كتب الدكتور جبار صبري : كلمة يوم المسرح العالمي

بقلم الدكتور جبار صبري :
كلمة يوم المسرح العالمي
27 آذار
في عام 1988 انتهت الحرب هنا في العراق واندلع الناس الى الشوارع وكتب الكثير بين الخلجات رغبات مؤجلة وبدأت الاحلام تستيقظ بعد ثماني سنوات عجاف. كنت قد بلغت سن التعليم الجامعي وراحت اقدامي تركض الى المسرح اختيارا مني ليكون كل ما أحلم به وحين رأيت الخشبة أول مرة ادركت رعشة في صدري وتملكني الكثير من الخوف والحياء في آن واحد: ماذا يريد المسرح منا وماذا نريد من المسرح؟ ومرق صوت أحد رهبانه* بي: نحن اطباء. علينا ان نعالج قضايا الناس ومشكلاتهم. أخذتني الدهشة دقائق. بعدها احسست ان رسولا قد ولد في داخلي. رسولا همّه الوحيد ان يكون طبيبا خالصا للناس جميعا. لا أتذكر أنْ هطلت الدمعة مني هادئة باردة او هطلت كسكين حادة قطعت قلبي ألما . لا اتذكر ذلك ولكن ما اتذكره جيدا انني بكيت.
في المسرح وأنا تلميذه الصغير رأيت احد الطلبة** في قسم التمثيل وقبيل لحظات من العرض قد أخبروه ان عائلته جميعها ماتت الآن بحادث بشع. كان الجمهور قد أخذ مقاعده وهو ينتظر فرجته. ذلك الطالب- الممثل سكت برهة وحمل الغصّة كلها في قلبه الطري وقرر ان يعرض احتراما لجمهور المسرح. وحين اسدلت الستار وأتمّ مهمته الصغيرة أغمي عليه ولم يستيقظ من الاغماء الا بعد ثلاثة ايام. ورأيت الممثل الجنوبي الفقير*** الذي كان يلتزم بتمام الوقت والمسؤولية ليحضر تمارين العمل المسرحي وليس بين يديه من الصباح وحتى المنام الا رغيفين من الخبز: يأكل الاول نهارا ويأكل الثاني ليلا، ويسد من الرمق بذلك القليل ليشبع من المسرح بذلك الكثير من الاحترام والعطاء. ورأيت ثم رأيت حتى اقلقني ذلك السؤال: من أوحى الى هؤلاء بكل هذا الوجع النبيل.
وركضت بين يدي ذلك المخرج البيئي**** الذي يلملم نفسه كالتراب النظيف وهمّه ان يصرخ بصوت احدى شخصياته: حمادي الفقير: أمتي. أمي .. وتخرج حشرجات صوته من بعد عذاب ومن بين ضلوعه كأنه امرأة موشحة بذلك الحزن كله. موشحة بالجوع كله. موشحة بالفقر والمرض والسؤال. هو يبكي واسمع هسيس قلبه بالبكاء. هو يغني واسمع منه آذان الحرية. هو يركض وأنا أركض بل كنت أبكي. هو يئن وأنا اسمع وحي روحي بذلك الرسول العظيم الذي يكبر بداخلي.
ثم انني ادركت، من بعد، ذلك المخرج المجنون*****: لا يقول شيئا واضحا لكنه يجعلني ارغب ان أقول كل شيء. لا يعلمني شيئا لكنه يرشدني الى اسرار كل مفاتيح العلم. لا اتذكر منه حرفا واحدا من الممكن ان يقرّ في ذاكرتي. ولكن اتذكر منه انني ولدت من مسرح وخيال وسؤال وتجاوز. كانت خيوله جامحة، برية، متوحشة وبريئة في آن واحد. يُدخل الناس في قارورة عرض مسرحي ليجعلهم يصدقون انهم في طبقات من أعالي الرياح والسموات. كان الكثير يسخر منه: يا لجنونه المضحك. ولكني كنت كمن يبكي وهو يستلذ مرة ويلوذ مرة بذلك الجنون.
حتى اذا بلغ الحصار كل وجع منتصف تسعينيات القرن الماضي رحلت بعيدا عن رسالتي ونسيت بعضا من صور ذلك الرسول وباتت لقمة العيش تهرس الأيام والذكرى والوجود. كنت وحيدا أبكي. كنت وحيدا اقرأ ولا أقرأ. كنت وحيدا أكتب ولا أكتب: منْ رحل: المسرح رحل عني أم أنا رحلت عنه؟ وبمجرد ان سقط كابوس ذلك الوجع اللئيم نهض بي ذلك الصوت. نفض عني أغبرة الأيام والحسرات. عدت راكضا ألهث وراء روحي. عدت أسأل عني وعن ذلك الطبيب او ذلك الرسول الذي همّه ان يعالج قضايا ومشكلات الناس جميعا. وعدت أعاني: أعاني وكأنني أنا البشرية جمعاء. ما أجمل ان يعاني الانسان. ان وراء كل ذلك الألم انسانا يعاني لأجل ان يكون طبيبا، لأجل ان يكون رسولا.. هي هكذا..
كان الوقت لا يكفي ان يكون وقتا للقراءة والفهم والتوليد. وبالوقت الذي كنت اركض وراء المسرح لكي اعرف كل شيء من أجل ان اعالج كطبيب ماهر كل شيء كانت الحرب الطائفية تركض خلفي. وكانت الضحايا في الطرقات تمنعني من الوصول الى قسم المسرح: انا المرقن قيده يريد ان يكون طبيبا مسرحيا. ان الضحايا اسئلتي التي اريد الاجابة عنها وانني الزم نفسي بأمل المسرح ليكون وجهتي وأدواتي القادمة. كان الرصاص زخات من مطر وكانت القاعة: قاعة الدرس زخات من التزام ومسؤولية. كلما انقطعت الطريق بسبب الحرب الطائفية كلما زدت شوقا وركضا الى ذلك الحبيب: صوتي الداخلي. في المسرح.
أدهشني ثانية ذلك العجوز استاذ الاساتذة****** ينتظرني في قاعة الدرس ويصل قبلي. من أوحى الى هذا العجوز ان يخاطر بحياته وهو يمشي مثلي، بلا مركب، الى قاعة الدرس مسافات من الرصاص والخوف والقتل. من أوحى الى بقايا الطباشير ان تكتب على السبورة الهالكة والمتعبة كل هذا الحزن والدواء. من أوحى الى تلك البناية القديمة ان تصمد وتقف بكبرياء كل هذا الزمن الدامي. وبسؤالي لنفسي عمّن أوحى الى كل ذلك أكون قد عدت الى جرحي في الاجابة عنه: انه المسرح
انه المسرح وحسب: آه ما أعظم ان يولد الانسان مسرحيا. ما أعظم ذلك وأنا انتظر أمري الجامعي بنهاية تلميذي الصغير المولود فيه ذلك الرسول الصغير والذي يريد ان يبدأ عمله كطبيب لقضايا وهموم الناس: كان الى جنبي طبيبا ينتظر مثلي. ولكنه طبيب الاجساد لا الهموم. سألني بعد تعارف: ما اختصاصك؟ قلت له: المسرح. قال لي: سهل. قلت له: ما اختصاصك: قال لي طبيب جرّاح. قلت له: ما اسهل ذلك وما ايسره. تعجب كثيرا وانزعج كثيرا..
الآن انتهى الدرس. بل انتهى الجبل. وصلت الى نهاية قمته وبدأ العدّ عندي. الآن عليّ البدء. علي ان اتسلق ما بعد ذلك الجبل. نعم انتهى الدرس واكتمل بدر الايحاء وبلغت الروح آذان الرسالة وعليّ ان احمل صليب المسرح وانتظر دوري في الشهادة. أنا قارب كل العلوم والفنون انتظر دوري ان اكون نجدة الناس الى السلام والجمال. أنا الاقتصاد، أنا السياسة، أنا النفس، انا الاجتماع، أنا الادارة، أنا الفلسفة، أنا النقد، أنا اللغة، أنا الادب، أنا الموسيقى، أنا اللون، أنا الضوء، أنا الهندسة أنا التقنيات.. أنا كل ذلك واكثر. أنا ذلك الطبيب الدافئ الذي همّه ان يعالج قضايا وهموم الناس جميعا. أنا أعاني..
…………………………………..
*الاستاذ بهنام ميخائيل
** الطالب هادي علوان من مدينة الثورة في بغداد
*** الطالب حمود رزاق من محافظة الناصرية جنوب العراق
**** المخرج المسرحي عزيز خيون
***** الاستاذ والمخرج المسرحي صلاح القصب
\****** الاستاذ الكبير سامي عبد الحميد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى