مسرح غرفة الذات.. نحو مذهب مسرحي متكامل

بقلم _ د. جبار صبري.

مسرح غرفة الذات..
نحو مذهب مسرحي متكامل

الاهداء الى:
عبد المؤمن ورعي: كاتب مسرحي جزائري

شكر وعرفان الى:
الهيئة العربية للمسرح
د. أحمد حسن موسى/ مخرج مسرحي عراقي

الفصل الاول: الذات
محور1 – 10
الأنا + الوعي + الزمن الآني
تقدّر الأنا في وجودها او هويتها من تقدير وعيها، وهذا الوعي بكلّ الاحوال هو خاصية مفارقة للجسم، وهو يحرك الذات ويعلن عن ماهيتها وأنماطها وتوجهاتها وقبولها بالآخر او رفضه.. إذن، أن الأنا وعي او ارتباط بوعي، وهذا الارتباط مشروط دائما بآنية الارتباط. لكن ما يتعذر علينا اليوم هو الدخول المتلازم مع تلك الحلقة على نحو تفاعلي: الأنا + الوعي + الزمن الآني. إذ لو نظرنا إلى وجود الأنا لنظرنا إلى أن الارتباط بها من قبل الوعي لا يأتي من لحظتها الآنية بل يأتي من تبعية الماضي لها. آنذاك هي – أي الأنا – ترتبط بوعي ولكنها لا ترتبط بالحاضر الآني بقدر ما ترتبط به ماضويا وفي تلك مفارقة يمكن أن ينتج عنها:
– الاخلال بتوازن الشخصية.
– الانفصام المستمر عن الواقع.
– لا حضور لها اليوم بقدر ما لها في الماضي.
– مستلبة.
– غير قادرة على النمو فهي تعيش اللحظة المجترة والآسنة.
– تعيش تجليات ذات الفكرة ولا تعيش التفكير، وفي هذا انسلاخ وعيها الآني عن نفسها.
– تبعية بإفراط.
– منكفئة.
والأكثر اشْكالا من ذلك كلّه أن وعينا إزاء هويتنا بدلا من أن يكون في رؤية عامة تتماهى مع الوجود كلّه انكفأت تلك الرؤية إلى درجة أنها تريد ذلك الوعي منكفئا بما يماثلها حصرا. بنفسها وحسب. بـ نحن على نحو الاطلاق. بدالة جماعة محددة لا تستطيع التداخل او التفاعل مع بقية العالم أبدا. بنمطية من العقيدة او الايديولوجيا التي لا تقبل المساس او التغاير او الحوار او المصارحة والمكاشفة والنقد. بـ نحن المقدسة التي تبحث عن تجاوز للصيرورة. أنها تغلف نفسها بإطار من التقديس المغلق والذي لا يمكن الشك به او وجود الآخر البديل او المنافس عنه. بتلك الـ نحن التي هي الله في صورة جماعة تقبل وترفض بما هو مؤيد ومتماثل مع الله او هو العدو.
إن انقطاع تلك الأنا عن التفكير بوصف أن ذلك التفكير يشكّل بذاته الدالة والمصداق على وجودي او وجود الأنا عموما وحضورها الآن يعدّ انقطاعا تاما عن الآخر. إن الآخر وجود، ولمّا تخلّيت أنا عن وجودي بالضرورة تخلّيت عن وجود الآخر. ونحن اليوم أشد ما نعانيه هو نقصان التفكير الذي من شأنه أن يكون نقصا في الوجود او الحضور. وبالتالي هو نقصان لتوافر مفهوم الآخر فينا. وهذا ما يجعلنا دائما ننظر إلى الآخر على أنه العدو المزمن والذي يمكن أن نكفره او نقمعه او نقهره متى ما تسنى لنا ذلك.
وبالقول إن التفكير دالة عاقل. دالة الشخصية التي تعي الكائن الفرد فيها وتعي محيطها وغيرها في آن واحد، وهي بذلك تعي حريتها أيضا وبما يؤمن ذلك كلّه أن تجد الشخصية مقدارا فاضلا من الأخلاق من أجل أن تجعل ذلك المقدار لغة ارتباط وترابط فيما بينها وبين الكائنات الأخرى في السلسلة والنسق. وبما يجعل من تلك الأخلاق مستلزمات علاقة ناجحة فيما بين الفرد وهو يحقق هويته وفيما بين الآخر دون أن يفهم او ينمّط ذلك الآخر بصورة عدو ومناوئ في هذا العالم المتكون منه ومن ذلك الآخر.
من هنا يكون وعينا قد لازم مبدأ الوجود بالأخلاق وهذا المبدأ من شأنه أن يمنحنا القدرة والرؤية على احترام ذواتنا من خلال احترام المحيط التي تتمثله وجودا واعتبارا واحترام الآخر بوصفه مادة العلاقة القائمة بالتفاعل على نحو ايجابي بينها وبين ذلك الآخر. ومن هنا يكون عقدنا الأخلاقي قيمة تؤكد على جميع الاطراف في هذا الوجود على احترام الموجودات كلّها وإن اختلفت فكرة او شكلا او عقيدة طالما أن رهان ذلك الوجود يحضر من رهان توافر الأخلاق كوضع قيمي بين الاطراف جميعا.
هذا يعني أننا إذ نعي حريتنا كتعبير عن فرادة هويتنا الخاصة نعي أيضا الواجب الاخلاقي المترتب في ضوء تلك الحرية، وأن مقتضى هذا الواجب هو المحيط والآخر. وبالتالي أن عملنا على تحقيق هويتنا لا ينشأ بمعزل عن واجبنا الاخلاقي مع الآخر وامكان بناء علاقة وطيدة بمستطاعها أن تملأ الطرفين ( الأنا والآخر ) بقيمة الاحترام وتبادل تلك القيمة كلّ وقت.
إنني لا أعرف نفسي ولكن استطيع أن أتعرف عليّ في حال أنني استطيع التعرف على الآخر. إنني هكذا كلّما توصلت إلى معرفة الآخر كلّما توصلت إلى معرفة نفسي. آنذاك بمجرد بلوغ تلك المعرفة اكون قد عرفت حدودي أولا واكون قد اكتسبت حريتي ثانيا، وهذا سوف يكون مدعاة لتكوين علاقة ايجابية دالة تؤكد أن الآخر هو السبب الرئيس الذي ألهمني القدرة لكي أتعرف على ذاتي وأعمل على تحديد كينونتها وتحديد هويتها، والأهم بلوغها مرام حريتها كفرد متفرد في هذا العالم وله كامل الخصوصية مثلما له الوسيلة والامكان التي تعمل على ترابطه مع غيره.
ما أشكله على نفسي إذن، يبدأ مما أشكله على وعي بنفسي إذا كانت سنواتي وأيامي وعلاقاتي كلها مشوبة بالفوضى وعدم الفهم بل مشوبة بالكثير من القطائع والحروب ومعاداة الآخر والتقهقر في كياني وحريتي واستقلالي ومصيري وانني مازلت أحظى بلا رغبة بالمستقبل ومازلت منكسر الرقبة والرؤية باتجاه بدائية تفكيري والتي أصبحت شعارا وهدافا مزعجا لي يقوم على تكفير غيري. كلّ ذلك أشكله من خلال ما أشكل على وعي بي. وعي من شأنه أن يبلغ تعريفا محددا لذاتي ويعطيها الصفات المقاربة مع الآن والمحيط والوجهة او المسار على أقل تقدير.
ومسألة الوعي بالذات تمرّ من حقلين متغايرين ونتائجهما واضحة في التقاطع او التقارب فيما بيني وبين الآخر:
– الوعي بالذات من خلال الذات حصرا، وهذا ما يحدث لنا اليوم. بل ما يحدث بالذات للشخصية التي تنطوي على الارهاب او سلوك الارهاب. إنها لا تستطيع أن تدل على ذاتها إلا من ذاتها وهي بذلك تشكل لنفسها وعيا أعمى. وعيا لا يدرك من هذا العالم إلا صورته الجامدة التي هي الصورة المفرغة من أية علاقة مع آخر. ولمّا كان العالم في أصله بناء على التعدد والاختلاف كانت تلك الشخصية قد انكفأت في الرؤية والمعاملة على ما تقوقعت عليه من رؤية وما انتهت إليه من فكرة او صورة او قيمة. وبالتالي هي عمياء من كلّ تعدد او آخر او علاقة لذلك هي لا ترى إلا نفسها المقدسة والاحادية الطريق والمصير وهي بذلك لا تجد في الآخر إلا صورة العدو الثابت..
– الوعي بالذات من خلال الآخر وهذا ما لم نتوصل إليه بعد. الأمر الذي جعلنا نتخبط في لون واحد وهدف واحد وهوية تكاد أن تكون سوداء لأنها لا ترى في تركيبها الوجود او العناصر او الألوان الأخرى وهو ما يجعلنا نجتر ونعيد ما رأيناه أول مرة وما لم نتخط قدرتنا تلك الاولى في الرؤية واعتبرنا تلك الرؤية من البداهة والتقديس أنها اكتمال المعرفة بذواتنا، ومن هنا يتجلى خطر انعدام معرفتنا او انعدام وعينا الا بتلك الرؤية السوداء الجامدة التي تصنف العالم إلى أنا وغيري العدو..
إنني وعبر قرون لم أنتظر رأي الآخر بي. لم اتكلف أن أفحص او التقط تلك الصورة التي وضعني الآخر فيها. وبالتالي صارت عيني التي تستقصي ذاتي لا ترى أبعد من تفكيري أنا بها. من صورتي لصورتي بالتحديد. إن فكرتي بالتفاعل مع غيري لم تجد النور بعد. وبدلا من التفاعل مع المحيط والآخر من أجل أن أعرف نفسي صرت أوهم نفسي بصورتي وذات المرآة بي بأنها تكفل او تؤدي وحدها التعريف بذاتي. وإن هذا التعريف هو مدار معرفتي، وأن ذلك المدار هو سلطتي التي ترى أن الذات ذاتي مركز نور من غير تفاعل او علاقة مع آخر وأن غيرها بالضرورة هامش عماء.
المسألة هنا هي مسألة ادراك الذات: إنني اليوم وكلّ تلك التجربة القرنية أجد أنني أدرك ذاتي من خلال ذاتي حصرا وأن هذا الادراك الاعور هو اعتراف بي. اعتراف بوجودي وهويتي على الرغم من أنه تدوير رؤية احادية النظر. على الرغم من أنه بالنتيجة لا يمنحني تصور وجودي بعين الآخر. لا يفتح لي المجال لأن استكشف نفسي من خلال غيري. مما يتطلب الأمر هنا أن لا أجد قيمة لاعتراف غيري بي واعتقد أن ذلك الاعتراف غير ضروري وهو ابتعاد يؤرقني على انتقاص هويتي التي تأطرت بها ابدا وقدستها إلى حدّ الافراط والتطرف.
أنا وعي والآخر وعي، والعالم بمقدار ما هو مرآة بمقدار ما هو اختلاف وتعدد. ولكن لسوء حظي في التقدير والعمل لم أتفاعل مع ذلك الآخر. لم أتقبل أن يكون سلطة ومعرفة من شأنها الاعتراف بي وتحديد كنهي في هذا العالم. وهذا السوء الذي يلازمني طوال كلّ تلك القرون أسهم كثيرا في:
• عماء ذاتي
• تدوير هويتي
• انكفاء مزمن
• عوق فكري
• افهم وجودي بالقطيعة لا الاتصال
• غير متفاعل
• غير منتج
• ثبات زمني الدوري
• الآخر عدو
إنني دائما أخشى التفكير بذاتي. بل أنني دائما أقدس ذاتي إلى درجة لا اريد مراجعتي لها او نقدها او مجرد اعادة التفكير بها. لا اريد ذلك. لقد اكتفيت بالقول البديهي: أنا أنا. وقولي هذا عاين وجود الآخر مصدر تهديد طالما أنه ليس من جنس او صفات او مماثلة تلك الأنا. طالما أن الاعتراف بوجود الآخر او اعتراف الآخر بوجودي يعني ضربا من التبعية له. ولكي أتخلص من تلك التبعية وأصير سيد نفسي وأمتلئ بالسلطة والوحدة كان ينبغي عليّ أن لا أعترف بذلك الآخر وجودا او هوية..
إذن، لنعترف أن وعينا بذاتنا – طالما أنه لم يأت من التفاعل او اعتراف الآخر بنا – يعدّ وعيا منقوصا او منحرفا او غير متزن بذاتنا. وبالتالي اذا كانت ذاتي أصلا غير متزنة فان النُظم التي تلتف حولها بسببها او تتوارد إليها من خارجها غير قادرة أن تكون متزنة وعدم قدرتها تؤدي بها إلى هلاكها باستمرار. ولا يتأتى هذا الهلاك من موتها، جسمانيا او ماديا، بل يتأتى من ملازمة افتقارها للنمو والسوية والتطور والانتاج والحضور والمفاعلة. وكلّ ذلك وغيره نتلمسه اليوم في واقعنا المعيش ونلحظ الفجوة الكبيرة الفاصلة بين ذواتنا غير المتزنة وبين الآخر الذي شبع بالإنتـاج والتـوازن والنمو المطرد الذي يعبّر عن قوته مثلما يعبّر عن وحدته واتزانه.
إن مقدار وعينا لذاتنا والكيف الذي نعي به ذاتنا هو مقدار او كيف ادارة سلوكنا ازاء انفسنا او جماعاتنا او ازاء الآخر الماثل البعيد عنا. من هنا يعدّ الوعي بالذات مركز ادارة. مركز توجيه الذات. إن وعينا بذاتنا يشكل جهاز سيطرة. تحديد منافذ السلوك لنا او فينا او علينا او مع غيرنا. قدرة على تمثيل الذات مع الكائنات الأخرى. قدرة على مسايرة واتخاذ قرار. كلّ ذلك يفتح أمامنا طريق الاختيار: هذا الاختيار هو الذي سوف يحدد نتائج وجود تلك الذات وهويتها. حربها وسلمها. قبولها او رفضها. وهكذا لا يكون ذلك الاختيار سويا فاعلا ومؤثرا على نحو ايجابي لإدارة الذات او إدارة العالم المحيط وإدارة نموذج العلاقة مع كلّ آخر الا بمقدار ذلك الوعي بذاتنا واختيار جهة الوعي: من داخل الذات إلى الذات او من خارجها عبر الآخر.
لا يؤثر ذلك الوعي بالمجال القيمي الموجّه لكلّ سلوكيات الذات وحسب. بل أيضا له علاقة بتوجيه الغرائز وفرض إرادته عليها اشباعا او تجويعا. إنه يعمل على ترويض تلك الغرائز بما يؤمّن اتزانها في إدارة شأنها وتأثيرها على الذات من جهة، والعالم المحيط بها من جهة ثانية. وهذا بدوره يؤكد حضور الأنا على نحو متزن وفاعل طالما كانت الغرائز محلّ قيادة وسيطرة من قبل جهاز الوعي بالذات وتمثلها القيمي السليم والذي يفرض عليها توازنات في تحقيق الرغبات والميولات وغيرها.
هذا يعني أن مشكلتنا اليوم وتحديدا بعد الكشوفات الأولية للقرن الحادي والعشرين تتلخص في مسألة ادراكنا لذاتنا. ادراك الذات مشْكل وجودنا اليوم. مشْكل تهمتنا الحضارية او الدينية او السلمية. إن تقدير ادراكنا لتلك الذات هو قطب المشْكل الرئيس الذي يلزمنا بإعادة النظر فيه او اعادة انتاجه من جديد بما يغيّر فيه بوصلة المتجه او البقاء عليه انموذجا فاعلا سواء كان سلبيا او ايجابيا. إن ادراكنا لذاتنا هو اسلوبنا بالتعبير عنها. ثمة تطابق. ثمة اختيار وإرادة تمثيل الهوية ازاء منظور ذلك الاختيار. وبالنتيجة ما نحن عليه اليوم هو اسلوبنا وثمار ما نقطف من ذلك الاسلوب من تقهقر في الوجود والحضور والعلاقة بل ما نحصل عليه من انكماش وتدهور في الخطاب والحضارة والموقف.
كذلك أن ذلك الاسلوب من شأنه أن يمايز فينا صفاتنا الظاهرة والتي هي تعبير مباشر وملموس عن وعينا او هويتنا في آن واحد. إنه يمنح الآخر القدرة على تحديد خصائص ذواتنا مثلما يرينا وضعنا او صورتنا المثالية التي انطوت عليها تلك الخصائص: نقص مزمن في الهوية والحرية والحضور. وبالتالي هو النقص الملازم للفرد فينا الذي وجد ذات مثاقفة مغلوطة أن خصائصه التي يتمتع بها للتعبير بها عن نفسه وهي محلّ اسلوبه، هي ذاتها محلّ أشكال يدفع به كلّ يوم إلى التهلكة والمصير الأسوأ. ويدفع به إلى الانتحار المجاني الذي نصادفه كل يوم على شكل موجة من القتل الجماعي والابادة العامة او التجويع او الفقر او الخوف او الاستهلاك العقيم او غياب الرؤية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى