الموازنةُ العامة والتمويل بالعجز ومحنةُ الإقتصادِ والناس

بقلم عماد عبد اللطيف سالم
سنحاولُ هنا “عزلَ” الناس العاديّبن(وغير المُختّصين)عن هموم الشأن الإقتصادي(تَعَسُّفاً) ، ونتوجهُ إلى الإقتصاديين العراقيين(حصراً) .. ونسألهم :
إذا لم يبدأ الإقتصاد العالمي بالتعافي خلال ثلاثةِ أشهرٍ من الآن ..
فما الذي يمكنُ لنا أن نفعلهُ في مواجهة ذلك ، هنا في العراق ، لكي نتفادى الآثارّ الكارثيّة، للعجز الهائل في الموازنة العامة للدولة ؟
بعيداً عن التنظيرات،والشعارات ، والهتافات .. والأناشيد الوطنيّة .
وبعيداً عن استعراض العضلات المعرفية.
وبعيداً عن “خلطات” الترقيع “السحريّة”.
وبعيدأ عن “وصفات” صندوق النقد والبنك الدوليين “الجاهزة”، مثل سندويتشات”الديلفري” ، الصالحة لجميع الجياع.
وبعيداً (وهذا هو الأهمّ) عن الحلول والسياسات والإستراتيجيّات والمعالجات طويلة الأجل(التي نحفظها جميعاً عن ظهر قلب).
بعيداً عن هذا كلّه .. فإنّني أتحدّى الإقتصاديّين العراقيّين أن يتقدّموا ببديلٍ منطقيٍّ ، و واقعيّ ، وقصير الأجل.. عن استخدام التمويل بالعجز ، لتلافي العجز “الآني” فقط ، وليس لمعالجة الإختلالات “الهيكليّة” المُزمنة في الموازنة العامة للدولة(لأنّ هذه ، ليس وقتها الآن).
ماهو البديلُ إذاً عن هذا الكابوس المُسمّى”التمويل بالعجز” ، في إقتصادٍ كاقتصاد العراق الراهن؟
مع الأسفِ الشديد .. لا بديل.
لا تكذِبوا على الناس ، ولا تدعوا “الدولة” تكذب عليهم ، وصارحوهم بالحقائق المُرّة ، وأصفعوهم( إنْ تطلّب الأمر)على وجوههم ، ودعوهم يستيقظون.
قولوا لهم بكلّ وضوحٍ وبساطة ، إنّ أساليب عمل “دولة الرفاه”(على وفق النموذج العراقي) ، لم تعُد صالحةً للإستخدام .. وأنّ مكاسب و “غنائم” وامتيازات “دولة الرعاية”(على وفق النموذج العراقي) قد إنتهَتْ(وربّما إلى الأبد)، بالنسبةِ “لهُم” ، وبالنسبة “لكُمْ” .. على حَدٍّ سواء.
قولوا لهم أن الإقتراحات”الفنطازيّة” ، والمهاترات”الشعبويّة”(من شاكلة بيع كوبونات النفط للعراقيين بالسعر الحاليّ ، مقابل إطفاءها بسعرٍ أعلى مُستقبلاً .. و منح كلّ عراقي “حُصّة” من العائدات النفطيّة ، وكأنّها “حُصّة تموينيّة” .. وغير ذلك كثير) لا تَمُتُّ للمعالجات الإقتصاديّة المدروسةِ بصلة ، ولا علاقة لها بالإقتصاد ، ولا بالإدارة السليمة للموارد الإقتصاديّة.
قولوا لهم .. لا أنتم ، ولا “الدولة” تقبلونَ بخفض الإنفاق العام .. وأنّ الإنفاق العام ينبغي أن يبقى كما هو الآن (ولديكم ، ولديهم ، ألفُ سبَبٍ وسببٍ لذلك) .. وأنّهُ إذا كانَ الأمرُ كذلك ، فما هو البديل عن التمويل بالعجزِ ، يا عباد الله ؟
في الحقيقة .. لايوجدُ أيُّ بديلٍ الآن ..غير هذا “التمويل بالعجز”، والذي أُقّرُّ وأعترفُ أمامكم ، بأنّهُ الأكثرُ خطورةً من COVID 19.
لهذا أدعوكم .. يا أساتذتي وزملائي وتلاميذي(المُعترضينَ بحماسةٍ ثوريّة زائدة ،على هذا “الترتيب” الآنيّ) .. أنْ تذهَبوا وتُقيموا الصلاة ، وتَبتَهِلوا إلى الله(عزّ وجَلّ)، من أجل أن لا تبقى الأوضاع(الإقتصادية والماليّة) على ماهي عليه الآن(محليّاً وعالميّاً).. وإلاّ فإنّ أوضاع الإقتصاد العراقي لن تكون أفضل ممّا كانت عليه في حقبة التسعينيّات من القرن الماضي.
وكما تعلمون ، فقد إنتَهتْ تلكَ التسعينيّات”العِجاف” ، وجاءتْ بعدها سنينٌ طِوالٌ “سِمان” ، لم نفعل خلالها لإقتصادنا شيئاً يُنقذهُ من إختلالاته البنيوية المُزمنة .. فلماذا نكذبُ على أنفسنا ، وعلى “شعوبنا” وقبائلنا الآن؟
هل خطر على بالكم (مثلاً) أنّ الأوضاع قد تكونُ أسوأ (مُستقبلاً) ممّا كانت عليهِ آنذاك ؟
إذا لم تكن هناك صادرات ، أو إذا كانت الصادرات هزيلة من حيث الحجم والقيمة ، فلن تكونَ هناكَ استيراداتٌ كافيةٌ لسد الإحتياجات .. وسيكون الدينار بثلث السَنت ، ولن يكونَ بوسعِ “اثخَنَ” راتبٍ أن يشتري”طبقة” بيض.
حتّى عائدات النفط لن تكونَ صالحةً لتمويل برنامج “إغاثة” أُمّمي (كالنفط مقابل الغذاء والدواء)، يُغطّي الإحتياجات الأساسية لـ 40 مليون نسمة ، مع تخمة المعروض ، وأنهيار الأسعار ، وتراجع الطلب.. وحاجة مئات الملايين(غيرنا) للإغاثة ،على امتدادِ الكون.
تعالوا بـ “خلاصٍ” آنيٍّ قصير الأجل ، يُنقذنا ممّا نحنُ فيه .. وسأكونُ معكم.
وبعكسهِ فأنا(والعياذُ بالله من كلمةِ أنا) ، سأكونُ ضدّكم ، وسأقفُ مع هذا التمويل “الرجيم”.
قَدّموا بدائل منطقيّة ، و واقعيّة ، وقابلة للتطبيق .. وأتركوا الحلول طويلة الأجل .. لأننا سنكونُ كُلّنا موتى في الأجلِ الطويل .. لا سامح الله.
أذا كان بوسعكم فعل ذلك ، بدلاً من كيل الشتائمِ والتُهَم لـ “التمويل بالعَجَز” .. سأكونُ معكم..
يرحمني ، ويرحمنا ، ويرحمُ “دولتنا”.. ويرحمكم الله.

✍🏼 عماد عبد اللطيف سالم

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار