المسرح الصفري المجال الاول : المجال الصفري للمسرح

 

المسرح الصفري المجال الاول : المجال الصفري للمسرح/د.جبار صبري

ان تاريخ الغياب فيما سلف من تفكير هو تأريخ المكان . تاريخ الظهور والغياب الذي ارّخ بنفسه ، ومن خلاله عن كل اختفاء ولا عياني . لذا جاء افتراض المثال / الغائب ذلك المتعالي عن الحضور ، عن طريق حاجة الحضور / الظهور الى معرفة تخصّه وترسم له خارطة لإمكان فهمه واثبات وجوده . الحاجة بوسيلة تصنيف المرئي من اللامرئي والمتمظهر من المخفي بدوافع افتراضية . ان ذلك المخفي والمحدد بوسيط مكاني – نحن عليه الان – والمتصل بنا بوسيلة او سفارة اللغة هو قدرة أعظم من قدرة المكان النهائي المقيد بالحسية الساذجة او الثانوية في تراتب الأهمية .

وبدلا من مكان متعال في الخفاء يدلّ على مكان ثانوي في الظهور بأسباب وعلل الثاني التي تشير مباشرة على الاول . بدلا من ذلك الفهم وتحديد العلاقة وعبر دالة المكان صارت العلاقة في مشروع الحداثة مكانا فيزيقيا يرتبط بمكان ذاتي في لحظة من التطابق المكاني / العياني وبحسّية مجرّبة تامة ، فاذا كانت نسبية المكان في الميتافيزيقا تدل على كلّية المكان بمسمّى العقل المتأمل فان نسبية الموضوع المكاني بالتصاقها مع نسبية الذات المكاني تدلّ على إتمام الوجود بمعرفة المكان من جهة . وان المكان هو اساس المعرفة من جهة ثانية . ان اجتماع نسبتي المكان : الموضوع + الذات ، قد أعطت تصورا كليا للمكان . الامر الذي جعل الزمان ملتصقا بالمكان ، عكس ما كانت عليه تصورات التفكير السابقة عن الحداثة والتي كانت تؤمن بافتراق وعدم التصاق المكان بالزمان .
اذن ما سلف من تفكير او خطاب كان تأريخ الفكر ، المعرفة ، المفهوم ، المسرح .. سواء في مرحلة الميتافيزيقا او الحداثة او ما بعدها هو تأريخ المكان ..
مجال2 : معنى معنى
لكننا الان ، نحن سائرون باتجاه ان يكون العالم / النظام / اللغة / مسرح الاحداث / التواصل / العمل / الفهم / الوجود من منظور يتشفرن بالعلاقة القائمة على : معنى – معنى . وبدلا من كل التشفيرات السابقة التي راهنت على شكل – معنى او معنى – شكل . وهذا المسير لن يكون طبيعيا في علاقته على نحو : انسان – انسان لحظة الفهم والتواصل . بل سيكون على نحو : انسان – آلة . مما يكون الوضع التواصلي كله وضعا يجيء متواليا ومترادفا ومتعاقبا على فرض : واقع – افتراض . إذ هناك معنى يتخارج من أصلية الواقع نفسه بعد كشط الدال من ذلك الواقع ، وهناك معنى يتخارج من أصلية الافتراض بمسمّى الواقع وهو واقع متخيل لا دال له بالأصل . وكلاهما : معنى الواقع ومعنى الافتراض يلتقيان لتقبل التواصل ولمأسسة الكون من خلالهما .
يتصّير من ذلك ان إفهوم الغياب الذي يعدّ لصناعة الخطاب القادم يتأتى من ذلك الغياب اللا – إرادي واللا – اختيار فيه الا باتفاقات قبلية يقرّها المجموع الانساني في وثيقة اجتماعية سابقة . وايضا ذلك الغياب الارادي والذي فيه اختيار آنوي – ذاتي يقرّه الفرد بنفسه ضمن ملكته الخاصة التي تخلو من ايّما اتفاقات قبلية .
مجال3 : ظلام الزمان
آن الأوان أن ينطفئ مصباح المكان ويشتغل بديلا عنه ظلام الزمان ، وهو الأوان الذي يعبّد الطريق باتجاه اعادة نسيان الكينونة . ولكن لا بدواعي التهميش المقصود لأغراض فعل التراتبية الهابطة من وحي الميتافيزيقا . بل بدواعي القصد في نفيها وإغلاق ملف حضورها ، لأجل الارتقاء بها من عوالم واسباب ضعيفة في الفعل والحركة والصورة الى عوالم واسباب لا متناهية ، مائعة ، مرمّزة ، منفلتة من الحدود والقيود ، تعيش الوجود بلا ضفاف ، وتسير في الآنة الكلية من الزمن ، وتلغي التراتبية كمبدأ لفهم الاشياء والوجود ، وتلغي الاختلاف الذي حرك السلب في الفلسفة ليقترب من الايجاب او العكس . فيلغى ، من بعد ، مصير الكوكب الذي ارتهن في ظل مصير تلك الشفرات التي تؤدي به الى التقرب الى عمود الحقيقة البعيد / القريب في آن واحد .
ان شدّ حبال افكارنا المشفرة بالمكان ساعد على بداهة الصورة المكتشفة في هذا الواقع ، وتحت ارادة تلك الافكار ان تترابط بوحدة الجاذبية والاحلال والقوة بأعمدة المكان وشواخص المكان وقدرة المكان في تحقيق الوجود او الموجود على حدّ سواء . ومن فرط توجهنا البدهي نحو المكان صار افراطنا فيه مدعاة انغلاق الرؤية التي ممكن ان تبصر مدخلا غيره . كأننا المكان نفسه ، افكارنا ، قدرنا ، علمنا ، جهلنا ، شكل من الاشكال التي تنعكس باستمرار من خلال مرآة المكان الاحادية .
وفي هذا المتغير التقني متغير إفهومي . نزعة استقواء بشفرة بديلة ، فثمّة فرق حصائله المتوخاة مما تقدم :
1 – إلغاء نسبة كبرى من المكان في الحضور والتخاطب .
2 – تقليص المسافة .
3 – زيادة في السرعة .
4 – نسبة تمثيل الزمان أكبر من نسبة تمثيل المكان .
توحي مباشرة الالغاءات الفائتة بمحاولات لـ :
1 – رفع المكان تدريجيا .
2 – رفع اقتران العلم بالشيء ، وذلك بسبب رفع التعليل الضابط للشيء نظرا لتعالقه في حدود وجاذبية المكان . ان علم ← الشيء يعني الضبط البنائي له . ما يتحتم ان يكون فيما يكون . ان علم الشيء هو الشيء في الشيء . انغلاق البنية وتحميل الواقع جميعه بالمعرفة جميعها . ذلك الواقع الذي لم يخرج عن طوع البنية بما فيها ، ولها ، وعليها ، واخيرا ما تشيره . البنية التي هي حركة وجود وضرورة فعل وماكنة ارادة او ارادة ماكنة . وهي خلاص فهم . اذن ، علم الشيء هو مقدار الشيء نفسه . من اعماق تلك النفس المتراصفة في البنيان ، والتي نظامها يعني عمليات وفاعليات وإمكانات في السلوك بأصغرها واكبرها .
مجال4 : اللاضبط الفضائي
بينما نرى ان مجال ← الشيء مكمنه في اللاضبط الفضائي ، وهذا ما نحن عليه اليوم . مجموعة من مجالات تتعدد في فراغات لا نهائية ولا تقرّ على حدود أو سببية . بل مائعة ، ممتدة . هي شيء من لا شيء ، ولا شيء من شيء . في معادلة لا يمكن ان تتحتم لا فينا ولا في واقعنا . هي ارادة بلا ارادة . وهي سؤال يفضي الى سؤال .
مجال5 : السهم ← متحرك
ان السهم ← متحرك ، ولأنه متحرك فهو بلا مكان ، إذ لا مجال للتوقف آنة واحدة عند نقطة واحدة في قضية واحدة ، فهو يجري كالسؤال او الفكرة . انه سهم لكن سرّه الحركة ، ولضرورة آتية من ضعف وعينا رسمنا افتراضا منّا ذلك القبل والذي قلنا به الماضي وذلك البعد والذي قلنا به المستقبل . والحركة هنا متساوقة مع الآنة الحاضرة فقط باعتبارات مفترضة مما هو قبل وعمّا هو بعد . تبدو النتيجة ومن زينون الايلي في مثال سهمه وحتى آلهة الرقمنة اليوم ان المكان منفي عن الوجود وان الزمان مؤجل ، ذلك بافتراض ان اللحظة في حركة دائمة ، وما كان هنا كان هناك الآن ، قبل الآن ، بعد الآن ..
والحركة هي الاخرى مجرد إفتراض طالما نحن لا نقرّ على زمن محدد . لأنها قيمة حركية وليست حركة . وان النقطة التي نبحث عنها لنقدّر الحركة كانت وهمنا المتصل بالمكان غير المنفصل عنه . وان تكرار تلك النقاط بواهمتنا هو وجود ← وهم الوجود . وهذا هو الخروج من النقطة . من قيد إفهومات المقاسة بطول وعرض محددين والدخول بواهمة اكثر صدقا بلا حدود . ولهذا الامر تنتفي الحاجة الى العلم وتصعد الى السطح الحاجة الملحة الى المجال . لأننا في النهاية نريد ما يمكن ان يتساوق مع المعطيات الآن .
مجال6 : طريق التقنية بلا دال
وكلما سلكنا طريق التقنية رجعنا بلا دال ..
والعودة من طريق ما يحدث بلا دال هي عودة تحمد لإلغائها التصنيف الاجناسوي : الذكر والانثى ، وسينتهي الصراع ← صراعنا نحن المختلفين ، وسيعمّ السفر واللاسكن ، وبدلا من وجوه متعددة او بصمات اصوات متعددة سنعيش الوجه او الصوت الواحد . انه المعنى الواحد الذي يفترض اشكالا او اصواتا متعددة داخل العقل لا خارجه ، مما يسفر الامر عن تلاشي الواقع او قبوله عابرا ، خيالا ، مفترضا ، لا يمكن التأكد من أصالة وجوده . بل هو افتراضات واقع قد وقعت عليه واهمة ابصارنا أو واهمة مداركنا الاخرى .
وبعد هذا ، ان المعنوية التي تفترض كل شيء لواقع ما ، وهي لا شيء ، ستكون كل شيء من لا شيء . ستكون مجالا وصفرا وتجريدا واحدا ، وسوف تبشّر من جديد بالواحدية المطلقة ، وما نحن الا نزعات تلك المعنوية المتعددة في الواحد . مما يعني ان المجال اطارها . من الصعب ان يحدّ اللاشيء شيئا . ولكن من السهل ان يحدّ الشيء لا شيء . فكيف يمكن ان يحدّ الفراغ الا المجال ، مثلما لا يحد المعنى الا المعنى .
مجال7 : اللاشيء يضيء الشيء
انظر الترسيمة الاتية :
المجال / لا شيء ← الشيء / شيء
المجال / لا شيء ← الشيء / شيء + الشيء (صفر) / لا شيء
في الترسيمة اعلاه نفهم ان الخارج دليل الداخل . أي ان المجال هو دليل فهم الشيء في الشيء عن طريق فضاء الشيء . بمعنى ان المادة لا تحكمها قوانين ذاتية صرفة كما نوهت ذلك بنيويات القرن العشرين . بل تحكمها فضاءات محيطة هي سبب ارشادنا لمعرفة ما يكون عليه الشيء ، ولولا تلك الفضاءات لما عرفنا شيئا عمّا يكمن في الاشياء . وهكذا اللاشئيء الذي يفضي به المجال سببا بالمجهولية سيكون فنارا فاعلا لإضاءة طريقنا التي تؤدي الى معرفة الشيء . لكن هذا اللاشيء هو ليس معنى معلوما بقدر ما هو مسؤولية الخارج عن الشيء ليكون دليلا على شيء .
ان الابصار نحو المعرفة بحقائق المجال سيؤثر على فهمنا للدال الحاضر / الغائب الآن . الحاضر بدوافع تخيّلات دالوية والغائب بوصفه حقائق سالفة . لقد ساعدنا المجال – عبر أداته اللاشيئية – على إقصاء الدال من الحضور الملموس وابقائه في باحة من التصورات . إقصاء الذي سيؤثر بكل تأكيد على أفاهيم الاتصال والانفصال . ان قطع حضور الدال سيفضي الى قطع حضور المسافة . وبدلا من الحركة الاتصالية الانفصالية القديمة والتي ترسيمتها : دال / مدلول ← دال / مدلول ، ستتشكل الحركة الاتصالية وباتصالية تامة لا إنفصال لها في ضوء حركة المجال ومبدأية تلك الحركة بترسيمة جديدة : المدلول ← المدلول .
اللاشيء حين يقود الشيء سيؤثر حتما على ذاتية الشيء مثلما سيؤثر على انموذج الخطاب الكلّياني لهذا العالم . انه مدخل فهم اخر . بل هو افتراض فلسفة لا تأتي انظمتها من الطبيعة المشفرنة في الاشياء . لكنها ستأتي من الطبيعة ← اللاطبيعة المجاورة بالإحاطة لتلك الاشياء .
هذا اذا وضعنا المجال مع الشيء موضع ابتداء فهم الثاني بالأول او مثلما اشرنا فهم المضاف اليه بالمضاف . وللتأكيد اكثر سنقرن مع الشيء بعد المجال ذلك الصفر . التجريد الاكثر زحزحة والغاء لكل تجسيد . آنذاك سوف يتزاحم حضور الشيء في موضعة اعادة نسيانه من جديد . نسيانه بوصفه الكينونة الفائضة والتي ستتوافر فينا قيمة كينونة لا كينونة وحسب . ان تلك الاضافة الصفرية كمبدأ أو مدخل فهم ستحاصر الشيء بين لا شيء ← المجال من جهة . ولا شيء ← الصفر من جهة ثانية .
مجال8: العقل مفتاح الصورة
اذا كانت الصورة مفتاح الجسم ، ترنيمة المادة في إظهار جمالها ، وجودها ، وظيفتها ، في كل تمرحلات ما سبق فان العقل سيكون مفتاح الصورة فيما لحق ، ذلك لان من اسباب إلغاء المكان العوم في الزمان ، عوما يسهّل الحركة ويمنع تواجد الفواصل : فواصل الحدود والقياسات والتكرار والاسباب وسيفضي طريقنا نحو بحر من الامتدادات بلا ضفاف أو نهايات . ان أثر الصفر في الشيء كأثر الحرارة فيه ، فالحرارة بمثل ما تزيده تسخينا تزيده امتدادا . قوة ستفرض على المادة / الجسم ملكة اللاتناهي على ما كان في أصله متناه .
ان التواصل عبرة مشفرنة : عقل – جسم غير التواصل الذي نريده بمشفرنة : عقل – عقل ، فالأول كان مغزى الثنائية وجوهر تشكّلات الخطابات عبر تشكّلات المراحل الفلسفية جمعاء ، ومنه أو فيه خضعت جميع القطاعات الى تشكيل أو تصنيف نفسها وفقا لما تعيره تلك الثنائية . الامر الذي حملها محمل البداهة في الكشوفات والاستقصاءات ومقادير المعرفة . في المشفرنة الاولى ينطمر المعنى تحت أدمة الشكل . بينما في المشفرنة الثانية ينطمر الشكل تحت أدمة المعنى . لكن ليس بدواعي التفاضل كما تقدم كاساس في نتاجات المراحل الفلسفية السابقة . بل بدواعي الخروج من معطف الثنائية والدخول بمعطف الاحادية ، خاصة لمّا تطورت التقنية وصارت تساعدنا بالوصول الى ذلك .
ان قولتنا التي تتجه بان المجال في سيرورة احتواء الشيء سيرهن نتائجه بفصل العلاقة التي كان عليها الزمان والمكان . العلاقة التي لم يفصم عقدها يوما ما . بل غالبا ما كان المكان فيها اقوى حجّة وظهورا واثبات فهم أو وجود من الزمان . بل اني ارى ما كان يفكّر به الجميع بان الزمان كان وجه العملة ثانويا ، متعاقبا ، متّحدا وبأشكال شتى او مصنّفات تعيه وتعي إشكالات حضوره شتى . ان مشفرات الامس رأت العلاقة متراكبة او ثنائية على نحو : زمان – مكان لتقدير المعرفة . لكن الاسباب ناهضة بالتقانوية المتميزة في الوقت الحاضر فيمكن فرض مشفرة تعي إشكالات الحضور في علاقة احادية قائمة على : زمان – زمان .
مجال9 : تذاهن
لقد انتزع المجال من الشيء وثاق ارتباطه بالمكان وغيّب ذلك الشيء عن جسمانيته المشروطة بجسمانية المكان ، ولأنه قد تحوّل الى شيء شفّاف مضمر ، متخيل ، اندرج كتصور قبلي في الفكرة ، العقل . انه تذاهن نوعا ما . وهذه الحال قد سلبت منه قشرة الكينونة ودعّمته بأمصال المجالات الواسعة ، والتي تتجرد باستمرار .

 

مجال10 : الحضور الصفري او التلازم بالتجريد
لطالما راهنت الانسانية على سلطة التقني . على تلك الإمكانات التعبيرية من التقانوية والتي ستكون الوسيط الذي لا مجال عن اثبات الانا بدونه او اثبات الوجود بدونه . التقانوية هي معنى / غاية وليس وسيلة او اداة . ان ذلك الرهان التقانوي سيؤدي بالضرورة الى رهان الحضور الصفري في مسألة الفهم والاثبات . راهنية التلازم الابدي . التلازم بالصفر هو نفسه التلازم بالتجريد او التلازم بالحركة والحياة . ولكن ليس كما كانت عليه الحركة او الحياة المشروطة بارادة مكانية بحتة . بل كما ستكون تلك الحركة او تلك الحياة وتحت شرط الارادة الزمانية البحتة .
مجال11 : معان ذائبة
ولن نكون في ذاك الخطاب اعدادا ما في واقع ما . بل سنكون معنوية متخارجة عن أفاهيم العددية . اننا الماء في أصلية الماء . أي القطرة في أصلية المطر ← البحر فلا يمكن فصل مائية القطرة عن مائية المطر او البحر . وهكذا نحن اخلاط ماء . أي اخلاط معان لا صور لها الا صورة واحدة مجردة . ومثلما الماء سرّ الماء سيكون المعنى سرّ المعنى . اننا معان ذائبة في المعنى كذوبان الصفات المتعددة في الموصوف الواحد . ان الصفر قادم ..
اذن ، الشيء بذاته او بـ الأنا المترابطة فيه ليس شيئا ، سوف تتحقق الحصولية أو الحضورية للشيء بالتجاورية التي تلازمه . بذلك الإمكان المجالوي الذي احتواه . لذلك بدلا من سحر امتداد المكان المقيد سيحلّ مجددا ، ومنقلبا عن كل ما سبق ، الاحتواء كسحر في الزمان اللامقيد . ما يجاور الشيء ليس بشيء ولكنه كل شيء . وسيكون مثله مثل الصفر في الاعداد : هو لا شيء وكل شيء في آن واحد .
بالغت مراحل التفكير – عبر المكانية – بالإقرار الثنائي للذكر والانثى او الذات والموضوع . فالعالم كله هو تلك العملة ذات الوجهين : وجه الذكورة ، فيه المتلاصق والمتقابل والمتعاقب والمتوازي والمتفاوت مع وجه الانوثة . كل فكر كان اما فكرا ذكوريا يتفاضل فيه الطرف الذكوري على الطرف الانثوي او كان فكرا انثويا يتفاضل هذا الاخير عمّن سواه في العملة .
مجال12 : ماهية الصفر
كان المعنى ذكرا في الميتافيزيقا وكان الشكل انثى . وكانا المعنى والشكل في ذكورة صرفة في الحداثة لتطابقهما التام . وكان المعنى انثويا كما الدال انثويا في مرحلة ما بعد الحداثة . وهذا الفهم التقى ايضا بمشروع الفلسفة من حيث الذات والموضوع باعتبارهما صور التفكير التي ألفت التفكير بمراحله المتعددة .
لكن ، هيت لذلك بقاء ، بعد سنوات من التقانوية معدودات وهنّ سنوات آتية ، لاريب في ذلك ، عبر التقدم التكنولوجي المطرد ، ولحضور الصفر كونه ماهية عليا ، جوهر ، حقيقة متعالية ستنتهي الثنائية : ثنائية التذكير والتأنيث ، سوف تنطمر تماما في قاع الصفر . فالمجال الذي انشغل بالصفر انزل عقوبة الإلغاء بتلك الثنائية ، ولأنه اتزان معنى في حومة المجال . اتزان ليس باعثا لأيّما طاقة وليس ماصّا لأيّما طاقة فان ما كان في يمين الصفر ضمن خارطة العددية والمسمّاة اعدادا صحيحة ايجابا . وما كان في يساره سلبا . انما لكون ذلك جاء من قدرة الصفر على تجريد ما يجاوره من اعداد فيجعلها في سلّمه التجريدي واحدة ، هي فيه ، ومنه ، تلتقي عنده ، وتصاحبه على حدّ سواء .
كل صفر هو مجال آخر مثلما كل مجال هو تصفير مجاور . تصفير مضاف . اذن ، المجال صفر . والاضافة هنا تكرار تجريد . ولان التقانوية تتقدم اذن ، المجالات كمبادئ عليا تتقدم ، كذلك الصفر . الذي يؤكد ما نفترضه سؤالا لإجابة التقانوية في التواصل والفلسفة .
ان قبول المجال كأصل للفهم أرخى مداخلنا بقبول الصفر ، قبولا من شأنه ان يلغي ايديولوجيا ورياضيا ما كان في اليمين وما كان في اليسار . ان المجال من قابلياته ايقاف العمل بمشاريع الايديولوجيات . إلغاء السياسة من قواميس الخطابات والعمل . وما يتبقى من فواعل السياسة والفعل الممكن من مبادئها ، لأنه فعل تواصل واسفار مفتوحة .
مجال13 : تداول احادي
بمعنى ان لا شيء سيكون خارج الذات ، مما يتأكد تماما استبعاد الدوال من لعبة الحضور، وكذلك لعبة تشكّل الخطاب ، واستبعاد توافر أي بعد للمسافة في انشاء الاتصال على اساس امحاء لغة التداول الثنائية وابدالها بلغة تداول احادية . بمعنى ان الاتصال سيكون من الذات الى الذات بوساطة الذات / الآلة المحفزة لذلك .
لما كان سابقا في عهود المراحل الثلاث المنصرمة ان المدلول / الذات ( الداخل ) يحتاج الى دال / موضوع (خارجا عنه ) او ( دال ومدلول ) مطلقين متخارجين بغية انتاج الدلالة ، كانت المسافة متأتية حسبما طبيعة العلاقة والمسافة بين الداخل والخارج او بين الحاضر والغائب على نحو واضح . ولان تداول الخطاب في المرحلة الجديدة : ما بعد / بعد الحداثة او المجال الصفري كان من حاصل التقاء الذات الحقيقية بمدلولها الداخلي مع الذات المقترضة ( المرقمنة ) بمدلولها الداخلي . الامر الذي سيعدم وجود مسافة في نقل الخطاب مثلما سيعدم وجود أي طرف خارجي / موضوعي في انشاء الدلالة .
مجال14 : العقل مسرح الاحداث
المسألة اذن ، تتشكل من داخل ــ داخل حصراً . وأن الدال سيتحول في هذه المرحلة الى افتراض شفاف متصور داخل الدماغ وحسب . على اعتبار ان مسرح الاحداث هو العقل / التفكير / الوعي بملكة ذاتية خالصة.
وبدلًا من مفاهيم منقرضة مثل :
مثلث الاتصال
نوع العلاقة بين الدال والمدلول
طبيعة المسافة ما بين داخل / خارج او حاضر / غائب
الخطاب انساني / انساني حصراً
المكان اصلا لتمظهر الاشياء
ستحلّ مفاهيم اخرى جديدة مثل :
– سهم التواصل وهو مدلول 1 مدلول 2 .. وهكذا.
الغاء الدال
الغاء المسافة .
الخطاب: آلي / انساني حصراً .
الزمان اصلاً لتمظهر الاشياء.
الرابط يكون داخل / داخل او غائب / غائب .
في لحظة كهذه يتغيب عن الوجود المكان وتنعدم المسافة ويشترط الدماغ مسرحة الاحداث . آنذاك لن يكون الزمان حسبما تقسيماتنا المفترضة صلباً، انما يكون سائلاً لا يقرّ على تموضعة محددة فهو لعوب ، قافز ، طافر . لا يقر على ماض او على حاضر او مستقبل انما يشملها جميعاً في آن واحد . ويلعب ويتلاعب بها بلا حواجز او مصدّات .
مجال15 : التلاعب الزمني
وهذا التلاعب الزمني الحر لن يجعل سهم التواصل افقيا او عموديا او منحنيا او مائلا في شكل ما محدد . بل سيشمل كل الاتجاهات ، وسيقبل التبعثر في الاتجاهات مثلما سيقبل التنظّم فيها ، وسوف يمتدّ وينفذ ويتقلص ويختفي ويظهر، وسوف يكرر ولا يُكرَر وجوده ، مما سيدعو الحركة ان تكون ،كذلك، حرة تحتمل كل الاتجاهات ، وتنتشر مثلما تريد بالكيف والكم والمدى.
ولن يكون الحضور الحاضر / الظهور / التجلي اصلا للتدليل على الوجود او الموجود سواء كان ذلك الحضور الحاضر في وعيه / مدلوله او في تجربته / داله . مما جعل من الظلام / العدم / الاخر في مساحة التهميش والنسيان . انما سيكون الحاضر الاول لكل حضور هو ذلك الفراغ / الاظلام / الصفر بلغة الحاسوب، وهو سوف يبرهن على وجود الواحد ، الاثنين ، الثلاثة ، في سلسلة التمظهرات للأشياء والعوالم .
وسيكون كل صفر عبارة عن تجريد متعال لتمظهرات رقمية لاحقة ، يمنحها الانبثاق والحلول مثلما يجردها من ذلك . انه الغياب الذي يجعل من كل الدوال الحاضرة شكلا من اشكاله بنوازع التجسيد الشفاف . الصفر هو امكانية الظلام للكشف عن الضوء . الامكانية الوحيدة التي ستفضح الحضور اللاحق من الغياب السابق . وكل ذلك يكون بدواعي الغياب . الصفر هو اللامتناه الذي يحتضن 1،2،3، .. المتناه .

 

مجال16: الحضور الداخل والغياب الداخل
اذن، سوف تتفاعل الاشياء ، تتشاكل وتتنافر على اساس العلاقة الجديدة القائمة بين الصفر والواحد . لكن ليس بطريقة الحضور الخارج والغياب الداخل . بل بطريقة الحضور الداخل والغياب الداخل . لان طبيعة الحضور ستكون شفافة ، ذائبة في أصلية الغياب . وهذا ما يجعل الفعل متناوبا بين الصفر والواحد . بين كلية الإظلام وجزئية الضوء . و هو النظام الجديد الذي سيؤكد وجودنا من رقمنة الاشياء وتناوبها في فضاء الحاسوب والمبدأ الأساس الذي نهض به ..
إزاء ذلك تتقلص المدارك الى :
ــ العقل وحسب
ومن العقل وفي العقل ، ستتوافر مدارك أخرى متداخلة فيه لا خارجة عنه مثل : العاطفة او الحدس . اذن ، العقل هو المنطقة الأولى الوحيدة التي ستزرع فينا المعنى، وسوف تنتج الدلالة، وسوف تؤدي بنا إلى مرافئ الفهم الأخيرة . لكننا سنعاني من انشطاره المستمر : عقل الإنسان الذي يترادف بالضرورة مع عقل الآلة. وعدم تحديد أو كشف الاولي منها والثانوي . المتصدر الذي يعمل ببرامجيات ونظام يسيطر على الأشياء من خلاله وعلى نفسه، وبمقدوره الانسحاب أو التراجع ريثما يساء مصيره وتضعف سيطرته .
هذا العقل من شأنه ان :
يدرك الكليات عن طريق الجزئيات .
تقليل الفائض.
الغاء المسافات.
طاقة الوعي وسرعتها مضاعفة بملايين المرات عن ايّما طاقة او سرعة سابقتين .
الدوال تصورات شفافة تتمظهر داخل العقل .
الغياب الغياب أصلا لكل حضور.
العقل والزمان صنوان .
اذن، سوف ينقسم العقل الى قسمين :
العقل الطبيعي . فيه :
عقل حقيقي
عقل افتراضي
العقل الالي
وهذا من شأنه ان يؤشر ان سلطة وقرار انتاج المعنى انطفأ تمثلها في : المؤلف / الماضي او الرسالة / الحاضر أو القارئ / المستقبل ، وصار اشعاع تمثلها في التقانة / الماضي – الحاضر ــ المستقبل معا . ان التقانة بدلا من ان تكون فعلا مساعداً في لعبة كشف المعنى وتحقيق الفهم صارت فعلاً ممركزاً ، فعلا اولياً في الانتاج . وان العقل الطبيعي لن يكون ثمة وجود له الا بفعل سيرورة العقل الالي . ان ما يمكن اثباته طبيعيا سيأتي من حيث ممكنات فعل الالة حصراً . الامر الذي سيؤكد التقانة اصلاً ومحوراً اولياً، بها تتحرك الدوال، وبها ترفع حجب المدلولات القارة في العقل . لذلك يتأكد القول بـ انطفاء مثلث الاتصال. وهي نهاية العصور الجاكوبسونية طويلة الامد . وبداية لعصر زينوني جديد، وستحل حركة السهم المنقطع كأصل لعملية الاتصال والتواصل، وبدلا من فضاء المكان لتشكيل الناقل او الوسيط سيفرض وجوده العملي فضاء الزمان لتشكيل الناقل او الوسيط مما سيؤثر على حجم وطبيعة المسافات فيقلصها او يذوبها ويعمل على تلاشيها تماماً.
مجال17: صفر الولادة وصفر الموت
كذلك الدوال تنسى كتلها او اوزانها وتتحول الى دوال (حرة) تُرى ولا تُلمس ، تتحرك في هواء مسحور كالأثير، وتستشعر ان حضورها طارئ بالنسبة الى غيابها . تستشعر ان رقمها او عددها في الحضور الممتد من (1) والى ما لا نهاية من الاعداد انما هو وليد الصفر او مبتغى الصفر . لأن الصفر سيكون رقماً مزدوج الدلالة : صفر الولادة وصفر الموت في آن واحد . لذلك جميع الاعداد سوف تتعشق وتؤول بالنهاية الى الصفر الذي هو الحياة والظهور والموت والإنطفاء . ان نقطة انطلاق او انبثاق الواحد هي نقطة يتراخى فيها الصفر لأجل خروجها مثلما يتقلص فيها الصفر لاحقا لأجل طمرها مرة ثانية . انها نقطة تعطي الاشياء وتهبها الظهور وبالوقت نفسه تأخذ الاشياء وتضمرها في الخفاء .
مجال18 : معدة المجال
هنا ، ان ما يكون من خطاب يكون رمزاً جديداً مغايراً لكل مشروعات الرموز السابقة . سيكون ( الرمز الاسطورة ) لأنه سوف يهضم في معدته الصغيرة جداً كل الموجودات الكبيرة جداً ، سوف يضع جميع الاحجام والكتل ويستقعدها في مجال القيمة . انه يعمل باستمرار وبطريقة آلية لجعل الدوال مدلولات ، يفرغها من اوزانها وأشكالها وأثقالها ليحولها الى مجردات مستحلبة. حبات معنوية تؤصل لكل المظاهر المتجلية داخل العقل وحسب . هذا الرمز الاسطورة هو اكثر من ضغطة زر في عالم الحواسيب ، وهو اكثر من عصارة من المدلولات التي تعبر عن كل دوال العالم . الرمز الذي يقارب الحقيقي بنقيضه ، ويجعل من الثاني اولاً ، ومن الاول لغة متماهية في التجريد . في تحقيق معنى المعنى المنصهر في الذات العاقلة .
ان ما يكون دالاً في الخطاب الفكري السابق : الميتافيزيقا والحداثة وما بعد الحداثة سيكون مدلولاً لا بدواعي الانقلاب الجزئي مثلما فعلته ما بعد الحداثة في مشروعها الاثر : ذلك الذي يقبل ظهور الجزء من طرفي المعادلة الخطابية : الدال والمدلول ، بغية انتاج وتخصيب ما اختفى من اجزاء . بل بدواعي الغاء مظاهر الاجزاء من الدوال والنظر الى كليات تلك الدوال على انها قيم دوال (مجردة) لا مجسدة مثلما كانت في السابق .
ان الجزء الذي سنرى فيه الكل ليس مادياً. بل معنوياً وأن الكل الذي تراءى لنا بوساطة الجزء المجرد كان مادياً مجسداً، او استطاع العقل الطبيعي والالي معاً ان يغايرا من معادلة قراءة الاشياء .. وهكذا سنسحب المسألة من تداول الداخل / الخارج الى تداول الداخل/ الداخل بمسرحة متكاملة التداول في العقل / الوعي الانساني حصراً. أي سحب بساط التداول الطبيعي الذي يعتمد مفاعلة الذاتي بالموضوعي بنسب محددة الى ٍ مفاعلة الذاتي الحقيقي بالذاتي الافتراضي وبنسب غير محددة .
وهكذا تصبح حركة الدوال حرة ، سائلة في فضاء الزمان ، داخل مسرحة العقل ، وسوف تكسب جميع الاتجاهات ، وتتظلل بمختلف الازمنة ، وسوف تقبل بالوقائع الحقيقية بمقدار ما تقبل بالوقائع الافتراضية ، ويعد انتشار الحركة أمراً مقضياً لأنها لا تثبت على حالة، مثلما لا تثبت على مسار، ومثلما تتميع في الزمان .
الحركة ستكون اقتضاء للزمان وإحتواءً للمكان في آن واحد : الاقتضاء الذي يجعلها باستمرار ، منزلقة ، متصادمة ، متشعبة ، متعددة ، متفاعلة ، تتشابك في كل شيء ، وعلى كل شيء، ولأجل كل شيء، لا من اجل شيء . بل لان سعة الفراغ يجعلها منسابة ، مضطربة ، متطافرة ، ولأن غياب الدوال من الحضور العياني الملموس قد اكسبها القابلية والمرونة ان تكون اثيراً معنوياً ( مدلولاً) . الحركة هي كل املاءات الفراغ للزمن، وهي اشتراط المحتوى الذي سيذوب المكان فيه . لان يكون قيمة مكانية . قيمة يمكن رؤيتها بالعين ، لكنها بلا ملمس . تسقط عنها حاسة اللمس على الرغم من تجسيم موادها بأبعاد ثلاثية .
هذا السيل المتحرك في مختلف الابعاد : طولاً ، عرضاً ،عمقاً ، زمنا ، وفي الاتجاهات كافة سوف يبرهن على مثوله المتواصل بأكثر من محل ، وبأكثر من اتجاه . لكن بلحظة زمنية واحدة . لحظة من شأنها إن تتقبل وقوع الإحداث في أكثر من مكان ولكن بزمان واحد . مثلما برهن على انزلاقه بتعدد الاتجاهات . انه سيل ألآن الفاعل / اللعوب الذي لايستقر في محل واحد ولا يستقر أيضا على زمان واحد ، وهو بمستطاعه أن يتوافر مرتين أو ثلاث أو أكثر بفعل واحد وزمن واحد . ان الحركة هنا سوف تترادف مع التزمن . وهذا ما يجعلني موجودا هنا وهناك في آن واحد . وسوف أناديك : أنت الذي تقف بجانبي موجود هناك ، هناك ، وهناك …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى