كتب الدكتور جبار صبري : جماليات التفكيك في العرض المسرحي

د. جبار صبري:

جماليات التفكيك في العرض المسرحي

تعد التفكيكية جدلا آخر في مواجهة المنهاجيات التقليدية والمنهج البنيوي خاصة. انها استراتيجية تهدف الى زحزحة الوحدة والتماسك وكل نمط معقلن من خلال التحليل والهدم لا بما هو سلبي، من حيث تخريب وتهشيم النص/ العرض. بل من حيث انها مثلما تهدم ستبني، ذلك انها بنائية وان كانت ضد البنائية فهي بالوقت الذي تسعى الى كشف متناقضات النص/ العرض وما تصرح به البؤر المركزية وحجم التعارضات الموجودة بالوقت ذاته تجد في بؤر تفاعلت مع الذات القارئة واجري التنقيب عنها بغية التصريح بها واعادة تشكلها.
اذا كان يقين المناهج يقف لدعم بنية الخطاب ذلك على المستويات التقليدية في المنهجيات فان التفكيك ينشر الشكوك إذ يحاول ان يلعب بتلك البراهين يفندها يقوض كل دعائمها ومن ثم يعمل على تصديع بنية الخطاب مهما كان ذلك الخطاب حجما ونوعا جنسا وحضورا فيجعل من الشبكة الدلالية معوّمة بكشف ذاتي – فردي لا غيري – جماعي.
ولأجل تعدد قراءات الدال ولأجل استحضار المغيب يعمد التفكيك في الحقل الدلالي الى تعويم المدلول. هذا ما سيمنح المشروع استمرارية متواصلة في الانتاج ، متواصلة في القراءة والتعدد والانتشار بلا نهاية. وبالتالي ستبدو ساحة من اللعب لا نهائية بالنسبة للمدلولات تتوالى دون ان يستأثر هذا المدلول على بنية الخطاب والحضور المتمركز.
ومن حيث توافر البؤرة المركزية في النص/ العرض لتوجيه القراءة نحو مدلول ثابت تتوجه ارادة التفكيك نحو تقويض تلك البؤرة. انه ينشطر. اي التفكيك بازدواجية عاملة ازاء النص/ العرض فهو يفكك ذلك بحركة التحليل لإبراز هيكل او مبدأ القوة في الاحداث المرسومة ايضا يفكك تلك المنظومة بغية تحليلها وتشريحها على نحو يستبعد هيمنة الكل فيها دون الآخر عليه ترتكز ستراتيجية (دريدا) بشكل عام في “تجزئة الالفاظ والفرضيات الفلسفية الأساس ثم تطوير الابنية التناقضية التي تنطوي عليها هذه الالفاظ او الفرضيات يهدف (دريدا) الى تفكيك ونقض الزعم بوجود معنى موحد له هوية او تطابق ذاتي”.
ان التمظهر الذي ارتكزت خطوطه ومساراته في الدوال مبعثه “فعل المخيلة الخلاقة بأكثر ما يمكن من القرب يجب الالتفات الى الداخل غير المرئي للحرية الشعرية ، وهذا يفرض الانفصال وصولا الى الالتحام غير المرئي للاثر”( ) انها درجة من (الاستعارة) في القراءة والكتابة وفي حراك مزدوج. انها منفصلة منفية بقدر ما هي متصلة ملتحمة فهي من الداخل دائبة نتيجة كثرة التعارضات على تقويض نفسها ومن الخارج تبدو قضية نظام “تخليق كون يضاف الى الكون”( ).
ولأن الذات هي من سيقرأ الخطاب سيكشف عن اثره الادبي – الفني – الفلسفي ليس بهدف اعلاء شأن الذات. بل بمنحها الحرية المستمرة في القراءة لتقديم التفسيرات المناسبة وحسب ثقافتها، وعيها، رغباتها في سلسلة من القراءات التي تهدم ما سبق وتنفرد بخصوصيتها. وتستطيع ان تبدل تلك القراءات تبعا لتبدل الزمن و تغاير لحظات القراءة والتلقي. انها قدرة تدمر السابق “فليست هناك قراءات ثابتة معتمدة او نهائية فان الذات التفكيكية هي ذات المتلقي التي يطلق التفكيكيون يده في النتاج الفني ليفسره كما يشاء”( ).
عملية الغاء النص وكذلك الغاء قصدية المؤلف تعني بالضرورة افساح الحرية اللازمة لإلغاء أي قيود للفرد، وهذا ما سيعمل على تحرر الذات. وبالتالي مسألة رفض التوافقات او التوحدات والتجانسات مع النص ستبدو مسألة تؤكد بنتيجتها انفتاح التفكيك على نظرية (التلقي)*، وانفتاحه ايضا على (الفلسفة التاويلية)**، وكل ذلك سيعيد او سيركز الدور الحقيقي في فهم النص/ العرض (الكتابة المسرحية) بما يتأسس على حرية واستعادة القارئ سلطته الكاملة في استخراج المعنى من المستويات الباطنة له.
لقد جعلت القراءة بواسطة فرض سلطة الكلام ان تكون قراءة احادية في مقصدها من جانب، وانها سريعة الزوال بسبب غياب المتكلم وعدم قابليته على الاستمرار من جانب اخر بينما في الكتابة تكون العملية اوفر حظا للبقاء والاستمرارية، وهذا ما يهدف الى تواصل الانتاج في القراءة ولانطواء الكتابة على صيرورة البقاء بغياب كاتبها.
وسيكون الاشتغال بثنائية الحضور والغياب مدلل جدلي يتشابك من خلال العلاقة بجسد الخطاب عبر مستويين مستوى الحضور الذي يعده التفكيك (رهينة مرئية)/ دال ومستوى الغياب وهو المدلول الذي انطوى على الانفتاح والتعدد في القراءة، ولتأسيس فريد من المحاورة بين القاري والنص/ العرض ولمزيد من تبادل الادوار والانتاج ولمزيد من المعاني.
وهكذا تتوالد (لعبة حرة للدالات) مستمرة في انفتاحها وتعدد قراءتها اقصت تقليديات الفهم الذي ترتبط بالأثر الادبي – الفني – الفلسفي. بينما بدا الفهم مرتبطا بناتج تعاليات الدال بلا قيد او شرط، ومن نتائجه التوالد والتعدد في المعنى وعدم الركون الى مرجع محدد ما. بل يبقى الاثر غير مقترن بأصل او مرجع وهو ما يفضي الى الاستمرارية في القراءة.
وهذه احالة على ان الأثر هو تداخل وتكرار لنصوص سابقة وهو من ناحية اخرى الغاء لكل فاصلة يمكن ان تتموضع بين النصوص. عليه “ان تاريخ كل كلمة في النص مضروبا في عدد كلمات ذلك النص يساوي مجموع النصوص السابقة مع النص الاخير قيد القراءة ولتعذر تحديد تاريخ كل كلمة في النصوص السابقة فان النصوص المتداخلة لا حصر لها ومن ثم فان دلالاتها لا يمكن الوقوف عليها لسعتها وتعددها”( )، الامر الذي يؤطر التفكيك “بنشاط قراءة يبقى مرتبطا بقوة النصوص او استجوابها ولا يمكن ان يوجد مستقلا كنظام مفاهيم فاعلة قائم بذاته”.( )
ومن التفاوت والتباين بين العلامات من جهة، وبين الدال والمدلول في العلامة الواحدة من جهة ثانية. تنشأ متوالية لا نهائية من الدالات يحضر فيها الدال. لكن حضوره هذا يقترن بتعدد المدلولات التي ينتجها والتي يتغيب بعضها في آن واحد. وهو ما يقوم به الاختلاف من تعارضات واضحة في الدلالات وكلما تعددت الدلالات كلما كان الاختلاف مرجأ “يحرر المتلقي من استحضار المرجع المحدد ويترك له خيار استحضار او تعويم مرجع خاص به وذلك لوجود اختلاف جزئي بين الدال والمدلول والمرجع”.( )
ومن حيث ان العلامة لا تحقق دورة استكمالها في المعنى فهي غير متكاملة كونها تظهر جزء من المعنى وتخفي جزء آخر. هنا تظهر استراتيجية التفكيك يتمايز التعارض الذي تمتلئ به العلامات. انها امحاء للشيء وابقاء له في آن واحد. هذا ما يجعلها مرتبطة وهي حاضرة بماضي العلامات ومستقبلها. ان حالات الاخفاء ستمنح القارئ قدرة على كشوفات جديدة في المعاني وهذا بدوره سيزيد من تعدد القراءات.
عليه، يبدو العرض المسرحي في استراتيجية التفكيك يملك ادوات المغايرة في طروحاته. انه يرفض الوحدة والتماسك ومبدأ التماثل ونزعة الحدود الصارمة والوعي المتشكل حصرا من العقل خاصة في عمليات البناء ذلك ليهدم مكوناته وبنياته لا بهدف الهدم المحض سلبا. بل بهدف اعادة ترتيب البناء من خلال الاختلاف والتعارضات الموجودة في العلامات . وبالتالي تنطمر البؤر المركزية التي صرح بها العرض المسرحي التقليدي وتنهض بؤر اخرى تملك قابلية التفاعل مع الذات القارئة.
ولهذا لا تعد البراهين التي من شأنها ان تماسك البناء فاعلة بقدر ما يتوافر الشك في ذلك، وهو عملية لتصديع بنية الخطاب في العرض المسرحي تصدعا يجعل من جميع دلالاته معوّمة. تتعالى فيها الذات وبحرية فردية تفرض سلطتها وحضورها.
المرئيات المسرحية في التفكيك تكون لها الاهمية والحضور خلال ما نظر به (ارسطو) من تفاصيل (الحبكة) بوصفه حضور الدال الذي يسهم في تعدد قراءته. ان الدال الحاضر هو ما سيعدد القراءة وهو ما سيعمل على استحضار المدلول الغائب لتوليد اكبر قدر من المعاني.
وبذلك لن تكون للعرض المسرحي وحدة احداث ثابتة. ان الكل المتماسك في العرض المسرحي سيتحول من مركزيته وتعاليه الى تجزئة ملحوظة في وحداته. وبالتالي يفقد المعنى الاحادي وبقاءه وتنفتح القراءة وبدل التطابق الذاتي للأحداث يحل الاختلاف.
واللعب الذي تمظهر في علامات العرض المسرحي بين الانفصال والالتحام، الحضور والقطيعة، التواصل وعدمه، يزيد من وساطة المجاز وتفعيل الاستعارة هنا زيادة لتمظهرات الدوال. فهي داخل بنيات العرض المسرحي تكمن جملة من الاختلافات والتناقضات بما يحلل ذلك الداخل ويقوضه، يفصل اجزائه، علامة مع علامة، ودالا مع مدلوله في شبكة دلالية متزعزعة، وفي خارجه يلعب الاثر بوصفه قوة دالة على ما بقي من علامات بحركة آنية، وبحرية لكشف الخطاب واستحضار المغيب فيه وهو ما سيعوم في المدلول الى ما لا نهاية.
ان زحزحة سلطة المؤلف وقصدها وسلطة النص ومنهاجه هي زحزحة للمدلول الاحادي. محاولة لفك المحدود، ونشر قوة الدال كون ان القصد الاحادي دائما يأتي من عمليات الغياب بعد قابلية وثبات المؤلف حضورا مستمرا بقدر ما تحضر الكتابة، النقش المرئي في المكان والزمان، وهذا ما يواصل من انتاجية القراءة لانطواء المرئيات المسرحية الى صيرورة البقاء بغياب المنتج.
هنا يكون العرض المسرحي عبارة عن شبكة متداخلة من عروض سابقة وعروض لاحقة ولا يمكن رصد المتداخل فيها ابدا لأنه لا يمكن رصد تاريخ المتداخل نفسه، في لعبة من التناصات يتم استجوابها بنسبة حضور المتلقي ومقدار نشاطه الثقافي وملكته في القراءة. ان لا يبقى أي اصل او مرجع ثابت قديم وتترك الخيارات لديه للعبة الاستحضارات للمدلولات الدائبة في غيابها وتعويم المرجع او الاصل لأن الاختلاف قد تموضع بشكل لافت للنظر بين الدال والمدلول والمرجع.
هكذا يبقى العرض المسرحي مجرد آثار تتحرك في أفق المتلقي، تظهر شيئا منها بالوقت الذي تخفي فيه اشياء اخرى. في سلسلة من الدلالات ولن يبقى الا التعارض والتناقض بين الاجزاء جميعا ، ولن يبقى الا التأويل محاولة لاستحضار المدلول في لعبة يكون حضور الدال فيها هو الاوفر بقاءً.

—–
كتابة: 2007

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى