تلخيص كتاب: المجال الصفري

دكتور جبار صبري
تلخيص كتاب:
المجال الصفري
ميتا فلسفة لمرحلة ما بعد / بعد الحداثة
لا شيء غيـر الخطـاب ، ذلك المتعالـي الاول ، الفوقـاني ، الرقيب والموجه المطلق ، والمؤثر الموجب ، اللامتناهي، الخارج من الاشياء بدواعي القبلية ، المتواجد في الاشياء بدواعي التأصيل ، الثابت الذي يرى في غيره التحول ، والاساس الذي تنبثق عنه الاشياء كلها . سر الاسرار، وغاية الغايات ، الذي يحرك الاشياء من غير ما حركـة منه . المنفصل عنها ، والمتصل فيها في آن واحد . المرجع الذي تؤول اليه الاشياء والحوادث .
اذن ، الخطاب هو الاصل ، ومنه تفتعل القطاعات الاخرى ، تتفاعل ، تنبثق في تشكّلاتها ، تتصير في البناء والحوادث ، تكون ، تتهيكل دواخلها مثلما تتهيكل علاقاتها. انه يشفرن نفسه مثلما يشفرن ما حوله . ليس للفن او الادب او السياسة او الاجتماع او الاقتصاد .. والعوالم برمتها الا الانضواء تحت لواءه . تحت مسمّيات عناوينه الاولى . انها تتأبط شفراته وتنصاع الى حركة رموزه . تتشيأ من حيث تطلعاته . وتتجسم من حيث ممكنات تجريداته . السابق بغاية التغلغل في اللاحق . رسم صورته . يخطط لنا الطرق . ويدفع بنا بالاتجاهات . هو تجريد اول يؤثر بكل تجسيد ثان .
وبمعادلات تمرحلية كان الخطاب :
اولا: الميتافيزيقا / المرحلة الفكرية الاولى
وهي مجرد اول + تعبير + مجسد ثان = دلالة موجبة وسالبة . أي انها حركة من الانفصال والاتصال في آن واحد . ذلك على اساس ان الوعي / مجرد بوساطة اللغة / مجسد يتصل بالواقع / مجسد لإنتاج دلالة . أي تشكيل معنى لما كان او يكون .
اذن، الميتافيزيقا هي :
{( الوعي) مدلول / اول+ }+{دال/ثان- (دال اللغة- {+} دال الواقع-)} = دلالة +
تتراتب المعادلة الميتافيزيقية على نحو :
– المدلول/ اولا ، مطلقا ، موجبا ، مكتفيا بذاته ، متخارجا ، اصلا للأشياء كلها.
– الدال1 / ثانيا ، وسيطا ، ثانويا ، هامشيا ، وسيلة ، اداة نقل مجسدة للتعبير عن اداة حضور مجردة / الوعي ( المدلول)، تتصل بالفكر وتنفصل عنه لترتبط بالواقع.
– الدال2 /ثانيا ، ثانويا ، هامشيا ، ليس بمقدوره ان يشكل معنى ، مجسدا يحاكي ما هو مجرد ، تابعا .
هذا يعني ان رابط الاتصال والتواصل هو مثلث الابعاد الذي اضلاعه :
ضلع1: الفكر(الوعي)/مجرد.
ضلع2: اللغة/ مجسد .
ضلع3: الواقع / مجسد.
هذا المثلث هو معادل تواصلي / تناظري مع مثلث الاتصال الجاكوبسوني : مرسل – رسالة – مرسل اليه .
اذن، الميتافيزيقا هي صناعة مثلث اتصالي ، يرتهن بالأضلاع الثلاثة اعلاه، وكل خطاب يبدو انه من نوع هذه الصناعة . يتأكد بها ، ويؤكد فعله ، شفراته ، فيها .
يتبين من هذه المعادلات :
1 – ان الخارج / الوعي هو الذي يشكل الداخل / الواقع بوساطة اللغة .
2 – ان المسافة متباعدة ما بين اطراف لعبة الاتصال على اعتبار ان الوعي منفصل / متعال ومتصل ايضا بما هو غير متعال .
3 – البطل في قيادة المعنى ينحصر في المرسل / المؤلف . انه المعنى الحقيقي الواحد المتوحد .
4 – ان الوعي المتخارج متناغم لأنه كلي مطلق ، لذلك كل ما يصدر عنه منسجم متوحد يعيش في قالب الهارمونية ، ويعيش المنطق والوضوح .
5 – ان جميع الاجزاء غير الداخلة في الوعي هي اجزاء مضطربة ، مختلفة ، وبوساطة الوعي سوف تنسجم .
6 – النظام تراتبي .
7 – المجسد صورة ثانوية عن المجرد الذي هو صورة اولية .
8 – ثنائية العالم : المطلق والنسبي او الثابت والمتغير .
9 – المرجع المتعالي اساس الوجود .
10 – الماضي اساس الزمنية .
11 – الخطاب مكاني .
نستنتج من ذلـك ان المتخارج عن الزمان والمكان هو الموضوعي . هو المدلول / الوعي الاولي ، وان الداخل في الزمان والمكان هو الذاتي . هو الدال / اللغة + الواقع الثانوي . وليس للثانوي الا التشبه بالأولي . وهذا سيؤكد ان الحقيقي هو متجاوز في حضوره عن اللاحقيقي . من هنا تبدو اللغة او الواقع في زيف وتواضع امام الفكر . مما دعا (ديكارت) ان يشفرن الوجود بقانون ثابت : انا افكر اذن، انا موجود .
ثانيا : الحداثة / المرحلة الفكرية الثانية ، 1850م
تبدأ الحداثة من شرط تطابق المجسد الاول / اللغة مع المجسد الثاني / الواقع ، وذلك لإنتاج دلالة موجبة ، مكتفية بذاتها . أي هي حركة اتصال وتلاحم بين اداة التعبير واداة الواقع . انها دماغ اللغة في الواقع او دماغ الواقع في اللغة . كلاهما كائنان ينعكس احدهما على الاخر انعكاسا تطابقيا تكامليا في آن واحد بغية تمثيل المعنى وامساك الفهم .
انها لعبة من الاتصال / الاتصال واستبعاد المتخارج عنهما . هنا يكون الوعي / الشرط الاولي السابق في عزلة عن انتاج الخطاب والبرهنة عليه او الوقوف عنده . عزلة لاتقر اليها المسؤولية . بل تضعها في عقل اللغة المتشكّل من ( الدال والمدلول )، وعقل الواقع المتشكل ،ذ ايضا، من ( الدال والمدلول). ولكن على اعتبار ان مدلول اللغة او مدلول الواقع ليسا متخارجين عن لعبة الاتصال والتواصل. بل هما تعبيران فيزيقيان، وحقيقتان علميتان لهذا الوجود . سيكون اطارهما النقد بفرض ذات عاقلة تكون معيارا ، نموذجا ، اصلا لكل معنى، وصولا الى الفهم .
اذن :
اللغة/ مجسد+ {+} الواقع/ مجسد+ = دلالة مجسدة+
بشكل آخر تكون المعادلة :
[ دال + مدلول (اللغة)] + [ دال + مدلول ( الواقع )] = دلالة موجبة
مع ملاحظة ان :
أ – اللغة تمثل الواقع وتفرض وعيا.
ب – الواقع يمثل اللغة ويفرض وعيا.
ج – الانعكاس شرطهما الاساس .
تؤكد المعادلة تجاوزها على كل متخارج ، وان الحقيقة الموضوعية هي الحقيقة الداخلية في مدار الوعي وليست الخارجة عنه . مما يعني التصاق اللغة ، بمدارها الموضوعي / الارضي بالواقع، بمداره الموضوعي / الارضي .
وهذا يعني ان اللغة / الواقع هي شكل من اشكال الواقع / اللغة . ويعني ايضا ان تمظهر الدال في اللغة هو حقيقة من تمظهر الدال في الواقع . بل لا يمكن الفصل بينهما طالما اشترطا التماثل والتطابق والانعكاس على بعضهما البعض . كل لغة هي واقع وكل واقع هو لغة .
اذن ، الحداثة هي حاصل جمع مدلول موجب مجرد ناتج عن التقاء دال اللغة بمدلولها مع مدلول موجب مجرد ناتج عن التقاء دال الواقع بمدلوله في اللحظة والآن من التعبير والتطابق المجسد .
من هنا اهملت الحداثة العقل الاول/ الفكر الخارجي بمسمى الموضوعي المطلق، وانزلت فرس الرهان على الذات العاقلة لتختبر وجودها من بين دماغ اللغة ودماغ الواقع لتأصيل معرفة الذات من الداخل في اتصال الطرفين : اللغة والواقع .
اذن ، كل مجسد نسبي / لغة في حال اجتماعه بمجسد نسبي اخر / الواقع سينتج بالضرورة مجرد مكتف بذاته يعمل على تطابق الهوية والمعنى . وهذا ما يؤكد حضور الدلالة الموجبة في اتصال وتواصل متطابقين وموجبين .
تتراتب المعادلة الحداثوية على نحو :
1 – دال اللغة / اولا
2 – دال الواقع / اولا
3 – انعكاس دال اللغة على مدلول الواقع هو ذاته انعكاس دال الواقع على مدلول اللغة
أذن ، رابط الاتصال في المثلث سيكون :
الضلع الاول : اللغة
الضلع الثاني : الواقع
نتبين من هذه المعادلات :
1. – استبعاد المتخارج عن لعبة الاتصال / الوعي الأول ـــ المطلق
2- اللغة تتصل بالواقع اتصالاً تاماً . يطابق ما بين الهوية وبين المعنى والعكس أيضا صحيح .
3- مازالت المسافة متباعدة من حيث الاتصال على اعتبار ان هناك وعياً سابقاً منفصلاً عن هذه اللعبة مثلما هناك وعيا لاحقا منفصلا عن هذه اللعبة .
1. – التعضّي ( من العضوية ) وبناء العلاقات أصلا لكشف المعنى وتحقيق الفهم .
2. – الوحدة الكلية للأجزاء هي مدار المعنى ..
3. – الرسالة / النص هي البطل الاوحد الذي يقود سلطة انتاج المعنى .
4. – الحقيقة ، الذات الموضوعية ، علمية ونقدية الاشياء هي التي تجعل من جميع الاجزاء المضطربة في تناغم وانسجام ووحدوية متماسكة.
5. – النظام تراتبي .
6. – ثنائية العالم : حقيقة علمية ــ لا حقيقة.
10- اتحاد المجرد بالمجسد وتطابقه.
11- الذات /الانسان مرجع اول .
12- الحاضر اساس الزمنية .
13- الخطاب مكاني .
14- الانعكاس اصلا لتمظهر الاشياء .
نستنتج من ذلك ان الداخل في الزمان والمكان هو الموضوعي / الحقيقي ، وان الخارج عنهما ، والمنفصل ، هو الغائب اللاموضوعي / اللاحقيقي، وهذا سوف يمنح الحضور للذات اولوية في الوجود والفهم والحركة . وهو ما دعا (هوسرل) ان يشفرن الخطاب بقوله : انا اتمظهر اذن، انا موجود .
ثالثاً : ما بعد الحداثة / المرحلة الفكرية الثالثة ، 1970
وهي مجسد بين طرفين ينفصل احدهما عن الاخر : طرف الدال المنفصل عن طرف المدلول . وهذا الانفصال يجيء بدواعي الاختلاف بينهما : اختلاف الدال واختلاف المدلول . ويكون ذلك على اساس الفصل والعزلة عما يكون مجردا من جهة العقل ، وعما يكون مجسدا من جهة الواقع . بل كل ما يكون انما اصله العلاقة المختلفة بين الدال والمدلول في العلامة الواحدة ، وكذلك اختلاف كل علامة عن اية علامات آخر في السلسلة والنسق . وبدلاً من ان يكون حاصل جمع الطرفين : الدال والمدلول في لعبة انتاج المعنى سيكون حاصل ضربهما . وهذا سيدعو الى تشكيل المعنى بما سيكون ..
نستدل من ذلك :
1. الغاء تواجد العقل / التفكير / المجرد كأساس او كمركز اولي لإنتاج الافكار والمفاهيم
2. الغاء تواجد الواقع / المجسد كلاعب يعنى بالتأثر او الانعكاس في انتاج الافكار والمفاهيم
3. لا يبقى الا اللغة بكينونتها : الدال والمدلول .
اذن، ترسيمتنا الجديدة هي :
دال (اللغة) السالب × مدلول (اللغة) السالب = دلالة سالبة
هذا سيفرغ من مثلث الاتصال الضلعين السابقين : ضلع المرسل وضلع الرسالة على اعتبار ان المعنى سيتوافر حصراً في حالة ضرب اللغة بعلاماتها المختلفة عند القارئ مما سيزيد من لعبة التخصيب في المعنى والمزيد من القراءة والتأويل . أي ما بقي من المثلث : ضلع اللغة لا على اساس تموضع الرسالة . بل على أساس تموضع الاختلاف اللاموجود والذي يؤثر في كل وجود.
نتبين من ذلك :
1. عدم وجود وعي كلي مكتف بذاته ، لأنه طالما يركن الى الاختلاف كأصل فهو يحتاج الى من يدلل عليه ليكسبه حضوره . وهذا ما يدعو الى غياب او انطفاء ما يسمى بالمرجع النهائي .
2. المسافة الموجودة ما بين الدال والمدلول هي مسافة متباعدة . مساحة من الفراغ الذي يحتاج الى إملاء بغيه تشكيل علامة تحمل بعدها الدلالي .
3. كل ما يكون ، يكون مضطرباً متنافراً لأنه سالب في وجوده .
4. الغاء النظام التراتبي.
5. لعبة تشكيل المعنى وإيجاده تنحصر في القارئ .
6. المجسد اثر صورة يحتاج الى قارئ يكمل وجوده ومعناه. أي يكمل داله ومدلوله .
7. المستقبل اساس الزمنية
8. الخطاب مكاني .
9. إلغاء فكرة المرجع ، الاصل، واستبدالها بمرجعية الاثر، التكرار ..
في ضوء ذلك ، يمكن اعتبار مفاهيم مثل الذاتي والموضوعي مفاهيم عاطلة ومتعطلة في حضورها داخل نسق اللغة، لان اللغة كيان يتأكد وجوده من حيث الاختلاف الحاصل بين دوالها ومدلولاتها وسوف يحضر الذاتي بكل قوته عند مفترق آثارهما في تحديد معنى معين ويتشكل ذلك عند القارئ . مع التأكيد المستمر بسلبية الذاتي من جهة وسلبية الموضوعي من جهة ثانية ، ويكون بذلك الوعي مجرد اثر واللغة مجرد اثر ، والواقع مجرد اثر وانهم جميعاً يعرفون من خلال الاختلاف . الامر الذي دعا (جاك دريدا) ان يشفرن الخطاب : انا اختلف اذن ، انا موجود
رابعاً : ما بعد / بعد الحداثة او المجال الصفري ــ المرحلة الرابعة ، 2000 م
بإشارة تلخيصيّة سريعة للمراحل المنصرمة نؤكد الشفرات الاتية :
1. العلاقة ما بين : دال- (+) مدلول+ = دلالة-+ / الميتافيزيقيا .
2. العلاقة ما بين : دال+ (+) مدلول+ = دلالة+ / الحداثة .
3. العلاقة ما بين : دال- (×) مدلول- = دلالة- / ما بعد الحداثة
نلحظ من ذلك ان لعبة انتاج المعنى تتوافر من :
1. اتصال انفصال / ميتافيزيقا .
2. اتصال اتصال / حداثة
3. انفصال انفصال / ما بعد الحداثة
كل ذلك يقع في اطر اضلاع مثلث التواصل حصراً .
ان هذا التشفير لكل مرحلة من المراحل المنصرمة اعتمد قراءة تلك المرتكزات التي تدلل على نفسها ، مفهوماً واجراء ، وهي تتوافر على نحو :
4. مرتكزات الميتافيزيقا هي :
1. اللوغوس
2. الحضور
3. المثال
4. المتضادات ( التقابلات الضدية )
5. مرتكزات الحداثة هي :
1. الذات
2. الحقيقة
3. الوحدة
4. مرتكزات ما بعد الحداثة هي :
1. الكتابة
2. الاثر
3. الاختلاف
4. الانتشار والتشتت
5. معنى المعنى
6. التكرار
7. البينصية ( بين – نص ) .
في المراحل الثلاث يتشكل الخطاب ، يؤثر بتعال ويتأثر في ترسيم نفسه من شكل العلاقة / المسافة بين الدال والمدلول من جهة ، وليحدد نتيجة علاقة ورابطة بحدود المسافة ما بين الإنسان والإنسان ذاته من جهة ثانية . وهو ما يمنح الرابطة طريقة اتصال بمسافة معينة تتشكل تبعا لنوع العلاقة ما بين الدال والمدلول ، وسواء كانت تلك القادمة من رياح المؤلف / الميتافيزيقا او رياح الرسالة / الحداثة او رياح القارئ / ما بعد الحداثة . وهذه الرياح برمتها نزعت عن مصيرها من ثلاثـة مدارك :

1. مدرك عاطفي
2. مدرك عقلي
3. مدرك حدسي
ولكي نشرع بالدخول الى المرحلة الرابعة نؤشر بدء.
أ – استبعاد الموضوعي / الطرف الخارجي – المنفصل بوصفه وعياً اولياً ، ثابتاً ، متجاوزاً لكل حقيقة ، وهو بذات الوقت حقيقة الحقائق في استحواذه على المعنى الكلي .
ب – استبعاد الموضوعي / الطرف الخارجي ــ المنفصل بوصفه متخارجاً عن الذات من جهة، ولكونه يتألف من حقائق مادية منفصلة ومنتظمة بذاتها من جهة ثانية . ولأنه طرف البيئة ـ الواقع المستحوذ على معناه من حيث ارادته من جهة ثالثة .
ت – استبعاد الموضوعي / الطرف الخارجي . المنفصل بوصفه دالا عالقاً في كيان اللغة . أي فصل الدال الموضوعي عن المدلول اللاموضوعي .
بشكل اخر اكثر تشفيرا نؤكد استبعاد :
1. المدلول الاكبر / المطلق . هنا يكون الدال شفافاً متضامناً داخل المدلول .
2. الدال والمدلول الاصغر / النسبي ــ الواقع .
3. الوسيط / الكائن في عقل / علامة اللغة .
بنتيجة عامة يمكن ان نلحظ ترسيمة الخطاب في كل مرحلة منصرمة من المراحل السالفة بطريقة توازيه مع مثلث الاتصال. انه سيكون على نحو :
1. دال مع مدلول في حالة الايجاب والسلب / المرسل ـــ الميتافيزيقا ــ الماضي
2. دال مع مدلول في حالة الايجاب / الرسالة ــ الحداثة ــ الحاضر .
3. دال × مدلول في حالة السلب / المرسل اليه ــ ما بعد الحداثة ــ المستقبل .
الان لاحظ معي وبمقولة اولية تعنى بالانقلاب المرحلي / المفاهيمي. كيف سنضع افتراضا مفاهيمياً مشفرناً جديداً يتجاوز مثلث الاتصال ويؤرخ لتواصلات سهمية يمكن اثباتها بقولي : انا افترض (أترقمن) . اذن، انا موجود .
سيؤثر هذا التشفير بدء :
1. الغاء كل المفاهيم الصادرة عن طريق العلاقة بين الدال وبين المدلول .
2. الغاء الجانب الموضوعي من تشكيل الخطاب مثل :
1. الغاء الوعي الموضوعي المتخارج .
2. الغاء الواقع الموضوعي المتخارج .
3. الغاء الدال الموضوعي المتلاصق في الكيان اللغوي مع المدلول بوصفه متخارجاً .
4. في الالغاءات الثلاثة اعلاه اشارة ضمنية تحدد المسافة من حيث البعد ، وبما يمكن القول ابتداء بتصفير المسافة ، وبعد تصفيرها سيتم الغاؤهـا بنسبة عالية .
ما بقي لأجل تشكّل الخطاب هو :
1. وعي / ذاتي موجود وهو مدلول اول
2. وعي / ذاتي مفترض وهو مدلول ثان .
وهذا سيعمل على انتاج الدلالة من حاصل امتداد التواصل سهميا :
مدلول مدلول = دلالة
بمعنى ان لا شيء سيكون خارج الذات ، مما يتأكد تماما استبعاد الدوال من لعبة الحضور، وكذلك لعبة تشكّل الخطاب ، واستبعاد توافر أي بعد للمسافة في انشاء الاتصال على اساس امحاء لغة التداول الثنائية وابدالها بلغة تداول احادية . بمعنى ان الاتصال سيكون من الذات الى الذات بوساطة الذات / الآلة المحفزة لذلك .
لما كان سابقا في عهود المراحل الثلاث المنصرمة ان المدلول / الذات ( الداخل ) يحتاج الى دال / موضوع (خارجا عنه ) او ( دال ومدلول ) مطلقين متخارجين بغية انتاج الدلالة ، كانت المسافة متأتية حسبما طبيعة العلاقة والمسافة بين الداخل والخارج او بين الحاضر والغائب على نحو واضح . ولان تداول الخطاب في المرحلة الجديدة : ما بعد / بعد الحداثة او المجال الصفري كان من حاصل التقاء الذات الحقيقية بمدلولها الداخلي مع الذات المقترضة ( المرقمنة ) بمدلولها الداخلي . الامر الذي سيعدم وجود مسافة في نقل الخطاب مثلما سيعدم وجود أي طرف خارجي / موضوعي في انشاء الدلالة .
المسألة اذن ، تتشكل من داخل ــ داخل حصراً . وأن الدال سيتحول في هذه المرحلة الى افتراض شفاف متصور داخل الدماغ وحسب . على اعتبار ان مسرح الاحداث هو العقل / التفكير / الوعي بملكة ذاتية خالصة.
وبدلًا من مفاهيم منقرضة مثل :
3. مثلث الاتصال
4. نوع العلاقة بين الدال والمدلول
5. طبيعة المسافة ما بين داخل / خارج او حاضر / غائب
6. الخطاب انساني / انساني حصراً
7. المكان اصلا لتمظهر الاشياء
ستحل مفاهيم اخرى جديدة مثل :
1. – سهم التواصل وهو مدلول 1 مدلول 2 .. وهكذا.
2. – الغاء الدال
3. الغاء المسافة .
4. الخطاب آلي / انساني حصراً .
5. الزمان اصلاً لتمظهر الاشياء.
6. الرابط يكون داخل / داخل او غائب / غائب .
في لحظة كهذه يتغيب عن الوجود المكان وتنعدم المسافة ويشترط الدماغ مسرحة الاحداث . آنذاك لن يكون الزمان حسبما تقسيماتنا المفترضة صلباً، انما يكون سائلاً لا يقر على تموضعة محددة فهو لعوب ، قافز ، طافر . لا يقر على ماض او على حاضر او مستقبل انما يشملها جميعاً في آن واحد . ويلعب ويتلاعب بها بلا حواجز او مصدّات .
وهذا التلاعب الزمني الحر لن يجعل سهم التواصل افقيا او عموديا او منحنيا او مائلا في شكل ما محدد . بل سيشمل كل الاتجاهات ، وسيقبل التبعثر في الاتجاهات مثلما سيقبل التنظّم فيها ، وسوف يمتدّ وينفذ ويتقلص ويختفي ويظهر، وسوف يكرر ولا يكرر وجوده ، مما سيدعو الحركة ان تكون ،كذلك، حرة تحتمل كل الاتجاهات ، وتنتشر مثلما تريد بالكيف والكم والمدى.
ولن يكون الحضور الحاضر / الظهور / التجلي اصلا للتدليل على الوجود او الموجود سواء كان ذلك الحضور الحاضر في وعيه / مدلوله او في تجربته / داله . مما جعل من الظلام / العدم / الاخر في مساحة التهميش والنسيان . انما سيكون الحاضر الاول لكل حضور هو ذلك الفراغ / الاظلام / الصفر بلغة الحاسوب، وهو سوف يبرهن على وجود الواحد ، الاثنين ، الثلاثة ، في سلسلة التمظهرات للأشياء والعوالم .
وسيكون كل صفر عبارة عن تجريد متعال لتمظهرات رقمية لاحقة ، يمنحها الانبثاق والحلول مثلما يجردها من ذلك . انه الغياب الذي يجعل من كل الدوال الحاضرة شكلا من اشكاله بنوازع التجسيد الشفاف . الصفر هو امكانية الظلام للكشف عن الضوء . الامكانية الوحيدة التي ستفضح الحضور اللاحق من الغياب السابق . وكل ذلك يكون بدواعي الغياب . الصفر هو اللامتناه الذي يحتضن 1،2،3، .. المتناه .
اذن، سوف تتفاعل الاشياء ، تتشاكل وتتنافر على اساس العلاقة الجديدة القائمة بين الصفر والواحد . لكن ليس بطريقة الحضور الخارج والغياب الداخل . بل بطريقة الحضور الداخل والغياب الداخل . لان طبيعة الحضور ستكون شفافة ، ذائبة في أصلية الغياب . وهذا ما يجعل الفعل متناوبا بين الصفر والواحد . بين كلية الإظلام وجزئية الضوء . و هو النظام الجديد الذي سيؤكد وجودنا من رقمنة الاشياء وتناوبها في فضاء الحاسوب والمبدأ الأساس الذي نهض به ..
إزاء ذلك تتقلص المدارك الى :
ــ العقل وحسب
ومن العقل وفي العقل ، ستتوافر مدارك أخرى متداخلة فيه لا خارجة عنه مثل : العاطفة او الحدس . اذن ، العقل هو المنطقة الأولى الوحيدة التي ستزرع فينا المعنى، وسوف تنتج الدلالة، وسوف تؤدي بنا إلى مرافئ الفهم الأخيرة . لكننا سنعاني من انشطاره المستمر : عقل الإنسان الذي يترادف بالضرورة مع عقل الآلة. وعدم تحديد أو كشف الاولي منها والثانوي . المتصدر الذي يعمل ببرامجيات ونظام يسيطر على الأشياء من خلاله وعلى نفسه، وبمقدوره الانسحاب أو التراجع ريثما يساء مصيره وتضعف سيطرته .
هذا العقل من شأنه ان :
1. يدرك الكليات عن طريق الجزئيات .
2. تقليل الفائض.
3. الغاء المسافات.
4. طاقة الوعي وسرعتها مضاعفة بملايين المرات عن ايّما طاقة او سرعة سابقتين .
5. الدوال تصورات شفافة تتمظهر داخل العقل .
6. الغياب الغياب أصلا لكل حضور.
7. العقل والزمان صنوان .
اذن، سوف ينقسم العقل الى قسمين :
8. العقل الطبيعي . فيه :
9. عقل حقيقي
10. عقل افتراضي
ب – العقل الالي
وهذا من شأنه ان يؤشر ان سلطة وقرار انتاج المعنى انطفأ تمثلها في : المؤلف / الماضي او الرسالة / الحاضر أو القارئ / المستقبل ، وصار اشعاع تمثلها في التقانة / الماضي – الحاضر ــ المستقبل معا . ان التقانة بدلا من ان تكون فعلا مساعداً في لعبة كشف المعنى وتحقيق الفهم صارت فعلاً ممركزاً ، فعلا اولياً في الانتاج . وان العقل الطبيعي لن يكون ثمة وجود له الا بفعل سيرورة العقل الالي . ان ما يمكن اثباته طبيعيا سيأتي من حيث ممكنات فعل الالة حصراً . الامر الذي سيؤكد التقانة اصلاً ومحوراً اولياً، بها تتحرك الدوال، وبها ترفع حجب المدلولات القارة في العقل . لذلك يتأكد القول بـ انطفاء مثلث الاتصال. وهي نهاية العصور الجاكوبسونية طويلة الامد . وبداية لعصر زينوني جديد، وستحل حركة السهم المنقطع كأصل لعملية الاتصال والتواصل، وبدلا من فضاء المكان لتشكيل الناقل او الوسيط سيفرض وجوده العملي فضاء الزمان لتشكيل الناقل او الوسيط مما سيؤثر على حجم وطبيعة المسافات فيقلصها او يذوبها ويعمل على تلاشيها تماماً.
كذلك الدوال تنسى كتلها او اوزانها وتتحول الى دوال (حرة) تُرى ولا تُلمس ، تتحرك في هواء مسحور كالأثير، وتستشعر ان حضورها طارئ بالنسبة الى غيابها . تستشعر ان رقمها او عددها في الحضور الممتد من (1) والى ما لا نهاية من الاعداد انما هو وليد الصفر او مبتغى الصفر . لأن الصفر سيكون رقماً مزدوج الدلالة : صفر الولادة وصفر الموت في آن واحد . لذلك جميع الاعداد سوف تتعشق وتؤول بالنهاية الى الصفر الذي هو الحياة والظهور والموت والانطفاء . ان نقطة انطلاق او انبثاق الواحد هي نقطة يتراخى فيها الصفر لأجل خروجها مثلما يتقلص فيها الصفر لاحقا لأجل طمرها مرة ثانية . انها نقطة تعطي الاشياء وتهبها الظهور وبالوقت نفسه تأخذ الاشياء وتضمرها في الخفاء .
هنا ، ان ما يكون من خطاب يكون رمزاً جديداً مغايراً لكل مشروعات الرموز السابقة . سيكون ( الرمز الاسطورة ) لأنه سوف يهضم في معدته الصغيرة جداً كل الموجودات الكبيرة جداً ، سوف يضع جميع الاحجام والكتل ويستقعدها في مجال القيمة . انه يعمل باستمرار وبطريقة آلية لجعل الدوال مدلولات ، يفرغها من اوزانها وأشكالها وأثقالها ليحولها الى مجردات مستحلبة. حبات معنوية تؤصل لكل المظاهر المتجلية داخل العقل وحسب . هذا الرمز الاسطورة هو اكثر من ضغطة زر في عالم الحواسيب ، وهو اكثر من عصارة من المدلولات التي تعبر عن كل دوال العالم . الرمز الذي يقارب الحقيقي بنقيضه ، ويجعل من الثاني اولاً ، ومن الاول لغة متماهية في التجريد . في تحقيق معنى المعنى المنصهر في الذات العاقلة .
ان ما يكون دالاً في الخطاب الفكري السابق : الميتافيزيقا والحداثة وما بعد الحداثة سيكون مدلولاً لا بدواعي الانقلاب الجزئي مثلما فعلته ما بعد الحداثة في مشروعها الاثر : ذلك الذي يقبل ظهور الجزء من طرفي المعادلة الخطابية : الدال والمدلول ، بغية انتاج وتخصيب ما اختفى من اجزاء . بل بدواعي الغاء مظاهر الاجزاء من الدوال والنظر الى كليات تلك الدوال على انها قيم دوال (مجردة) لا مجسدة مثلما كانت في السابق .
ان الجزء الذي سنرى فيه الكل ليس مادياً. بل معنوياً وأن الكل الذي تراءى لنا بوساطة الجزء المجرد كان مادياً مجسداً، او استطاع العقل الطبيعي والالي معاً ان يغايرا من معادلة قراءة الاشياء .. وهكذا سنسحب المسألة من تداول الداخل / الخارج الى تداول الداخل/ الداخل بمسرحة متكاملة التداول في العقل / الوعي الانساني حصراً. أي سحب بساط التداول الطبيعي الذي يعتمد مفاعلة الذاتي بالموضوعي بنسب محددة الى ٍ مفاعلة الذاتي الحقيقي بالذاتي الافتراضي وبنسب غير محددة .
وهكذا تصبح حركة الدوال حرة ، سائلة في فضاء الزمان ، داخل مسرحة العقل ، وسوف تكسب جميع الاتجاهات ، وتتظلل بمختلف الازمنة ، وسوف تقبل بالوقائع الحقيقية بمقدار ما تقبل بالوقائع الافتراضية ، ويعد انتشار الحركة أمراً مقضياً لأنها لا تثبت على حالة، مثلما لا تثبت على مسار، ومثلما تتميع في الزمان .
الحركة ستكون اقتضاء للزمان واحتواءً للمكان في آن واحد : الاقتضاء الذي يجعلها باستمرار ، منزلقة ، متصادمة ، متشعبة ، متعددة ، متفاعلة ، تتشابك في كل شيء ، وعلى كل شيء، ولأجل كل شيء، لا من اجل شيء . بل لان سعة الفراغ يجعلها منسابة ، مضطربة ، متطافرة ، ولأن غياب الدوال من الحضور العياني الملموس قد اكسبها القابلية والمرونة ان تكون اثيراً معنوياً ( مدلولاً) . الحركة هي كل املاءات الفراغ للزمن، وهي اشتراط المحتوى الذي سيذوب المكان فيه . لان يكون قيمة مكانية . قيمة يمكن رؤيتها بالعين ، لكنها بلا ملمس . تسقط عنها حاسة اللمس على الرغم من تجسيم موادها بأبعاد ثلاثية .
هذا السيل المتحرك في مختلف الابعاد : طولاً ، عرضاً ،عمقاً ، زمنا ، وفي الاتجاهات كافة سوف يبرهن على مثوله المتواصل بأكثر من محل ، وبأكثر من اتجاه . لكن بلحظة زمنية واحدة . لحظة من شأنها إن تتقبل وقوع الإحداث في أكثر من مكان ولكن بزمان واحد . مثلما برهن على انزلاقه بتعدد الاتجاهات . انه سيل ألآن الفاعل / اللعوب الذي لا يستقر في محل واحد ولا يستقر أيضا على زمان واحد ، وهو بمستطاعه أن يتوافر مرتين أو ثلاث أو أكثر بفعل واحد وزمن واحد . ان الحركة هنا سوف تترادف مع التزمن . وهذا ما يجعلني موجودا هنا وهناك في آن واحد . وسوف أناديك : أنت الذي تقف بجانبي موجود هناك ، هناك ، وهناك …
هذه المرحلة الفكرية الجديدة سوف ترتكز على سلسلة المرتكزات الآتية لتحقيق مفهومها وإجراءاتها :
1. الفراغ
2. التصفير
3. حجب الدوال أو الغياب الغياب
4. الانتشار الحركي ( فراغ الحركة داخل الزمان)
5. الرمز الأسطورة
6. التزامن
7. التصغير والتجزئة
8. القيمة
9. ثنائية العقل الطبيعي والآلي
10السرعة أو الغاء المسافة

—–
ملاحظة: هذا الكتاب سيكون مرجعا لكتاب لاحق قيد التأليف عنوانه: نظرية النقد الصفري

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار