كتب الدكتور جبار صبري : نص ونقد

الدكتور جبار صبري :
في البدء
نص ونقد

النص
———
سنغرق في النسيان
مثلما يغرق ظل ولد صغير في ماء النهر
أو ربما يحدث العكس
العكس تماماً
____
الشاعر: وحيد ابو الجول

النقد
———

1
في البدء ثمة حاضر

ان الانسان كائن هنا، والآن. لكنه مهدد دائما بما تفرضه عليه حياته من طبيعة الازاحة: انه يُزاح الى هناك وفي المستقبل. هو كائن بقدر ما يثبت في زمان يرحل منه، ومن لعبة الازاحة التي فرضت عليه تعلم الانسان السفر. تعلم ان يحمل حقيبة عمره دائما ليمضي او يقطع مسافة بين عالمين صغيرين لكنهما يعنيان له كل شيء. كل حياة او سفر: تلك المسافة التي يقطعها وهي كل عمره انما يقطعها بين هنا التي ثبت فيها الان وبين هناك التي سافر اليها الان.
ومن بين تلك الرحلة: رحلة الان التي تمضي به في آن واحد نحو طريقين:
طريق ١: الان بدواعي الركود، البقاء، الثبات.
طريق ٢: الان بدواعي الحركة، الفناء، التغيير.
نلحظ ان الكائن البشري أسير:
– وهم رحلة او سفر فهو لا يتحرك اذ انه قابع في الان وحسب.
– ازاحة مفتعلة تغرض اللعب عليه في ارجوحة البقاء والفناء.
– زمان مجرد فهو بلا مكان..
ولمجرد النظر في افتتاح جملة: سنغرق في النسيان نلحظ ان ثنائية متضادة توفر وجودها اللحظة. ثنائية تريد تأكيد فعل الازاحة نحو زمنين متعاكسين في الاتجاه:
١- زمن الماضي: اي ذلك الزمن الذي يفعل فعله قبل الان.
٢- زمن المستقبل. اي ذلك الزمن الذي يفعل فعله بعد الان.
لكن ما يفرض على القائل / الشاعر تصريحه على وفق تلك الثنائية يفرض عليه التواجد اللحظوي الذي يريد تأكيد الان وبذات الوقت يريد او يدفع باتجاه ازاحته وهذه الازاحة متضادة الى حد التنافر الحاد بين طرفي الزمن: الماضي والمستقبل.
ان ما قبل س المستقبل هو س الماضي: ما قبل الان وما بعد الان هو س. هذا الحرف المستقبلي هو لا مستقبل له مثلما هو دافع لنا نحو المستقبل. واقول لا مستقبل له من حيث:
– الشاعر/ المتكلم يغطس في بحر الذكرى وغطس الشاعر في هذا البحر هو غرق آخر ولكن من جنس ثان.
– لعبة ايهام حرف س بمستقبل الشاعر تتقابل مع لعبة تأكيد ذكرى الشاعر. هنا تبدو الحقيقة في غرق الشاعر في بحر الذكرى اكثر من غرقه في بحر النسيان طالما ان النسيان بحر مؤجل الوجود.
– تشتد الازاحة بين البحرين: بحر الذكرى وبحر النسيان مع ان الشاعر لا يتحرك الا بمقدار اللحظة الان، اللحظة التي لا هي ذكرى ولا هي نسيان انما هي اللحظة العالقة بينهما. هي برزخ لحظة. او يمكننا القول انها ميتا لحظة لانها لم تقر على بحر معين من البحرين مع انهما الثابت الوحيد في اللعبة
يتحرك الشاعر من جهة، ولا يتحرك من جهة ثانية: يتحرك طالما ان قانون الازاحة يؤكد سيرورة بقائه. سيرورة تحولاته من بحر الى بحر. من ذكرى الى نسيان.. ولكنه ايضا لا يتحرك اذ هو عالق حتى اللحظة في الان، في ثبات صورته التي تعاين الى حرف س ووجود ذلك الحرف على وفق ثنائية وجوده وهذه الثنائية ليس لها حضور آني بقدر حضورها الازاحي. ذلك الحضور الذي هو مؤجل حضور.
هذا يعني ان الزمن الذي يحرك الكائن من س الذكرى الى س النسيان هو زمن موهوم وعالق بين زمنين متناقضين يريد لها الرحيل ولكنه غاطس ايضا بالبقاء. يريد السفر ولكنه بلا اقدام وان اقدامه المتحركة في هذا المشوار هي اوهامه: او هام مركبه الذي لا وجود له ولا شراع له حتى اللحظة.

2
في البدء ثمة يابسة

بمقولة ان كينونة هذا العالم: عالم الكائن الشعري او البشري هي كينونة التناظر: التناظر بين بحرين كل منهما يلعب لعبته في الغرق. كل يمارس غوايته في اغراق الشاعر ولكن على صورتين مختلفتين ومتباعدتين في السلوك والتصور.: غرق الذكرى وغرق النسيان.
يظن الشاعر ان حقيقة وجوده قائمة على طرفين يشدان وجودهما بخلاف. كل يذهب الى وجهة معاكسة الى وجهة الطرف الاخر ولا لقاء بينهما او خط تواز في الطريق والمتجه. يظن ذلك طالما انه عالق تماما بينهما. عالق بين وجودين حقيقين:
وجود بحر الذكرى ووجود بحر النسيان وانه الان على يابسة لا تنتمي الى الوجودين. هي من غير عالم الوجودين. اذن، هو هنا كائن منفي عن الحقيقة. منفي عن الوجود. منفي عن البحرين. هو كائن عالق على يابسة بين بحرين. هو ذلك البرزخ ايضا.
وبمثل ما هو مفعول به ازاء وجود وهمي يريد وجود حقيق: ذكرى او نسيان هو فاعل ايضا بوصفه ذلك البرزخ الذي يفصل حركة الكائن بين الوجودين او على الاقل السفر والتنقل بينهما من والى.. هو متأثر بهذا الفصل بين بحرين وهو مؤثر به بوصفه هو الفاصل. مع ذلك هو لا قرارة له لانه يخضع الى مشرط وشرط الازاحة. هو منفعل بين مسافتين هو الاصل بالنسبة له ولكنه لم يصل اليهما بعد. لم يصل الذكرى وهي منزل وجوده وبحره الاصل او يصل النسيان وهو منزل وجوده وبحره الثاني او التالي او المتعاقب..
انه كائن في آن اليابسة. الآن الذي يغرّب به كل وقت عما يألف به وجوده. والذي يألفه كحضن أم ودائم هو بحر الذكرى او هو بحر النسيان.
فعل اليابسة بالنسبة له هو فعل موت. فعل الغاء حضور الذات: الشاعر والشعر. الغاء حركة وجوده من خلال الغاء حركة فعله. ان حيوات الشعر لا تتعدى وجودا وسيرورة الا في حواضن الذكرى او حواضن النسيان ولما لم يدرك ذلك الشاعر وبقي عالقا في آن حضوره المفتعل في اليابسة، الان، لم يدرك الحياة بعد.
هذا البدء الذي وجد الشاعر نفسه على اليابسة راهن عليه لكي يكون له بدءً في التحول ولكنه ايضا راهن عليه بجعل وهم تنقله بين البحرين وهما لوجوده بينهما. وان سبب تحولاته يؤدي به الى سبب موته. هذا البدء يغلق عليه نافذة ان يرى الوجود بعين الحقيقة ويطمس به رؤية وحضورا ويجعله منساقا الى عين واهمة الوجود.

3
في البدء ثمة ذكرى

اننا ازاء عالمين يقلقان الشاعر ولكنها غائبان عنه الان:
– عالم الذكرى
– عالم النسيان
وما علق في وجود الشاعر انما علق على فرض وجوده الخارج عن هذين العالمين. وجوده الان في الفاصل البرزخي الذي لا هو يميل نحو الذكرى ولا هو يميل نحو النسيان. لكن لما يجعله يتجه غرقا نحو النسيان اسبابا ودوافع منها:
* اشباع وجوده الذي هو تصور وجود قد مر على الشاعر فيما مضى وتحول الى ذكرى وجود.
* قانون الازاحة الذي يهدد الشاعر بالسفر المحتوم من بحر الذكرى الى بحر النسيان.
* رغبة الشاعر بعدم بقائه في غير العالمين: عالم الذكرى او عالم النسيان. اي انه يريد على وفق ناموس تحديد العالم عدم البقاء في الحد الفاصل: البرزخ. بل يريد العالم وان كان ذلك العالم نسيان تام كالموت..
* ان ما يبقي الشاعر متصلا بالعالم ليس اللحظة الان بل الزمن الماضي بوصفه مجالا للحياة واسعا، والزمن المستقبل بوصفه مجالا واسعا للموت..
نلحظ من هنا ان الشاعر:
– يكره موضعه، الان، البرزخ
– يعلم بالذكرى التي مر بها ولكنه بسبب ازاحته عنها وسرعان مجرى الازاحة صار يعلم ايضا بالنسيان وان كان استدلالا لا واقعا.
– البرزخ مجال ترحيل وسفر لا اكثر
هذا يعني ان الشاعر:
– يتماثل بالذكرى حياة ووجودا.
– البرزخ خطوة اولى تؤدي به الى النسيان/ الموت.
– النسيان هو الموت.
من هنا يمكننا القول ان الشاعر وما كتب مجرد ذكرى. لكن هذه الذكرى هي بحر تجريد الشاعر من وجوده العيني الملموس وهي محل تصوراته التي مرت بها حياته فيما مضى. تصوراته واخيلته عن تلك الحياة التي يعبر عنها على وفق مبدأ التناظر انها بحر كان غريقا به مثلما الان هو يتجه نحو غرق جديد اسمه النسيان.
ما يمكن تأكيده هنا:
– وجود الذكرى كبحر قديم كان الشاعر غريقا به.
– محطة البرزخ بين البحرين هي محطة عابرة لا يؤمن بها ولا يريدها الشاعر وهي تجبره على اتمام الغرق نحو البحر الثاني من العالم: بحر النسيان.
– النسيان: موت الشاعر الاكثر ألما من الذكرى. او المجهول الذي من شأنه تدنيس المعلوم: الذكرى
اذن، ما بقي للشاعر الا هواء الذكرى وهو يتنفس به الان لا من اجل الحياة بل من اجل اتمام لعبة التذكر عبر الشعر وهو في لحظة تحول وسفر من ذكرى بقاء. الى رحيل نحو الفناء. وهذا السفر بكل الاحوال هو السفر الى الغرق. ولكن الشاعر تصور ان غرق الذكرى معلوم ومرغوب طالما ان غرق النسيان مجهول..

4
في البدء ثمة انا، وحدي

نلحظ ان العالم:
– ذكرى جماعة
– برزخ جماعة
– نسيان جماعة
ما نتكلم به في هذا العالم انما نتكلم به بصوت الجماعة: سنغرق في النسيان. وهذا الصوت الذي يعبر عن حركة جماعة اتجهت من غرق في بحر الذكرى نحو غرق في بحر النسيان هو صوت جماعة محددة بمسير محتوم من حالة الى حالة. والصوت المضمر في الجماعة عن ذلك الكلام وتلك الكلمات انما هو صوت الشاعر الذي اذاع لنا عبر تلفاز الشعر حركة ومسير الجماعة من غرق الى غرق.
نلحظ هنا:
* صوت الشاعر.
* صوت مجتمع الشاعر .
* صوت العالم: عالم الذكرى وعالم النسيان.
* صوت الغرق.
ومن هذه الملاحظة سوف نتبين:
– ان مدار الشاعر كضمير يتحرك داخل مدار الجماعة ذائب ومنصور ولا دالة له الا دالة الشعر فلولا ان جاء التعبير بالشعر لما عرفنا بوجود الشاعر ولتأكد لنا ان الجماعة المتجهة نحو الغرق هي وجوه واحدة مستنسخة حد التشابه التام بينها.
– ان الجماعة مدار حركة وتحول من معلوم ( الذكرى المتصورة) الى مجهول ( تصور النسيان ).
– وجود الجماعة بين صوتين: صوت عالم الغرق بالذكرى الذي يتميز بكيانه المستقل وصوت عالم الغرق بالنسيان والذي يتميز هو الاخر بكيانه المستقل.
– صوت الغرق المحتم والذي يؤسس الى وجود ثالث وهو وجود مركب من وجود الشاعر والجماعة والبحر ولكن تحت صفة الغرق.
اننا في النتيجة نتميز: اصوات وحسب. لكننا لا نستطيع اثبات لوجود:
– صوت الذكرى
– صوت النسيان
– صوت البرزخ
– صوت الجماعة
لكننا وبدالة التعبير الشعري نتميز حصرا: صوت الشاعر. هذا يعني ان التعبير بلغة الجمع كان تمويها عن حالة وحضور جمعي عام بينما الحقيقة لا تتعدى حضورا الا بحضور الشاعر ذاته. وهذا يؤكد ان الموجود الحي الوحيد المتحرك في عوالم الغرق وما بينهما من برزخ هو الشاعر. وحده الشاعر وحسب.

5
في البدء ثمة حقيقة ومن ثم التشبيه بها

ان بدء الجملة الشعرية: سنغرق في النسيان، هو بدء ايهامنا. ذلك الايهام الذي يجعلنا نصدق اننا الان قد عبرنا:
– غرق الذكرى
– البرزخ
– الان نتجه نحو غرق النسيان
لكن جملة: مثلما يغرقها ولد في ماء النهر. تشير الى اتمام حالة الغرق. اتمام ذلك بدليل ان صيغة التشبيه( مثلما) تؤكد لنا حالة الغرق التي اراد ان يضرب لنا الشاعر مثلا عنها. ان غرقنا المؤكد والفعلي هو:
* غرقنا في العالمين: الذكرى والنسيان
اي اننا كائنات تغرق مرتين في آن واحد وما تحولات الغرق الا شكل من اشكالا تحولاتنا من الحياة الى الموت او العكس.. اننا كائنات قد فرغت من غرقها في تلك العوالم وهي الان تتحدث من عمق الحيوات فيما بعد الغرق. من عمق غربتنا داخل ذلك الغرق. من بعض هواء لغريق يعتقد ان الشعر يمكن ان يوصل نداء غرقه الى عوالم اخرى، وهكذا..
اذن، يمكن القول ان الغرق: غرقنا في العالمين او البحرين هما حقيقة غرق وان صوتنا الاتي من بعد غرق هو تشبيه ونداء ولكنهما كلاهما التشبيه والنداء مجرد وهم نريد من خلاله اعادة صوتنا الينا ليبقى كلامنا الشعري عن انفسنا صدى لبحر الذكرى لا اكثر..
وجملة: مثلما يغرق ظل ولد.. هي جملة اعادة اعتبار مفهوم العدد. هنا لا وجود لصيغة الجمع. هنا ثمة صوت احادي. صوت الشاعر المتماثل مع صوت النداء. هنا يكون الموت او الغرق في بحر النسيان جرسا او صراخا لحياة او غرق في الذكرى ولكن من غير اشارة تذكر الا اشارة النسيان..
وما يدهشنا هنا اكثر لا حقيقة:
– اننا كائنات غرقى بالاساس.
– اننا لم نكن الا شاعرا وحيدا مغربا في وجوده ولا وجود لجماعة ما.
– حركتنا وتحولاتنا انما هي ظنية وتصورية لا حضور لها عياني.
ما يدهشنا اننا مجرد انكسار ظل غرق لولد او ربما شاعر على قارعة نهر ولا صورة له او ذكرى الا صورة ظله..

6
في البدء ثمة ضوء

ان اكثر ما يلعب عليه النص الشعري اعلاه يلعب عليه بدواعي الوهم. فما ان نلحظ عبورا ما في حقيقة حتى يتبين ان ذلك العبور وتلك الحقيقة صورة من صور وهمنا داخل معترك حياتنا. الوهم بوابة عبورنا من حال الى حال وان هذا العبور بذاته يمنحنا خديعة الوهم لا اكثر..
ابتداء انظر التقسيم الاتي:
اولا: سنغرق في النسيان
هذه الجملة مجتمعة تدل على عالم لاحق وليس سابقا عن عالم الجملة التالية: مثلما يغرق ظل ولد. اي هي مستقبل تام ومجهول لم يعلن عن نفسه بعد الا بقدر اعلان الشاعر خوفه منه.
ثانيا: مثلما يغرق ظل ولد صغير..
الحادث الرئيس الذي يمثل عالم وبحر الذكرى. اي ان الذكرى والشاهد الاصل الذي الزم القول باننا سنغرق في النسيان هو التمهيد الاول الذي غرق فيه ظل الولد.. هو الحادث السابق للغرق في النسيان. هو الذكرى.
اذن، ما حدث يمكن تبيانه في ضوء الجملة: مثلما يغرق ظل ولد صغير في ماء النهر. يمكن تبيانه بشرح اولي:
– ثمة ولد صغير
– يغرق الولد الصغير
– ثمة ماء النهر
– عموم الجملة: جملة الولد والغرق والنهر قد وقعت في الماضي بوصفها ذكرى حادثة لكنها الذكرى التي هي بحر ذكرى من جهة والغرق العام من جهة ثانية.
لكن ما هو مثير ويدعو الى الشك ان الحدث مر على اساس:
* ان الذي غرق في الحقيقة كما حدث في الماضي هو الولد.
* ان الذي غرق في توهم ما حدث هو الظل: ظل الولد.
* ثمة ازاحة بين الولد الحقيقي وظله على وفق ازاحة الماضي نحو المستقبل او ازاحة الحياة باتجاه الموت وهكذا..
هنا نتبين ايضا ان الذي غرق اولا وهم صورتنا، وهم وجودنا الذي بفعل الازاحة قد انكسر غرقا في نهر. غرق كظل وجود لا حقيقة وجود. بل غرق كشاهد افتراضي على وجود حقيقي مؤجل الحضور. نتبين ذلك ونحن لا نرصد حتى اللحظة ذلك الضوء الذي تخلى عن ظله والذي تركه يغرق او كما يريد له الشاعر الغرق ليكون مثالا اوليا لعالم ووجود حقيقي سوف يغرق.
يبدو هنا ان الظل في حال نتيجة: نتيجة غارقة وان السبب المؤدي اليها هو ضوء الولد. حياة الولد لا مماته. ذكرى الولد لا نسيانه.. ان ما يحدث الان بفعل قانون الازاحة انما يحدث بالتحولات المقصودة من:
– الذكرى الى النسيان
– الضوء الى الظل
هذا يدل على ان البدء هو الضوء وان ما يخدعنا الان ويمضي نحو الغرق هو الظل وان اي غرق لم يحدث طالما الذي حدث الان هو سقوط الظل في الغرق. سقوط الوهم في الغرق. سقوط تصورنا عن الغرق في الغرق. سقوط افتراض لا وجود له بشكل عياني ولكنه مجرى وسبب لكل عياني او دال لما هو عياني. وما بقي من المعادلة الا الضوء.

7
في البدء ثمة ولد كبير

ادركنا ان ثمة ظل لولد صغير غرق في النهر. وان هذا الولد يمثل بذاته صوتا غارقا. صوتا عرف التحول ووقع في فخ الازاحة فانتقل من حال الى حال. انتقل من الذكرى الى النسيان. من عالم الى عالم..
ادركنا ذلك. ولكن لهذا الولد تنظارات يوجعنا النص الشعري اليها، منها:
– صوت الشاعر ( الولد الكبير ) في جملة: سنغرق في النسيان. الشاعر الذي يوجهنا نحن القراء باتجاه حالة غرق ما في عالم النسيان.
– صوت مجتمع الشاعر والولد الصغير الذي يستجيب مثله مثل اولاده الكبار والصغار نحو الغرق. هو صوت: نغرق جميعا..
وبالتماثل ايضا نلحظ استدلالا من تلك التناظرات الابعد وهي:
– ثمة ولد صغير حقيقي بصوت حقيقي غرق في النهر.
– ثمة ولد كبير حقيقي بصوت حقيقي غرق في النهر.
– ثمة مجتمع حقيقي ( صغار وكبار ) باصوات حقيقية قد غرقوا في النهر.
وبما يشترط علينا التناظر في البيئة نلحظ ايضا:
– غرق الظل الذي وقع بسبب ازاحة حياة في النهر.
– غرق الضوء الذي كان مرجعا للظل فيما يسبق غرقه.
– ثمة يابسة تطل على النهر من حيث نافذة الذكرى او نافذة النسيان. اليابسة التي هي حالة الاولاد والمجتمع قبل وقوع الغرق..
هنا نتأكد ان مبتدأ الوجود كان قائما على:
* اليابسة قبل النهر اذ كانت يابسة ولم يكن نهر.
* المجتمع قبل الولد.
* الولد الكبير قبل الولد الصغير.
* الضوء قبل الظل.
* الذكرى قبل النسيان
هذا الذي يمضي في عمق الشعر وهو محور حركته صوتا ودلالة هو الولد الصغير. اذ نحن والولد الكبير نترقب غرق الولد الصغير وهو يغرق في النهر لاجل ان نتأكد حركة غرقنا من خلاله. هذه الحركة التي هي مزيد من ازاحة الذكرى باتجاه النسيان مثلما هي ازاحة ولد كبير في عمره نحو ولد صغير في عمره.
اذن، الولد الكبير ينتظر غرق الولد الصغير لا لشيء الا ليتأكد انه اساس الغرق وانه الوجود الاول الذي تمت ازاحته نحو الوجود الثاني. وجود الولد الكبير نفسه الذي تحول الى ولد صغير. ثم الان هو يغرق.

8
في البدء ثمة مرآة

كل ما تم الاعلان عنه مسبقا من حيث تأكيد:
– الذكرى اولا والنسيان ثانيا
– الضوء اولا والظل ثانيا
– الولد الكبير اولا والولد الصغير ثانيا
– المجتمع اولا والاولاد ثانيا
– الازاحة تبدأ من الاول وتنتقل الى الثاني
كل ذلك لا صدق له ولم يكن الا لعبة ايهامنا يتراتب احوالنا فيما يفعله بنا قانون الازاحة. كل ذلك كان ظنا وليس حقيقة. ظنا منا ان تحولاتنا من غرق اول نحو غرق ثان. من ذكرى الى نسيان. لكن جملة استدراك الشاعر : او ربما يحدث العكس.. العكس تماما. جعلتنا نعيد لغة التراتب من جديد. وفي هذه الجملة مؤشرات مناهضة يمكن تبيان بعضها على نحو:
* يعد النسيان سببا للذكرى
* يعد الظل سببا للضوء
* يعد الولد الصغير سببا للولد الكبير
* يعد الاولاد سببا للمجتمع
* قانون الازاحة يأتي من الادنى الى الاعلى
لكن ذلك كله ايضا لا يمكن اقراره بشكل نهائي طالما ان ما نمر به هو تدوير حالات في مرآة حياتنا او مرآة غرقنا. ان ما يحدث هو العكس باستمرار وذلك يؤدي بنا الى فهم غرقنا من حيث:
– كل ما يحدث انما يحدث داخل مرآة.
– ما ينعكس اليوم اولا ينعكس غدا ثانيا.
– ازدواجية الغرق.
– الانقلاب ضرورة وجود وان كان ذلك الوجود بدواعي الغرق.
– تدوير الغرق هو تدوير حالة انعكاس وجودنا.
ما حدث اذن، انما هو انعكاس لما حدث. وهذا الانعكاس يشترط علينا عدم معرفة الصورة الاصل اذ ان طرفي الصورة: الضوء والظل لا مصداق لهما يؤكد أحقية كل طرف منها ان يكون اصلا ومعيارا لغيره. كل طرف يوهمنا انه ابتداء الغرق ولكنه بالوقت ذاته يفقد ذلك الابتداء طالما انقلب عليه الطرف الثاني في لعبة من تدوير الانعكاس.
لم يتبق الا ان ما صرحنا به حول قانون الازاحة الذي لازم تحولات الغرق: غرق وجودنا من ذكرى الى نسيان او العكس لم يكن الا قانون مرآة تلعب علينا على وفق قاعدة انعكاس صورتنا فيها وان كانت تلك الصورة بطعم الغرق. تلعب علينا لكي لا نصل الى صورتنا الاولى التي كانت صدقا في الوجود بل هي تلعب وتؤكد ذلك باستمرار على ان صورتنا في الغرق هي صورة وهم وجود لا اكثر..

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى