من الاقطاعيات السياسية الى الفوضى الحزبية

محمد عبد الجبار الشبوط..
اذا كانت الاقطاعيات السياسية عقبة في طريق الدولة الحضارية الحديثة، فان التعددية الحزبية المفرطة عقبة اخرى. واذا كانت الاقطاعيات السياسية تعبر عن عدم الايمان بالديمقراطية، فان التعددية الحزبية المفرطة تعبر عن عدم الفهم السليم للديمقراطية.
اقول هذا الكلام القاسي بعض الشيء بمناسبة وصول عدد الاحزاب المسجلة حتى اللحظة ٤١٣ حزبا، ومازال الباب مفتوحا لتسجيل المزيد من الاحزاب.
منذ فترة ليست بالقصيرة ونحن نشهد ارتباكات في المفاهيم والشعارات والممارسات لا تقل خطورة عن عيوب التاسيس التي ظهرت بعد سقوط النظام الدكتاتوري المتخلف. واذا كان الناس عبروا عن عدم رضاهم عن النظام السياسي الذي قام بعد ذلك، فان البديل الذي توحي به هذه الشعارات والمفاهيم لا يقل عيبا عما سبقه، لان الشعارات والمفاهيم الجديدة لا تنطلق من رؤية علمية للمشكلة، في اطار تصور للدولة الحضارية الحديثة.
من هذه الارتباكات على سبيل المثال سوء الفهم والتفسير لشعار “المجرّب لا يجرب”، وتعميمه بشكل خاطيء ليشمل المجرّب الصالح. وسوء التفسير لشعار “شلع قلع” وشموله للخبرات المتراكمة التي لا يصح التفريط بها. وسوء فهم الانتخاب الفردي وتفسيره بانه يعني رفض الاحزاب والمرشح الحزبي، واذا بنا نفاجأ بان عدد الاحزاب الجديدة فاق عدد الاحزاب القديمة. هذه تناقضات وارباكات واساءة فهم لتفاصيل العمل السياسي لا تبشر بالخير، ولا تدل على اننا على وشك الانتقال الى مرحلة اكثر رشدا ونضجا في العمل السياسي وخاصة فيما يتعلق بالادارة الديمقراطية للانتخابات.
ان الاحزاب احدى ضرورات الديمقراطية السليمة. ولا يمكن تصور مسرح سياسي ديمقراطي بدون احزاب سياسية. وهذا لا يتعارض مع الانتخاب الفردي. فان هذا المبدأ يعني عدم ترشيح قوائم بالجملة، وانما تقديم مرشحين بالمفرد. ويستطيع حزب واحد ان يقدم مرشحيه بصورة فردية حسب الدوائر الانتخابية المعتمدة. (الصورة المثالية لذلك كما قلنا اكثر من مرة ان يكون لكل دائرة نائب واحد لا اكثر). كل هذا بشرط ان يكون عدد الاحزاب “معقولا”. ونحن نقول ان عدد الاحزاب في كل الانتخابات الماضية لم يكن معقولا، ولكن في هذه المرة دخل عدد الاحزاب دائرة اللامعقول.
واذا كان الجمهور غير راض او غير مقتنع بالاحزاب التقليدية، او احزاب السلطة، فان عليه ان يقدم حزبا بديلا قادرا على تولي السلطة وادارة البلاد بشكل يؤدي الى قيام الدولة الحضارية الحديثة، اذْ لا معنى لتغيير الحكام باشخاص غيرهم، ولكن بنفس العقلية والطريقة. وهذا لا يتحقق بهذا العدد اللامعقول من الاحزاب المتنافسة في الانتخابات. صحيح ان احد الاحزاب التقليدية المشاركة حاليا بالحكم اعلن انه يخطط لتولي منصب رئيس الوزراء عن طريق الفوز باغلبية مقاعد البرلمان، لكن البقية الباقية ذهبوا الى تشكيل مئات الاحزاب، وهذه وصفة مبكرة بالفشل.
الانتخاب الفردي لا يعني العدد المفرط من الاحزاب، انما يعني عددا معقولا من الاحزاب تقدم مرشحيين فرديين في الدوائر الانتخابية المختلفة. ويكون هؤلاء متفقين على برنامج عملي للحكومة، وربما، وهذا افضل، متفقين على مرشح بعينه لرئاسة مجلس الوزراء. ويكون من الافضل ان يعلن اسم هذا المرشح مع بدء الحملة الانتخابية لكي يعرف الناخبون ان تصويتهم لهذا المرشح الفردي على مستوى الدائرة الانتخابية يعني تصويتهم للمرشح الجماعي لرئاسة مجلس الوزراء.
مازال الوقت مبكرا، لكن الفسحة الزمنية ضيقة، من اجل ان يجري العمل على تقليص هذا العدد المفرط من الاحزاب بتحالف او ائتلاف انتخابي واحد يقدم عددا من المرشحين بقدر العدد المخصص للدائرة الانتخابية وبذلك يضمن ان يحافظ على الاصوات من التشدد وربما يضمن الفوز، والا فهي فوضى حزبية لا جدوى منها.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار