كتب الدكتور جبار صبري : مسرح غرفة الذات

كتب الدكتور جبار صبري : مسرح غرفة الذات
المقدمة
– ايحسب الانسان انه جرم صغير وقد انطوى فيه العالم الاكبر.
كنت صبيا عندما قرأت تلك العبارة. حينها تملكتني الدهشة كلها. حينها شعرت ان الوجود: سماوات وأراضين ومخلوقات وعلاقات وغيرها كلها وبما فيها وورائها من معارف تسكن فيْ. هي في نفسي، وانني املكها وان كنت اجهل ما املك وقتذاك.
كنت كثيرا ما اسأل: كيف اكتشف ذلك الوجود في نفسي. كيف يجتمع ذلك الوجود كله في نفسي؟ لكنني حين كبرت قليلا تغير مجرى سؤالي قليلا: اذا كان هذا الوجود كله في نفسي فما هذا الذي تدركه حواسي وهو يحيط بي ويلتف من حولي؟ ايعقل ان يكون هذا الخارج عن نفسي مجرد وهمي له؟ ايعقل ان الحقيقة ومصداقها لا عين لها هناك في الخارج والعين كل العين فيْ، هنا داخل نفسي وحسب؟
ثم كبرت واردت من بعد نضوج ودراية تصديق ان نفسي والعالم موجودان معا ولا ضير ان يتبادلان وهمهما مثلما يتبادلان حقيقتهما وان سر انطوائي في هذا العالم وانطواء العالم بي يكمن بفهم وتصديق مرآتي: مرآة عقلي ونفسي اذ تتبادلان انعكاساتي فيها كل وقت..
لكنني حين شخت قليلا وعرفت ان صبي نفسي وشباب نفسي وكهل نفسي غير ما أنا عليه اليوم: انا عجوز نفسي. عرفت ان ادوار وجودي تشبه ادوار انطواءاتي فيه او انطواءاته فيْ. عرفت ان اقنعتي المتبادلة والتي تعكس وجوها لا اعرفها وهي كثيرة ومتواجدة من نفسي تتمنى مثلما اتمنى لو انني لا اعرف نفسي.
ولما شخت كثيرا- ليس بدنا وحسب بل نفسا – عرفت ان العالم هو مقدار وهمي له وان مرآتي خديعتي الكبرى قد لعبت بي بحجة ادواري واطواري وسر انطواءاتي فيْ. بحجة انها علاجي من افراط وهمي لنفسي لكنها كانت وقودا دائما لاستمرار مرضي. وقودا لا ينضب ابدا ولا يكل من حرق صورتي وكسر حدودي ومنع انعكاسي على نفسي الا بمزيد من صور ذاتي المهشمة والمشوهة. عرفت ان العالم نفسي وهو حطامها الابدي.
ولما عرفت ذلك من بعد قرون عرفت انني لا اشيخ، لا اكبر ابدا. بل انني اصغر ثم اصغر في مشوار وجودي حتى بلغ وجودي ونفسي في نفسي تعكسه نفسي وحسب. حتى بلغ وهمي حقيقتي وبلغت كل حقيقتي وهمي.
هكذا عرفت ان:
– الوجود
– المسرح
– أنا
هي انا في كل وجودي. هي انا من غير ظل لي. من غير اخر هناك. من غير محيط يصدق وجوده وعلاقاته بي. انا وحدي من غير وجود خارجي. وحدي وهذه الوحدي كان منظورها من اعماق نفسي اذ لا مظهر لها ولا صورة الا مظهر وصورة نفسي من داخل نفسي.
هكذا ان ذاتي غرفتي التي اطل من خلالها على وجودي. هي غرفة نفسي. ونافذتي منها اقنعتي، ادواري، ما رسب فيها كل تلك القرون وكل تلك الاحداث وكل تلك الاوهام من نفسي ومن عالمي.. ما رسب وتكلس وتقهقر وتأسن فيها حد الطمر . حد الخوف منها. حد التفكك والانفصام. حد الشفقة عليها..
لاجل هذا ابتدعت مسرح غرفة الذات. ابتدعته وسيلة لتبيان ذلك. تبيان:
– العالم انا وحسب.
– لا شيء خارج الذات.
– رهان وجودي من رهان وجود غرفة ذاتي.
– لا مظهر او صورة لي الا صورة نفسي التقطها من اعماق نفسي..
– ادواري تختزلها اقنعتي من نفسي.
– وهمي وحقيقتي هما كينونتي على حد سواء.
– حربي في اثبات ذلك صراع نفسي حصرا.
– علاجي وقود يلهب حماسة تناسل وتخصيب لمرضي مرات ومرات..
ولتبيان ذلك فنيا افترضت:
– المسرح انا
– لعبة المسرح انا
– ادوات المسرح انا
– الممثلون انا
– الشهود انا
وحين ابوح اليكم عذاباتي انما ابوح ذلك لكي تغتسل نفسي وانتم من امراض نفسي التي تمتد فيكم امتداد خوفي في نفسي كل هذه العصور وكل هذا الوجود والتي اذا ما اكتمل امتدادها وطريق بلوغها فينا جميعا بلغت فينا الشفقة. بلغ التماثل فينا كل علاج ولكنه ايضا بلغ من فرط ما اشفق به على انفسنا كل مرض وذلك لاستمرار تدوير اللعبة: لعبة غرفة الذات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى