جودة الاحكام.. نظر المحكمة الاتحادية العليا في دستورية قانونها

جودة الاحكام..

نظر المحكمة الاتحادية العليا في دستورية قانونها

-الرأي الاول-
مقتبس من كتاب ( جودة احكام المحكمة الاتحادية العليا في العراق )
للاستاذ الدكتور عدنان عاجل عبيد / استاذ القانون الدستوري

اصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكمها ذي العدد 38/اتحادية/2019 في 21/5/2019 والتي قضت فيه بعدم دستورية المادة (3) من قانونها الصادر بالامر (30) لسنة 2005 والتي جاء فيها ( تتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية اعضاء يجري تعيينهم من مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء الاعلى بالتشاور مع المجالس القضائية للاقاليم وفق ما هو منصوص عليه في الفقرة (هـ) من المادة ( الرابعة والاربعين ) من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية .

وقد استندت المحكمة في الغائها لنص المادة (3) من قانونها الى مخالفته لاحكام المادتين (91/ثانياً) و (92) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 ، كما انها اشعرت مجلس النواب بتشريع مادة بديلة لها ضمن قانون المحكمة الاتحادية العليا المعروض على مجلس النواب اعمالاً لاحكام المادة (92/ثانياً) من الدستور .

لقد قطعت المحكمة بحكمها هذا الوصل القانوني بينها وبين مجلس القضاء الأعلى ، اذ غلت يده عن الاقدام نحو أي اجراء منشأنه أن يرشح أعضاء آخرين محل الأعضاء الحاليين .

ان اقدام المحكمة على هذا الحكم اوجد قطيعة جسيمة بين اقطاب السلطة القضائية وادخل القضاء في حيص بيص ، واذا كانت هذه النتيجة بادية واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار،فان المحكمة لم تستند إلى سند قانوني متين ، فقد خالفت نصوص الدستور، ونالت من اختصاصات مجلس القضاء الأعلى ، وتجاهلت نص المادة ( ۱۳۰ ) من الدستور ، واثارت الفوضى داخل السلطة القضائية واليكم التفصيل .

اولا: مخالفة نصوص الدستور المتعلقة بالسلطة القضائية :

لقد نظم المشرع الدستوري السلطة القضائية في دستور 2005 تنظيما واضحا وان كان لا يخلو من النقد ، فقد خصص الفصل الثالث من الباب الثالث الموسوم ب(السلطات الاتحادية) للسلطة القضائية وبدی حريصا على استقلالها واستقلال القائمينعليها من القضاة .

كما أنه نص على مكونات السلطة القضائية من المادة ( ۸۹ ) بقوله ( تتكون السلطة القضائية الاتحادية ، من مجلس القضاء الأعلى ، والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية ، وجهاز الادعاء العام ، وهيئة الاشراف القضائي ، والمحاكم الاتحادية الأخرى التي تنظم وفقا للقانون ). وبذلك عد المشرع كل من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا من مكونات السلطة القضائية .

ثم منح مجلس القضاء الأعلى ادارة شؤون الهيئات القضائية والاشراف على القضاء الاتحادي كما انه منح المجلساختصاص اقتراح المشروع الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية وعرضها على مجلس النواب للموافقة عليها . أن تلكم الاختصاصات تجعل مجلس القضاء الأعلى مديرا ومشرفا على عمل القضاء الاتحادي ومقترحاً للموازنة السنوية لهيئاته وبضمنها المحكمة الاتحادية العليا .

الا أن الأخيرة ترى بان (… ولكن الأمر اختلف بالكامل بعد صدور دستور جمهورية العراق و نفاده عام 2005 حيث نصت المادة ( ۹۲ /اولا) منه على كون المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا واداريا عن بقية مكونات السلطة القضائية المنصوص عليها في المادة ( ۸۹ ) من الدستور …).

ونلحظ هنا أن المحكمة الاتحادية العليا قد استندت في تحقيق استقلالها في مواجهة مجلس القضاء الاعلى إلى ما ورد في ( ۹۲ /اولا) من الدستور الذي جاء فيها بأن ( المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا واداريا ) .

ولا نشاطر المحكمة فيما ذهبت اليه ، اذ ورد مصطلح الاستقلال المالي والاداري اكثر من مرة في الدستور ، اذ عدت المادة ( ۱۰۳ ) من الدستور كل من البنك المركزي و ديوان الرقابة المالية ، وهيئة الاعلام والاتصالات ، ودواوين الأوقاف ، هيئات مستقلة ماليا واداريا ، ونعتقد أن ایراد المشرع الدستوري لمصطلح (الاستقلال) المالي والإداري كان رمياً دون اتئاد ، فاستقلالالهيئات المستقلة الذي اشرنا اليه في موضع سابق هو الاستقلال الفني ، أي عدم امكانية التدخل في عملها والتأثير عليه بأي شكل من الأشكال ، وينطبق هذا على استقلال المحكمة الاتحادية العليا الذي ورد في المادة ( ۹۲ /اولا) من دستور 2005 المشار له في اعلاه .

فالاستقلال المقرر للمحكمة موجه إلى السلطات الاخرىوالأحزاب السياسية والافراد وغيرهم ، وغير موجه إلى مجلس القضاء الأعلى بدليل أن الأخير يتولى ( اقتراح مشروع الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية …) .

وبما أن المحكمة الاتحادية العليا هي أحد مكونات السلطة القضائية الاتحادية حسبما ورد في المادة ( ۸۹ ) من الدستور ، لذا لا يمكن القول بان المحكمة مستقلة ماليا عن مجلس القضاء الأعلى ، في حين ذهبت المحكمة الاتحادية العليا الى عكس ذلك عندما قضت بحكمها الصادر في ( 11/4/2017 ) ( بعدم دستورية المادة (3/ثانيا) من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم ( 45 ) لسنة ۲۰۱۷ التي تقضي بتولي مجلس القضاء الأعلى اقتراح مشروع الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية ناعية عليها مخالفتها لأحكام الدستور ، في حين أن ما قضت به المحكمة يشكل المخالفةالدستورية بعينها.

كما تتهاوى فكرة الاستقلال الإداري للمحكمة في مواجهة مجلس القضاء الأعلى أمام صراحة نصوص دستور 2005 التي قضت بتولي مجلس القضاء الأعلى ادارة شؤون الهيئات القضائية والاشراف على القضاء الاتحادي .

لذا فان استقلال المحكمة الذي ابتغاه المشرع الدستوري هو في مواجهة السلطات والمؤسسات والأحزاب خارج السلطة القضائية وليس في مواجهة هيئاتها نفسها ولو أراد ذلك ما عدَ المحكمة الاتحادية العليا من مكونات السلطة القضائية ثم يعودليمنح مجلس القضاء الأعلى اختصاصات الادارة والاشراف واقتراح الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية .

ثانيا: اختصاص مجلس القضاء الأعلى في ترشيح عناوين قضائية محددة :

ترى المحكمة الاتحادية العليا بان اختصاص مجلس القضاء الأعلى يقتصر على ترشيح عناوين قضائية محددة وردت على سبيل الحصر وهي رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي ، ثم يتولى عرضه على مجلس النواب لتعيينهم ، وبذلك يكون ترشيح رئيس واعضاء محكمة التمييز خارج عن اختصاص مجلس القضاء الأعلى امتثالا لحكم المادة ( ۹۲ /ثانيا) من الدستور .

مما يعني أن المحكمة تؤكد أن ما ورد في المادة (92/ثانيا) هو اختصاص حصري لمجلس القضاء الأعلى .

أن ما ذهبت اليه المحكمة لا يستقيم مع حكم النصوص واية ذلك ان المادة (۹۲ثانيا) التي استندت اليها المحكمة تنص على أن ( يمارس مجلس القضاء الأعلى الصلاحيات الاتية : ثانيا ترشيح رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي وعرضها على مجلس النواب للموافقة على تعيينهم ) .

ولا يتضمن النص المتقدم ما يفيد بان هذا الاختصاص اختصاص حصري ينطبق على هؤلاء فقط ، ولو ارادت كذلك لاوردت مصطلح (حصريا) او ما يفيد معناه كما فعل في المادة ( 110 ) من الدستور عندما حددت اختصاصات السلطات الاتحادية حصريا بقوله بان ( تختص السلطات الاتحادية بالاختصاصات الحصرية ) وعليه لا يمكن التسليم بان اختصاص معين ورد على سبيل الحصر.

لذا يمكن ایراد اختصاصات أخرى لمجلس القضاء الأعلى في التشريعات العادية منها نص المادة ( 3 ) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم ۳۰ لسنة 2005 ، ونص المادة (3/ثالثا ) من قانون مجلس القضاء الاعلى رقم 45 لسنة 2017 والتي منح اختصاص ترشيح اعضاء المحكمة الاتحادية العليا من القضاة الى مجلس القضاء الاعلى الا ان المحكمة الاتحادية العليا الغت النص بحكمها ذي العدد 19/اتحادية/اعلام/2017 في 11/4/2017 .

ورب قائل يقول هل يمكن اضافة اختصاصات اخري لسلطة دستورية لم ترد في الدستور التشريعات العادية ؟ الجواب نعم يمكن ذلك شريطة أن لا ترد اختصاصاتها في الدستور على سبيل الحصر ، والدليل على ما نقول هو أن المشرع أورد اختصاصات مجلس النواب في المادة (61) منه ، ولم يكن من بينها اختصاص حل مجالس المحافظات ، في حين ورد هذا الاختصاص في المادة (۲۰/ثانيا) من قانون المحافظات رقم ۱۱ السنة ۲۰۰۸ المعدل ولم يعاب بعدم الدستورية وغير ذلك من الأمثلة كثير وعليه يتهاوى ادعاء المحكمة الاتحادية العليا بعدم اختصاص مجلس القضاء الأعلى بترشيح رئيسها واعضائها لأنه لم يرد في نصوص الدستور ، اذ يمكن أن يرد هذا الاختصاص في التشريعات العادية ولاسيما أن نصوص الدستور اسندت ذلك عندما منحت مجلس القضاء الأعلى ادارة شؤون القضاء الاتحادي والاشراف على شؤونه حسبما صرحت به المادة ( ۹۱ /اولا) من الدستور والذي عد المحكمة الاتحادية العليا أحد مكونات السلطة القضائية الاتحادية في المادة ( ۸۹) منه.

اضف الى ذلك أن تحديد دستور 2005 لعناوين قضائية محددة يرشحها مجلس القضاء الأعلى ، يرتبط بأجراء حاكم اورده الدستور الا وهو موافقة مجلس النواب على تعيينهم ، اما رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية العليا ، فلم يشترط الدستور ذلك واحال طريقة ترشيحهم وتعيينهم الى قانون عادي حسبما ورد في المادة ( ۹۲ / ثانيا) من الدستور ، ولهذا لم يشر الدستور الى رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية العليا عندما عدد الوظائف القضائية في المادة ۹۲ / ثانيا.

ثالثا: تجاهل نص المادة ( ۱۳۰ ) من الدستور :

بنت المحكمة الاتحادية العليا حكمها بعدم دستورية المادة ( ۳ ) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم ۳۰ لسنة 2005 بان القانون الأخير صدر في ظل احكام قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية الملغى ، والذي قضى بان يكون رئيس المحكمة الاتحادية العليا هو رئيس مجلس القضاء الأعلى ولم تكن ثمة اشكالية في قيام مجلس القضاء الأعلى بترشيح رئيس واعضاء المحكمة ولكن الأمر اختلف بعدم صدور دستور.

لقد فات المحكمة في حكمها هذا امران لا محيص عنهما :

الأول : نص المادة (۱۳۰) من الدستور والتي قضت بان ( تبقي التشريعات النافذة معمولا بها ، ما لم تلغ او تعدل وفقا لأحكام هذا الدستور ). اذ يجيز النص المذكور نفاذ التشريعات المعمول بها طالما لم تلغ بتشريع آخر او تعدل احكامها و ووفق آليات الغاء التشريعات وتعديلها المنصوص عليها في دستور 2005 ، وهذا يعني انصراف ارادة المشرع الدستوري الى نفاذية التشريعات وان تضمنت مخالفة دستورية لحين اصدار تشريع اخر محلها ، وبما ان قانون المحكمة الاتحادية العليا المزمع اصداره استنادا إلىالمادة (۹۲/ثانيا) لم يصدر ، لذا يبقى القانون السابق نافذ المفعول، هذا وقد وكدت المحكمة الاتحادية العليا مبدا نفاذية التشريعات السابقة التي صدرت في ظل الدساتير المنصرمة مالم تلغ بتشريعات اخرى في مناسبات عدة منها قرارها ذي العدد 58 اتحادية ۲۰۱۸ في 2/5/2018 والذي قضت فيه بنفاذ امر سلطة الائتلاف رقم 69 لسنة ۲۰۰4 طالما لم يلغ او يعدل وفقا لأحكام دستور العراق لسنة 2005 ، كما قضت بقرارها ذي العدد ۲۳/اتحادية 2005 في 29/1/2006 بنفاذية قانون التقاعد المدني رقم 33 لسنة 1966 الا بعد الغائه او تعديله ، مؤكدة مبدا ان التشريع لا يلغ او يعدل الا بتشريع يماثله في القوة القانونيةبالرغم من صدور دساتير قد تخالفه .

ان اقدام المحكمة على الغاء نص المادة ( ۳ ) بحجة مخالفتها لأحكام الدستور لا يستقيم مع نص المادة (۱۳۰) ، واذا سلمنا جدلا بعدم دستوريتها ، فان تشكيل المحكمة من القضاة فقط يخالفنص المادة ( 29/ثانياً) من الدستور لأنها اوجبت ان يكون من بين اعضاء المحكمة خبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون ، في حين لم يتضمن قانون المحكمة رقم ۳۰ لسنة 2005 الطعين ذلك .

ولذلك اسهمت المحكمة في احداث فراغا تشريعيا عطل اعمالها ، اذ انكر مجلس القضاء الأعلى عليها تعيين قاضي متقاعد بصفة احتياط محل آخر أحيل على التقاعد بناء على رغبته ، ، لعدم ترشحه من مجلس القضاء الأعلى حسبما جاء في المادة ( 3 ) من قانون المحكمة رقم ۳۰ لسنة 2005 محل الطعن كما سيأتي بيانه.

الأمر الثاني : لقد صدر قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 في سنة ۲۰۱۷ ، والذي فصل بين منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المحكمة الاتحادية العليا ، مما يعني أن رئيس المحكمة الاتحادية العليا كان يشغل منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى منذ نفاذ دستور 2005 في حزيران عام ۲۰۰6 لحين عام ۲۰۱۷ في حين أن دستور 2005 يفصل بين المنصبين ، مما يعني أن الفصل حصل بالتشريع العادي وليس الدستور ، واذا اسلمنا جدلا بسلامة منطق المحكمة الاتحادية العليا في الغاء المادة الثالثة ، لأنها صدرت في ظل قانون ادارة الدولة الذي الغي بدستور 2005 ، فأن هذا سيقود إلى نتيجة مفادها حتمية عدم دستورية اشغال رئيس المحكمة الاتحادية لمنصب رئيس مجلس القضاء الأعلى من 2005 إلى ۲۰۱۷ ، فضلا عن ذلك أن الغاء المادة الثالثة لعدم دستوريتها الغى ألية ترشيح بدلاء عن الأعضاءالمتقاعدين او المتوفين مع استمرارية عدم صدور قانون جديد للمحكمة استنادا الى دستور 2005 .

وعليه فقد احدثت المحكمة بإلغاء المادة الثالثة ثغرة كبيرة في نظامها القانوني لأنها قضمت النص ، واسهمت في الأغفال التشريعي الذي يتحمله مجلس النواب لعدم اقدامه على سن القانونالمحكمة الجديد .

رابعا: اثارة النزاع والفوضى داخل السلطة القضائية :

يعد ضربا من الغرابة تصور حدوث النزاع داخل جناح السلطة القضائية ، الا الهم حصول النزاع الموضوعي حول اختصاصاتها ، وهي مسألة قانونية موضوعية تحدث بين المحاكم ويتولى المشرع حلها بدقة من خلال تحديد اختصاصاتها من جهة ، وتشكيل هيئات تتولى الفصل في مسالة الاختصاص ، ماعدا ذلك من غير الممكن تحول الخلاف او النزاع داخل السلطة القضائية الى خلاف شخصي لأنها سلطة مستقلة مهنية محايدة لا تدخل طرفا في نزاع بل تتولى حله سواء حصل بين المؤسساتالدستورية من حكومة او برلمان او بين الأفراد العاديين او بين السلطة والأفراد .

الا ان الذي حدث من نزاع بين المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى يقض المضجع ويندى له الجبين ، اذ حادا عن سبيل القانون القويم ولجئا الى سبل لم يمنحهم القانون ایاها وسنعرض ذلك .

وقبل الولوج في التفاصيل نود التنويه إلى أن نظر المحكمة الاتحادية العليا بقانون مجلس القضاء الأعلى لم يتم للمرة الاولى في الدعوى ذي العدد (۱۹/اتحادية اعلام/۲۰۱۷) في 11/4/2017 ، اذ سبق للمحكمة أن نظرت في قانون مجلس القضاء الاعلى رقم ( ۱۱۲ ) لسنة ۲۰۱۲ وقضت بعدم دستوريته بحكمها ذي العدد ( ۸۷/اتحادية/ اعلام /۲۰۱۳) في 16/9/2013 بحجة اجراء مجلس النواب لتغيرات جوهرية في مواضع عدة جعلته يختلف كليا عن الأحكام التي تضمنها المشروع الأصلي المرسل من ديوان رئاسة الجمهورية .

وعودة على بدء ارسل مجلس القضاء الأعلى كتابه ذي العدد ( ۳۷۱ /مكتب ۲۰۱۹ ) في 17/3/2019 والذي بين فيه اعمار السادة قضاة المحكمة الاتحادية العليا بعدما اثارت احكام المحكمة ضجة صاخبة دفعت مجلس النواب للتفكير بابدالهم باخرين .

تبعها الطعن بدستورية نص المادة الثالثة من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم ۳۰ لسنة 2005 والذي قضت المحكمة بعدم دستوريتها والغائها بحكمها ذي العدد ۳۸ / اتحادية/ ۲۰۱۹ في 21/5/2019 .

مما اثار حفيظة مجلس القضاء الأعلى ليتولى الطعن بحكم المحكمة الاتحادية العليا سالف الذكر بطريق اعتراض الغير المنصوص عليه في المادة (224/1) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل ، وقد ردت المحكمة طعن المجلس لتعارضة مع نص المادة ( 94 ) من دستور 2005 والتي قضت بالزامية احكام المحكمة وبتاتها ، بحكمها ذي العدد 63 /اتحادية/ ۲۰۱۹ في 2/7/2019 .

وبعدها اقدمت المحكمة على ترشيح السيد م.ر.ك المحال على التقاعد والعضو الاحتياط في المحكمة ، عضو اصليا وصدر المرسوم الجمهوري ذي العدد 4 في 20/1/2020 ، بتعيينه ، بعد أن أحيل أحد الأعضاء الى التقاعد ، وقد دافعت المحكمة عن موقفها هذا بحكمها ذي العدد 15 / اتحادية / ۲۰۲۰ في 26/1/2020 .

وقد اعترض رئيس مجلس القضاء الأعلى على ذلك برفع دعوى أمام محكمة بداءة الكرخ خاصم فيها كل من رئيس المحكمة الاتحادية العليا ورئيس الجمهورية . وقد أصدرت المحكمة المذكورة حكمها ذي العدد 568 /ب/ ۲۰۲۰ في 9/2/2020 بعدم مشروعية المرسوم اعلاه ، ثم طعن كل من السيدين رئيس المحكمة الاتحادية العليا ورئيس الجمهورية تمييزاً بحكم محكمة البداءة أمام محكمة التمييز الاتحادية ، والتي أصدرت هيئتها العامة قرارها برد الطعنين وتصديق الحكم المميز ، معللة ذلك بان (… وازاء هذا الفراغ الدستوري والتشريعي لا يمكن معالجة هذا النقص بمخالفة وخطيئة دستورية وقانونية أخرى والتي تمثلت بترشيح ومن ثم تعيين القاضي المتقاعد محمد رجب الكبيسي عضواً اصلية في المحكمة الاتحادية العليا ويعد هذا الإجراء (الترشيح والتعيين ) باطلا والبطلان هو والعدم سواء . . .) .

هذا واقدم رئيس الجمهورية على سحب مرسوم تعيين السيد القاضي في المحكمة بموجب الكتاب ذي العدد ( ذ.و/1/42/1112 في 16/3/2020 ) علما أن مصطلح (السحب) ينصرف الى مكنة الادارة بسحب قرارتها غير المشروعة ، مما يعني التسليم فان المرسوم محل الخلاف مخالف لأحكام القانون .

لقد طفى السجال القانوني بين المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى على السطح القانوني وبدت ملامحه واضحة من تبدل مواقف المحكمة نفسها ازاء القضية الواحدة ، اذ الغت المحكمة قانون مجلس القضاء الأعلى رقم ۱۱۲ لسنة ۲۰۱۲ ناعية عليه ( حذفه ما كان منصوص عليه في المادة (۳/ثانيا) من مشروع القانون المرسل من ديوان الرئاسة ، وذلك بحذف دور مجلس القضاء الأعلى في ترشيح رئيس ونائب رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا )، وعندئذ كان رئيس المحكمة هو ذاته رئيس مجلس القضاء الأعلى مدافعا عن حق الأخير في ترشيح رئيس المحكمة ونائبه واعضائها ، في حين تحكم بعدم دستورية المادة الثالثة من قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 45 لسنة ۲۰۱۷ التي تمنح لمجلس القضاء الأعلى صلاحية ترشيح اعضاء المحكمة الاتحادية العليا من القضاة لتعارضها مع حكم الفقرتين (اولا) و (ثانيا) من المادة 92 من الدستور ، بعد فصل منصب رئيس المحكمة الاتحادية العليا عن رئيس مجلس القضاء الأعلى ، علی الرغم من نفاذية دستور 2005 على قانون مجلس القضاء الأعلى رقم ۱۱۲ لسنة ۲۰۱۲ الملغى وقانون المجلس رقم 45 لسنة ۲۰۱۷ ، وقد وكدت ذلك في حكمها ذي العدد ۳۸/اتحادية/۲۰۱۹ في 21/5/2019 ، عند الغائها نص المادة الثالثة من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم ۳۰ لسنة 2005 ، فهل من المنطق من شيء تبدل مواقف المحكمة في موضوع واحد وازاء نصوص دستورية واحدة بمجرد فصل المنصبين ؟! ، ولا يمكن تفسير ذلك بأنه عدول دستوري لان من شروطه أن يكون القاضي مستقلا راميا لتعديل الحكم ليواكب المستجدات .

لقد عمق توجه المحكمة هذا الخلاف مع مجلس القضاء الأعلى مما انعكس على المحكمة نفسها التي اقامت سدا منيعا تجاه المجلس مستعينة باختصاصها في فحص دستورية القوانين ، الا انها تناست ان تضع مخرجا لها في معالجة تقاعد اعضائها ، اذا كانت نتيجة الخلاف عدم قدرة المحكمة نفسها على ممارسة اختصاصها الهامة بعد احالة أحد اعضائها على التقاعد وعدم مشروعية تولي بديلا عنه ، وعدم قدرة تولى مجلس القضاء الأعلى ترشيح البديل لإلغاء المحكمة نص المادة ( 3 ) من قانونها، مع اغفال مجلس النواب اصدار قانون المحكمة الجديد او تعديل قانونها القديم ، مما يعني الوقوع في مأزق حقيقي اشبه بالانتحار سببه المحكمة نفسها ، نتج عن نزاع ادى الى الفشل فذهبت هيبة القضاء ودوره الرائد في حل النزاعات ادراج الرياح.

لذا نهيب بمجلس النواب تدارك هذه الفوضى وسن التشريعات اللازمة لاستمرارية عمل المحكمة ، كما نهيب بأعضاء المحكمة نفسها أن يلتفتوا إلى مهامهم الدستورية وينأوا بنفسهم عن الدخول في حومة الصراعات على المناصب وشغف التعلق بها ، فالقضاء يحيى ويخلد كلما كان ملاذا للمنتصفین معاذ للمستضعفين، لا تأخذه لومة لائم في احقاق الحق ، ولا يجامل زعيم ولا يهادن حاكم وما ذلك على قضاؤنا ببعيد .

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى