتفهم ماهية هذا العذاب!! ولاتدرك من المتحكم،فجأة اخترقها معنی من غير صوت!! ففهمت أنه الإمام علي(عليه السلام)
قال لها: إن ما عانيت منه هو جرّاء إفراطكِ في الدعاء علی من آذاكِ!!
قلبك امتلأ حقدا  وكراهية،فلم تلتفتي إلی رحمة الله الواسعة وأبوابه المُفتحة في ليالي القدر!!
فبدل أن تطلبي أن يعوضك ويقر عينك انشغلت بالدعاء علی  من آذاك بالفقد والفجيعة!!
كوني رحيمة يا رحمة،وتعلمي الدرس،ولاتنسي أن الله حاضر وعالم ولطيف خبير!!
قولي: حسبي الله ونعم الوكيل وكفی.
الآن ماذا تريدين؟سلي والإجابة متاحة!
قالت وقد انطلق صوتها: سامحني،سامحني أولا
فأنا أحبكم أهل البيت،أحبكم والله…
ثم اُنظر الی حالي،أنا وحيدة،أُريد ذريةً،أُريد مولودا اُسميه علی اسمك!
فقال لها: محمد وعلي قادمان
فاستخرجت جوالها لتتصل بزوجها وتخبره بالبشارة،ولكن الجوال لايعمل، لاشبكة،ولا أزرار تستجيب،تحاول ويدها ترتجف،سقط جوالها وغُرس في الرمل واختفی،وهي  رفعت رأسها الی السماء وصرخت،شكرا ياربي
شكرا ياعلي… الآن فهمت معنی  أنك أبونا!! .
هنا،لاأجد كلمة تقال بعد هذا  سوی أن نتعلم المحبة من علي بن أبي طالب،فالمحبة هي المفتاح السحري الذي يحقق المعجزات!!
اللهم اجعل قلوبنا علوية النبض،محمدية الوجود،فهما سر الحياة وجوهرها.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى