أهداف “تقليص أعداد القوات الأمريكية في المنطقة”

((وان_بغداد))

تعود فكرة استقرار الوحدات العسكرية الأمريكية في المحيط الهادئ إلى حوالي 10 سنوات أي عندما غادرت آخر الوحدات الميدانية الأمريكية العراق، واقتصر وجود القوات الأمريكية على الوجود الاستشاري فقط.

على الرغم من أن عودة ظهور داعش أتاحت فرصة للأمريكيين لإعادة تأسيس موطئ قدم لهم في هذه المنطقة الجغرافية المهمة من خلال غزو غرب آسيا، يبدو أنه في العصر الجديد، لا يزال الرئيس الأمريكي جو بايدن يناقش اخلاء القوات الأمريكية من غرب آسيا لتعزيز الوجود العسكري في القرب من الصين.

وبالطبع منذ إنشاء سلاح مشاة البحرية الأمريكي بالقرب من داروين عام 2011 كان هناك حديث عن زيادة القدرة العسكرية للقوات الأمريكية بالقرب من الصين، لأن الوضع قد يزداد سوءا خاصة في حالة تايوان.

ومع ذلك، يبدو أن الأمريكيين لم يعودوا يرون أنه من المناسب تأخير المزيد من المواجهة مع الصين، والآن يجب أن تحدث أولى عمليات الانسحاب من منطقة غرب آسيا.

التجييش نحو الصين

من المتوقع أن يتركز جزء كبير من القدرة القتالية العسكرية الأمريكية بالقرب من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مما يعني تواجدا أقل في بقية العالم.

وعليه، ووفقا لتقارير وسائل الإعلام الأمريكية، يعمل فريق مكون من 15 عضوا من كبار المسؤولين والجنرالات الأمريكيين على خطة شاملة للانسحاب من مختلف أنحاء العالم والتركيز على الصين. هذه الخطة هي في الواقع هي نوع من إعادة ترتيب القوات الامريكية في أجزاء مختلفة من العالم.

قد يكون هذا التغيير غير مسبوق منذ رئاسة نيكسون. عندما هُزمت القوات الأمريكية في فيتنام وتصاعدت الاحتجاجات المناهضة للحرب، حيث اضطروا إلى تغيير استراتيجيتهم والتركيز على حلفائهم في جميع أنحاء العالم لمواجهة النفوذ السوفيتي. والان تتطلع امريكا إلى التركيز على مواجهة الصين وتسعى بالفعل لتغيير استراتيجيتها.

هل ستكون الصين قوة عظمى؟

اقتصر الإنفاق الدفاعي للصين على حوالي 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على مدى العقود الثلاثة الماضية، ووفقا للمعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم. فإذا تم الحفاظ على هذا المستوى، بافتراض أن الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 30 تريليون دولار في عام 2040، يمكن أن تزيد ميزانية الدفاع الصينية إلى 600 مليار دولار. وإذا زادت الميزانية العسكرية بنسبة 4٪، سيتضاعف هذا الرقم.

هذا وتبلغ الميزانية العسكرية الأمريكية الآن أكثر من 700 مليار دولار. ومع فرض استمرار المسار الحالي، فإن الميزانية العسكرية الأمريكية لعام 2040 ستكون أكثر بقليل من 1.1 تريليون دولار. بهذه الطريقة، سيواجه الأمريكيون طريقا صعبا للحفاظ على تفوقهم.

ووفقا لتقدير حذر، تركز امريكا الآن حوالي 30 في المئة من مواردها في المحيط الهادئ والباقي في بقية العالم، بما في ذلك غرب آسيا. وفي غضون ذلك، ركزت الصين ما يقرب من 70 في المئة من قدراتها الدفاعية في المحيط الهادئ. حيث تظهر الدراسات التي أجراها مجلس الأمن القومي الأمريكي أنه في حين أن القدرة الدفاعية للولايات المتحدة قد تظل أعلى من قدرة الصين بحلول عام 2030، فإن الفجوة ستضيق بشكل حاد من ذلك التاريخ.

وللحفاظ على مواجهتهم مع الصين، يجب على الأمريكيين تقليل التزاماتهم العسكرية في أجزاء أخرى من العالم، مثل غرب آسيا. وربما تكون إحدى السمات المميزة لحقبة ما بعد كورونا، هي تكثيف التراجع الأمريكي في بقية أصقاع العالم، مع كون غرب آسيا أحد المرشحين الرئيسيين.

العراق وأفغانستان هما الخياران الرئيسان

أفغانستان والعراق من بين الخيارات الرئيسة لسحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط. وبموجب اتفاق السلام الموقع بين إدارة ترامب وطالبان، سيتم إجلاء جزء كبير من القوات الأمريكية من أفغانستان.

وبالطبع ليس من الواضح مصير هذه الاتفاقية في إدارة بايدن الجديدة، لكن يبدو أن إرادة الإدارة الأمريكية الجديدة تتمثل في تنفيذ هذه الاستراتيجية في أسرع وقت ممكن.

ويتمركز جزء مهم آخر من القوات الأمريكية في العراق وشرق سوريا. حيث يبدو أن هدفهم هو مواجهة صعود داعش، لكن الهدف الرئيسي هو مواجهة إيران وحلفائها الرئيسيين. حيث انه خلال عهد ترامب، انتشرت شائعات عديدة حول انسحاب القوات الأمريكية من العراق وسوريا، لكن من الناحية العملية لم يحدث شيء مميز.

والآن، خلال الحوار الاستراتيجي بين الحكومة العراقية وامريكا، وافقت واشنطن على تحديد جدول زمني للانسحاب من العراق.

وبالتاكيد هناك تقارير تفيد بأن شركات أمنية أمريكية ستعود إلى العراق بحجة مساعدة الحكومة العراقية في الحفاظ على أمنها. كما كان الحال أثناء الاحتلال، حيث لا تزال الذكريات المريرة لتلك الأيام لم تُنسى.

السعودية هي الخاسر الرئيس

وفي غضون ذلك، ربما تكون السعودية من أهم الخاسرين في هذا التراجع. خلال إدارة ترامب، وعلى الرغم من إصرار واشنطن على تقليص وجودها العسكري في المنطقة، زاد الأمريكيون من وجودهم في المنطقة بسبب الاشتباكات العديدة بين السعوديين والقوات اليمنية.

حيث تضمنت بعض هذه الإجراءات نشر صواريخ تود وكذلك الطائرات المقاتلة من طراز F-22 في القواعد العسكرية السعودية، وعلى الرغم من أنه تقرر في النهاية عدم قدرة أي من هذه الوحدات على تقديم مساعدة جادة للنظام السعودي. الآن هناك حديث عن أن الجزء الأول من القوات الأمريكية التي ستنسحب من السعودية هو أنظمة تود.

حيث تم نقل هذه الأنظمة إلى السعودية لمواجهة عمليات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى، ولكن الآن بعد أن أصبحت الحاجة إلى تعزيز الدروع الدفاعية الصاروخية في مناطق حول الصين ملحة، سيتم نقل هذه الأنظمة لهناك.

وبالطبع، اشترت السعودية صواريخ تود بشكل منفصل، لكن ليس من الواضح متى سيتم تسليم هذه الصواريخ إلى الرياض. ولا يقتصر تقليص وجود القوات الأمريكية على السعودية فحسب. وبدلاً من ذلك، يبدو أن هناك نشرا لحاملة طائرات في الأسطول الخامس الأمريكي في السنوات القادمة، حيث تحتاج البحرية الأمريكية إلى بذل كل ما في وسعها لمواجهة الوجود الصيني المتزايد في آسيا.

ويشمل ذلك وجود القوات الأمريكية في الإمارات وسلطنة عمان. وفي غضون ذلك، ربما يكون السؤال الرئيسي هو كيف سيؤثر هذا التراجع الواسع النطاق في المنطقة على الهيكل العام لميزان القوى في المنطقة، وكيف سيحافظ الأمريكيون بشكل أساسي على ظل قوتهم في المنطقة.

يبدو أن الرد الأمريكي الأول على هذا السؤال هو نفس الإجراء الذي اتبعه ترامب في “ميثاق أبراهيم”. أي تحالف الكيان الصهيوني مع الدول المطلة على الخليج الفارسي للحد من قدرة إيران وعدم حاجتها لتواجد كبير للقوات الأمريكية في المنطقة.

لقد أقامت الإمارات والكيان الصهيوني بالفعل تعاونا مكثفا في المنطقة، بدءا من التعاون الاستخباراتي والعسكري إلى الوجود المشترك في جزيرة سقطرى في منطقة مضيق باب المندب.

وبالإضافة إلى تطوير العلاقات بين العالم العربي والكيان الصهيوني، يأمل الأمريكيون في العمل مع الدول الأخرى لتأمين الخليج الفارسي. وواحدة من هذه الدول هي فرنسا، والتي لأسباب عديدة مهتمة جدا بوجود أكبر في الشرق الأوسط.

وفي غضون ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات لا يزال العديد من الخبراء يعتقدون أن أيا من العوامل المذكورة أعلاه يمكن أن يحل محل وجود القوات الأمريكية في المنطقة. القدرة اللوجستية للقوات البريطانية والفرنسية محدودة بشكل أساسي لدرجة أن أيا من القوات البحرية ليست قادرة على صراع واسع النطاق في المنطقة. كما ان مهمة قوى دول المنطقة واضحة في هذه الأثناء. وبالطبع، أمرت البحرية السعودية بشراء العديد من المدمرات الأمريكية، ولكن لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه قبل أن تصبح جاهزة للعمل. لذلك، لا يمكن الاعتماد عليها في المواقف الحرجة والنزاعات الجدية.

والحقيقة أن أهم ما يشغل بال الأميركيين في المنطقة هو إيران. وبالطبع يمكن إضافة عناصر أخرى إلى هذه القائمة، مثل وجود الصين وروسيا ، لكن إيران لا تزال أهم مشكلة لديهم بسبب قدراتها وامتلاكها سواحل واسعة. ومن المؤكد أن الأمريكيين ما زالوا يأملون في استخدام إجراءاتهم لإبقاء إيران تحت السيطرة، لكن الكثيرين يعتقدون أن النتيجة الأولى للتراجع هي إضعاف موقف دول الخليج الفارسي.

وبناءً عليه يمكن فك رموز إصرار السعودية والكيان الصهيوني على استمرار العقوبات، ولكن ربما يكون السبيل الوحيد للسعوديين هو التصالح مع إيران. حيث تحدثت طهران مرارا عن خطتها للتعاون مع الدول العربية في الخليج الفارسي، وربما حان الوقت لهذه الدول للنظر في مقترحات إيران للمفاوضات وتوسيع التعاون للحفاظ على الأمن في المنطقة.

موقع الوقت

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى