الثقافيةمقالات

إلى: الوطن، المستقر من: مغتربة

بقلم المهندسة المعمارية علا سعد زناد – البحرين :

مغتربة منذ اليوم الذي ولدت فيه، اغتراب المبدع عن وطنه الأم، تدفعه ظروف بلاده للهجرة. لكن المبدع باعتباره مبدعاً، يصنع من واقع اغترابه شيئاً، يظل ينحته طوال العمر.
لطالما كان شعوري بالغربة مصحوب بأحاسيس عميقة بالانتفاء، الوجه الآخر للانتماء إلى مجتمعي الأصلي، أو بمعنى آخر الحنين إليه. لن يشعر من هاجر طوعاً لا إجباراً بهذا، إلا أن كلانا قد ينتهي بنا الحال بالاندماج و خلق هوية هجينة. أقول أيضاً، بأنه ليس بالضرورة أن يكون الوطن والاغتراب والحرب أحداث محصورة في إطار أرض، بل هي حالة تسقط في مواضع مختلفة كذلك. هنا أكتب رسالتي الى الوطن المشتت بداخلي.

1 اكتوبر 2018 م
إلى: الوطن، المستقر
من: مغتربة

تحية طيبة و بعد،
كل يوم تبعث إشراقة في قلبي، فرح لا يوصف و سعادة قد تبدو أبدية، كرسام يضع لمساته ليخلق قطعة فنية كامِلة، خالية من العيوب ومليئة بالحياة. يراها الناظر من بعد يتعجب لجمالها الأخاذ، ويتقدم خطوة ليمسكها ليتفقد ما إذا كان الذي يراه حقيقياً. تحمله خطواته إلى الأمام .ليرى تفاصيلها، عمقها، استحالتها و دِقتها . حال اقترابه، تبدو له اللوحة باهتة إلى حد التلاشي و التشرذم. حال محاولته ملامستها، تتكسر لأجزاء حادة، حادة جدا تكاد تدمي يديه. جمالها جارح، تزيده رغبته للعودة، فتدمر حدتها جمالها بعد أن تنكشف. أنت اللوحة و أنا الناظر يا وطني. أخشى العودة و أخشى خدش صورتك في ذهني. باتت تتعبني فكرة وجودك اللا مكاني، الهش، الحاضر دائماً.
بين الوعي واللاوعي أنت يا وطن، أنت الحلم و الواقع. دفاعاتي تنهار مرة واحدة أمامك و كل أبوابي الموصدة تُفتح لك بسهولة محيرة. تسيطر على قلبي بسلطة طاغية و مطلقة فلا حيلة لي. كل الأفكار السعيدة وكل البهجة التي خبأتها في قلبي، استحضرها لتلتف حولك، كل الأركان المظلمة تضيء بك و كل خطوة تأخذها في قلبي ينبت على إثرها ورود تحيا إلى الأبد. أنا أكثر الناس ثراءً بكِ و حظاً بسببك. أنا أتعسهم لأني لن أحظى بك تماماً، و لأنني لم أعد أميز حقيقتك من زيفك، إلا أنني عند كل تنهيدة أردد ترنيمة قلبي: يا كُل كُلي ان لم تكُن لي فمن لي؟
أتعلم لماذا كل هذا التعلق و التذبذب؟ لأنك تبدو مختلفاً، لم تعد كسابق عهدك. عندما أطيل النظر إليك من مسافة أمان، مشاعري ترتبك. لعلي بنيتك شيئاً فشيئاً بداخلي، و لعلي رأيتك شيئاً خارج حدود المنطق، شيئاً لا يتكرر. لذلك أحببتك بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة كأني لن أراك مرة ثانية، أنت الذي جئت على مقاس قلبي تماماً، كيف يمكن أن أتعامل مع قلبي دونك، و أجعل هذا الحزن شيئاً عادياً، و أصدق جميع من يقول بأنها فقط أيام و سأشفى منها؟
أنا حقاً عاجزة عن وصف ما أَلَمَّ بي. أتأرجح بين حبي الكبير، و بين غضبي و امتعاضي. أجدك في منتصف اشيائي و مقتنياتي، اهتماماتي و أهدافي. ذكرياتك سجني الداخلي تؤنسني من وحشة خارجي المهجور في الحياة و الزحام و منعطفات الكآبة و البهجة.
أتسائل أحياناً، هل أنت مجرد وطن؟ و هل أنت قادرٌ على الحب و الكراهية مثلنا نحن البشر؟ ما أعلمه الآن هو أني باهتة جداً وأني لم أعد أؤمن بمحاولات العودة، موقنة تمام اليقين بأن هنالك شيء في صدري قد انطفأ إلى الأبد ولن يعود. لذلك قررت الصمت. فهناك من يلجأ للصمت حتى لا يكون حملاً على أحد، وهنالك من يصمت لاصطباره على قوة الألم الذي بداخله، وهناك من يتجرع الصمت لأن كلامه سيزيده وجعاً فوق الوجع. و كل هذا الحديث عن الصمت يضحكني، كم أنا متناقضة! أحيانا نعجزعن وصف عدم اكتراثنا بخطبٍ ما ونحن كلنا اكتراث.
أكثر من كل ما سلف، أشعر بأني قنبلة موقوتة توشك على الإنفجار في أي لحظة. مشاعري مختلطة بطريقة محيرة، بشكل مريع. أكاد أن أختنق ولا أحد يفهمني ليتمكن من إنقاذي. لا تزال نبرة صوتك في أذني، لا زالت أصواتك و همهماتك ترن في أذني. محادثات الشارع العابرة، موسيقى سيارة الآيسكريم، نداءات باعة الكتب، و ضحكات الأطفال و تأنيب الأمهات. كل ذلك محفور في ذاكرتي و باستطاعتي تسميعه بشغف طفل يسمع لأول مرة.
قابع بداخلي و لا أقوى على نسيانك. نعم، تقبلت حقيقة أنك جزء مني لا استطيع بتره. تصالحت مع أنك قابل للتشكل في هيئة الناس من حولي، أفكاري، قد يأتي يوم و تتقمصني أنا، بأجزائي و كلي، بما كان و ما لم يكن. أتسائل في نفسي لماذا لا تفارقني البتة، أم إنها أنا التي لم تختر فراقك يوماً. كان عليك لزاماً أن تدرك معنى أنِّي خائفة من كل شيء قد يأخذك مني، لكنك استصغرت ذلك. و مهما قاومت حنيني إليك، أندفع أكثر باتجاهك. فمهما حاولت إلهاء نفسي، لا تبارح مطرحك في الفؤاد.
أعترف بأنني الآن وصلت لمرحلة الفراغ و التبلد. لا أعلم إن كنت مستعدة للشفاء من الإنكسار في هذه اللحظة، لكني على يقين بأني لست على ما يرام و أن روحي تفيض و تبعثرني. في كل خطوة أخطوها يبارحني جزء صغير مني.

وطني، لك مني كلمة أخيرة، تئن و تئن بقلبي، سأقولها فحسب:
“مُبعثر انا حتّى ألقاك فأتَرتّب، مُرتّبٌ أنا وإذا صادفتُك أَتَبعثر”
عندما أراك اليوم أعتصر من الألم. لم أتخيل يوماً أن كسرة القلب فعلاً تُحَس من الداخل. أنا مضطربة جداً بدونك، ولا أحب أن أعترف بذلك، هاجس الفقد يلازمني. فالأبشع من فكرة رحيلك، هي فكرة إستحالة عودتك. مشتتةٌ أنا و تائهة كقذيفة انفجرت في داخلي، دمرت مدائني، شلّت أطرافي و حولتني إلى أشلاء.رغم ذلك، أجاهد باصطناع ملامح متماسكة، شامخة، و هادئة.
أعذر فيض الكلام، فقد توقفت عن الكتابة إليك من زمن طويل و عدت عندما نضح الإناء بالحنين. لا تخطئ فهمي، فقد جربت محادثتك بطريقة جديدة: انظر إلى السماء بتركيز شديد، أناجي رب العباد الذي يعرفك جيداً و يقربك كثيراً، رغم ابتعادك عني حد التلاشي. أخبره بانكساري وعن هذا الشوق، وأعلم أنه يصلك. دعني أتأكد، هل تصلك صلاتي؟
إلى المغتربة في داخلي،
بعد كل انكسار و سقوط، لم ينتشلني غيرك، حتى و إن لم تدركين صلابة عظامك و ثخانة جلدك. ولكنكِ فعلا كنت هنا، في أعمق نقطة لإحباطي .لعلك العوض الذي يأتي من الله، لعلك امي الروحية، صديقة، عزيزة. كوني بلسمي دائماً، و سأحاول ألا أجرح نفسي كثيراً بعد الآن.

مع حبي

علا

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى