كيف سنخرج من عالم الاصنام

((وان_بغداد))
بقلم الدكتور/جواد المياحي

خلق الله الكون ووضع قوانينه وترك للإنسان التصرف في الموجودات ضمن هذه القوانين وتماشياً مع المعرفة، فكلما زادت معرفته زاد فهمه ، فقانون الجاذبية مثلاً لا يمكن أن يتبدل، وغرق طفل ورجل كبير في البحر سيؤدي إلى النتيجة ذاتها، ومن القوانين الأساسية لهذا الكون قانون التغير، فلا ثابت إلا الله، وضمن هذا القانون تسير الإنسانية إلى الأمام، وتتقدم يوماً بعد يوم، فالطب اليوم لا يقارن بما كان عليه قبل مائة عام، والتكنولوجيا حدث ولاحرج والفضاء وكافة العلوم ورغم ما يراه البعض إنحلالاً أخلاقياً إلا أن القيم الإنسانية ما زالت ترقى ولكن بنسب متفاوتة بين مجتمع وآخر
وإن كنا نحاول اللحاق بركب الحضارة، فقط نحن نستهلك ما يتم إنتاجة من الغير على جميع الأصعدة، إلا أننا فكرياً ما زلنا نعيش في الماضي، نتغنى بأمجاد زالت، ونناقش بطولات ونتذكر ونتحزب لهذا أو ذاك، ونتجادل في مدى صحة فلان أو فلان، فلا وقت لدينا لاكتساب المعرفة ولا يهمنا أين وصل العالم ، ونحمد الله بأنه قد سخر لنا “الكفار” ليخترعوا ويكتشفوا ما يفيدنا بينما نحن نيام، فنحن أمة عصية على التغيير، ومجتمعاتنا قروية بامتياز، من الناحية العلمية لا نقبل الأفكار وكل من لديه إنجاز علينا محاربته بكل الطرق ولا نقبل الاختلاف ولا تجاوز ما كان عليه آباؤنا، ولا نعير انتباهاً لقانون التطور
نهوى نظرية المؤامرة، ونعلق كل أسباب تخلفنا على الاستعمار والغرب والامبريالية ونتحدث أن الغرب اخذ كل هذه العلوم من القرآن وهم لم يدرسون القرآن ونحن أصحاب القرآن الذين لدينا آلاف المدارس الدينيه لم تصنع (ابره) ، إلا أنه لا يمكننا بحال من الأحوال إرجاع تخلفنا الفكري إلى أنفسنا، فأمهات كتبنا تعود لبداية التدوين، ونرفض المساس بقدسيتها، بل نسعى لتطبيق ما جاء بها على عصرنا الحاضر، دون الالتفات للزمان والمكان، ونظمنا المعرفية التي نعتمدها اليوم لا تتماشا مع التطور ، والإطار الإسلامي الذي نراه وضعت أسسه في ذاك الزمان، ضمن الظروف السائدة حينها، سواء من حيث الفقه و التشريع وكل ما يتبعهما، بما في ذلك قواعد اللغة العربية الفصحى، فتقديس سيبويه وما جاء به يجب أن يقدس كان هذا الرجل أتى من عالم غير عالمنا ،وكل ما وضع من ثوابت واجتهد مشكورا عليه لأنها وضعت وفق معطيات عصره، ولا ذنب له بأن من جاء بعده بقرون وقف عند قراءته، دون التقدم قيد أنملة بما يتناسب مع التطور الذي أراده الله تعالى سنة للكون، فلغوياً لم يتم أي تعديل بإمكانه أن يجعل اللغة سهلة على المتعلم، علماً أن التنزيل الحكيم هو مقياس الفصاحة، لا “الكتاب” الذي وضعه سيبويه، أن المجال مفتوح أمام علماء اللغة حالياً لتطوير ما يمكن تطويره.
أما الفقه الموروث، “شذ” عن كتاب الله بالكامل، ولا للمقارنة أيهما أهم، كتاب الله أم موسوعات الفقهاء، كلام الفقهاء وما يقوله هؤلاء يسيطر على المجتمعات، ورأينا أمثلة واضحة عن مدى تحكمهم بالشارع باسم الإسلام، وقعت فريسة من أغراها بالآخرة شرط اتباع ما يراه هو مناسباً، لا ما رآه الله تعالى، وشتان بين الرؤيتين، فالله سبحانه اختار الإنسان خليفة على الأرض وسخرها له ليعيش في سلام، ووضع له خطوطاً حمراء محدودة تقبلها فطرته، مهما كان جنسه ولونه وعرقه، وتطورت هذه الخطوط تدريجياً مع تطور الإنسانية، وجاءت الرسالة المحمدية لتختمها في رسالة رحمة عالمية ، تقبل تحت مظلتها الناس جميعاً، لكن دين الفقهاء شوه هذه الرسالة وعقد حياة أتباعها، وجعل من الحرام سيفاً مسلطاً على رؤوسهم، وبدل أن يكونوا رسل تطور وتقدم، تركهم يلوكون ما لاكه آباؤهم.
وأزمتنا الفكرية كبيرة لدرجة تتطلب المراجعة والبحث عن الخلل، وهو واضح وضوح الشمس، لكننا ندفن رؤوسنا في الرمال، تاركين للموقعين عن الله التحكم في عقول أبنائنا.
ورب قائل ما الحل؟ أقول علينا تكريس القيم الإنسانية في مجتمعاتنا أولاً، ومن ثم التحرر من عقدة الفقهاء ، ولنعلم أن الشعائر علاقة شخصية بحتة بين الإنسان والله تعالى، ولنستطيع أن نضع لمساتنا في هذا الكون علينا التمكن من القضاء فيما حولنا، وهذا لا يتم إلا بالعلم والمعرفة، فلنلتفت لذلك بدل أن ننشغل بترهات لا تفيد، ونكسر كل الأصنام التي استبدت بعقولنا، ونمضي إلى الأمام بعيداً عن قرون خلت، حينها فقط يمكننا الخروج من عالم الأصنام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى