التراكمية في منظومة القيم العليا

محمد عبد الجبار الشبوط :
مرت في العاشر من هذا الشهر ذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي تبنته الامم المتحدة في عام ١٩٤٨، وهو احد ثلاث وثائق تسمى “لائحة الحقوق الدولية”. والوثيقتان الاخريان هما: وثيقة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من سنة 1966، ووثيقة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من سنة 1966.
ويمثل وصول البشرية الى صياغة هذه الوثائق المهمة، بعد حوالي ١٢ الف سنة من التجارب والحروب والانتكاسات والانجازات والتضحيات، وبخاصة الحرب العالمية الثانية، اضافة مهمة في المسيرة التراكمية لمنظومة القيم العليا الحافة بعناصر المركب الحضاري الخمسة، والانسان اولها ومحورها. فالحضارة الانسانية التي شهدت بلاد الرافدين انبلاج فجرها الاول تدور مدار القيم العليا الحاكمة والموجهة لحركة المركب الحضاري وتفاعل عناصره، اي الانسان والطبيعة والزمن والعلم والعمل. وما الحضارة الانسانية الا نتاج هذه الحركة.
لم تولد منظومة القيم العليا في لحظة واحدة محددة ضمن حركة التاريخ الانساني، انما شكلت سيرورة تاريخية بدأت منذ اعلن الله المفردة الاولى في هذه المنظومة وهي “كرامة الانسان” كما يروي القران الكريم في الاية التالية:”وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”. وهذا ما يدفعني الى القول بان الله هو اول من اعلن مبدأ “حقوق الانسان”، ثم واصل الانبياء الذين ظهروا على طول مرحلة النبوات في تاريخ البشرية والتي انتهت قبل حوالي ١٤٠٠ سنة بناء منظومة القيم العليا كل بحسب مرحلته. واما الذين لا يؤمنون بالله ورسله فسوف يخسرون دون ضرورة المساهمات الكبرى للوحي الالهي في تثبيت حقوق الانسان.
وفي هذه الاثناء كان رجال عظام من المفكرين والفلاسفة والثوار والكتاب وغيرهم، امثال اوروكاجينا وحمورابي وافلاطون وارسطو وكونوفوشيوس وبوذا وعلي بن الحسين وماركس وروسو وراولز وغيرهم، يضيفون في كل عصر المزيد من اللبنات الى منظومة القيم العليا للمركب الحضاري، حتى وصلت الى ما وصلت اليه في القرن العشرين. لكن الطريق مازال طويلا والباب مازال مفتوحا لاضافة المزيد من القيم الى منظومتها العالمية، وصولا الى لحظة اتفاق البشرية قاطبة الى الاتفاق على منظومة قيم عليا تشمل كل عناصر المركب الحضاري وليس الانسان وحده. واستقراءً لمسيرة البشرية عبر الاف السنين، يمكننا القول ان تبلور المنظومة العالمية للقيم العليا يمثل اتجاها تاريخا حاكما لهذه المسيرة، ما يعني ان البشرية سوف تصل الى مرحلة التوحد حول قيمها العليا في المستقبل، سواء كان هذا المستقبل بعيدا او قريبا. وضمن هذا السير التكاملي والتوحيدي سوف تكون الغلبة والسيادة للقيم الانسانية المشتركة، ومعها تتراجع القدرة التقسيمية للتوجهات الانعزالية والمتشددة والعصبوية والفئوية في المجتمع البشري. ومثلها الاستقطابات الحادة بين الديني والعلماني، والعالمي والمحلي، وغير ذلك، لان القيم الانسانية واحدة ومشتركة في الاساس. وهذا ما يمكن استلهامه من الاية القرانية التي تقول: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”. مع ملاحظة ان هذه الاية تقول في نهايتها “وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”، وكان هذا قبل حوالي ١٤٤٠ سنة، وقد تغير الحال الان وتقلصت هذه “الاكثرية التي لا تعلم” كثيرا، والدليل على ذلك اتفاق البشرية الان على لائحة الحقوق الدولية.
ومن اجل تعميق هذا الوعي، لابد ان يبتنى النظام التربوي التعليمي في هدي منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة.

أخبار ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار