الثقافيةالمحليةمنوعات

حروب انكفاء الذات.. و’موت الدولة’

حروب انكفاء الذات وموت الدولة
دراماتورجيا: د. جبار صبري

كل مـا نحتاجـه للحــرب ذاتـا تـنزع عنـها الانسـان. ذاتا من شـأنها أن تنشطر الـى شطرين: شطر الأنا التي تعقل الانسانية فيها وشطر يمرّغ الانسانية بوصلة التدمير.. وكل ما نحتاجه للحرب أن تنتصر الذات الممروغة بطين القتل ونسيان بل نكران الذات/ الانسان في رحلة لا يراد لها الا سفح المزيد من ورد او دم الانسان بين يدي بساتين اليد المورقة بأشجار ثمارها توابيت الرصاص والارامل والايتام.
إذن، مـن ذلك الأنا؟ ذلك الذي يسأل بطبوله ورغباته المتوحشة الجلادين من أجل الحرب. الأنا التــي تسأل قتل نصفها بحجة البقاء او بحجة ارضاء نزوات التفكير الممروض او الغرائز المدمنة. من ذلك السؤال نفسه الذي يلعب على ذاتي لعبة الانشطار فيجعلني انقسم على نصفين: صوب القاتل من ضفة المدينة/ أنا، وصوب المقتول من ضفتها الاخرى/ أنا، وليس من خاسر في هذه اللعبة الا أنا، وليس من اجابة عن سؤال المدينة، يمينها او شمالها، الا أنا. كل ما اعرفه عن نفسي هو أمنية: ( اتمنى لو أنني لا أعرف نفسي ).
دائما هناك اشارة البدء. لكنها ليست معجزة من خارج او داخل الذات/ الانسان. انها ترنيمة العلامات المتناسلة بالقتل والحروب. إنها الذات التي تحمل على ظهرها قرابين المعزوفات الخطرة والتي بإطلاقها سوف تنزف دماً عبيطاً دافقاً يسيل ويجرف كل زهرة نضرة من بساتين الحياة النازكة.
هذه الاشارة تأتي من داخل الذات. من عمق الذات. من رغبة انفصام الذات، ولأننا شعوب منقسمة بنفسها على نفسها. نبحث عن ترنيمة الصنوج التي توقظ شراهة وأضراس الحروب فينا, وهي معجزة الزمان كله. المعجزة التي تحمل كل سلب الانسان على هذا الكوكب الجريح به.
وسؤال البدء: لماذا نصر دائما على أن نضرب الصنوج؟ لماذا نتقدم طواعية لأغانيها؟ لماذا نمنحها الصوت الذي يهيّج أزيز الرصاص ويحرك سرفات الدبابات او زئير الطائرات؟ لماذا نمنحها الرغبة والفعل باقتلاع القاتل منا وجعله علماً يشار اليه بالأولوية؟ لماذا نكرر ذات المعزوفة طوال وجودنا؟ لماذا هذا النموذج من ترنيمة الصنوج يعد أصلاً لممارسة فعل القتل وتعظيم ارادة التدمير والخواء؟ لماذا تاريخ شعوبنا ترنيمة صنوج بلهاء تنادي فقط باسم الحروب؟
اذا كانت المعادلة متراكبة على نحو:
1- الضحية / الشعوب
2- الجلاد / السلطة
فلماذا يتعاون بعضنا البعض من أجل استمرار لعبة القتل ونمذجة ادوار القاتل والمقتول بين الضحية والجلاد؟
ولربما تبدو الاجابة من نـوع لا يرغب فيها الكثير بوصفها اجابـة ستفضح الذات من داخل الذات. تنتقدها مباشرة بلا مراءات، وهي تكشف عن المسكوت عنها أولاً:
أ‌- كانت الذات/ الضحية مصنعاً طبيعياً للذات / الجلاد .
ب‌- كانت الذات/ الضحية تقدس نموذجها وتعيد حيوات هذا الانموذج باستمرار لأنها تعتقد أنه الهوية المتجذر فيها.
ج – كانت الذات/ الضحية تعيش أقصى درجات الراديكالية.
د- كانت الذات/ الضحية ماضوية بامتياز. إنها تنظر الى اليوم بعين الامس.
ه- كانت الذات الضحية قد أدمنت التقتيل بها وصنعت من هذا الادمان معالم هويتها وخطابها.
و- إن الهزيمة جزء مثالياً من انتصارها او بقائها.
ز- تأليه كل غائب متأخر على كل حاضر متقدم.
ح- تأليه المبادئ الراديكالية/ الثابتة على نسبة المصالح المتغيرة.
اذاً نحن مرضى بداء الصنوج. بذلك الداء الذي يوقظ جوع القاتل امام مائدة المقتولين. بذلـك الداء الذي ينبه وعينا المفقود بأهمية أن تستمر الحرب لتكرار نموذجنا ولتأصيل هويتنا. بذلك الداء الذي لا تفزع منه الذات. بل تقرّه أصلاً لوجودها ومعياراً لتحقـيق كينونتها او مبـادئها او مصالحها. وبذلك الداء الذي يسيل لعاب القاتل والمقتول على صوته المؤلم. وحياتنا لن يكون لها الطعم والبقاء الا عن طريق العزف المشروخ بألة الصنوج القذرة.
هكذا يعزف البدء عند طرفي الصراع: طرف القاتل وطرف المقتول. ان عزف الضحية بتقـديمه اشـارة الحرب ويقظـة المـوت الى الجلاد هي نفسها الصدى الذي يعكسه الجلاد على ترنيمة افكار الضحايا وتقبلهم على ترهات مبادئهم. انها المرايا الثابتة التي تعكس افعال وردود افعال طرفي اللعبة في مدارات الحروب.
إن فضاء العرض البشري يعد مرادفاً لفضاء العرض المسرحي والعكس صحيح. فهو، ابداً، يبدأ من صميم او قلب البياض والهدوء، وما نحبكه من أفعال سيلطخ الفضاء بهباء ما نفكر به، وما نقصد ان نكونه باستمرار. وهذا ما جعل الترنيمة بالنسبة للصنوج شرخاً لذلك الفضاء البكر في حيواتنا من جهة، وفي عرضنا المسرحي من جهة ثانية. الشرخ الذي لا تندمل دمّلاته المتورمة من حيث قيح ذاته المنتفخة، وكأنها اشارة صاخبة الاجابة: إن الفضاءات الواسعة لا يقلصها او يصغرها جداً الا سفوح الدماء الطرية بألة الحروب الهوجاء.
في بلاد ما بين الجرحين أعتدنا الاتهامات الثلاثة المترادفة مع ضربات الصنوج الثلاث:
ـــ خائن
ـــ طائفي
ـــ عنصري
أعتدنا ان تتشكل الذات جغرافياً او فضاء درامياً على اساس تسلسل الاتهامات ، وأن تحكم على الذات/ الجسد بتلك الاتهامات/ التقسيمات من الاعلى الموصوف بها او من الوسط او من الاسفل في دائرة يتكرر فيها هذا المثلث من الاتهامات وتحدث اعمالها ما بين اضلاع المثلث ويستمر القتل واللعبة على حد سواء.
كانت الصورة الاولى: خائن ، طريقاً من الشعوب/ الضحايا التي تفرّ مذعورة، وهي تحمل على رأسها كراسي الجلاد من اقصى اليمين الى اقصى اليسار لا لشيء الا لتؤرخ وضعها المؤدلج بالقهر والقتل والنسيان. وكانت الصورة الثابتة: طائفي، تقلصاً وتقهقراً منضوياً متكتلاً من الضحايا وهي تشعر بثقل الكراسي/ السلطة على رأسها المثقوب بالانغلاق الديني في فضاءات العرض / الكون الواسعة. وكانت الصورة الثالثة: عنصري، حدود الفصل ما بين جميع الخطوط من الشعوب لأجل أن تكـون خطاً واحداً مطبوعاً بلون واحد يقف مثل قطيع متشابه الاشكال باستقامة واحدة يصنت بطاعة عمياء الى صوت او سوط جلاده.
وبحضور مثلث الاتهامات: خائن, طائفي, عنصري، يحضر مثلث جغرافيا الذات والفضاء الدرامي: كردي، عربي ( سني ــ شيعي ). وهذا الحضور المتقابل يضع ذاتاً في مواجهة:
1- الوطن/ الخيانة
2- الدين/ الانغلاق
3- القومية/ احادية الهوية

ينظر المرتسم الآتي: يوضح المرتسم التقابلات والتناظرات والتفاعلات بين مواد الاتهامات الثلاثة في مركب الجسد الثلاثي الابعاد.

طائفــــي سني ديــــن

خائن عنصري كردي شيعي وطن قومية

يتأكد من هذا المرتسم حقيقة واحدة استدل عليها حدساً وخبرة: أن الجلاد متساو. بل متطابق في شكله ومضمونه مع الضحية ،والعكس ايضاً صحيح. ويتأكد لي ان أضلاع المثلث منصهرة مع بعضها في المدخلات والمخرجات، والتي من شأنها ان تكسر بوصلة الطريق وفوانيس السلام وتشتت الاتجاهات وتشعل براكين الحروب. ويتأكد لي كذلك ان الادوار متشابهة الى حد اللعنة، وأن دائرة وجودنا مكرورة الخطوات يلتقي اولها بأخرها مثلما يلتقي الخائن/ الوطن بالطائفي/ الدين بالعنصري/ القومي في مساحة متساوية الاضلاع من جهة، ومعدومة المصير من جهة ثانية.
إذن، هناك ثلاثة اتهامات متلاصقة مع كل ذات وبأي زمن او مرحلة وهذه التلاصقات تترادف كمنظور للتعبير مع ثلاثة أسـواط. ذلك على اعتبار أن السـوط هو الذي سيــؤرخ بحضوره القمعي ميزان الحكم وتصفية الضد/ الخصوم من داخل الذات او من خارجها.
وهناك نتيجة لمقدمة السوط واضحة مفادها أن طريق الخيانة/ الطائفية/ العنصرية سيؤدي حتما لتوافر قوة قمعية تعمل باستمرار على تصفية الذات/ جسديا او فكريا حسبما مقتضيات الحاجة. ولما يتعالى صوت القمع واستخدام العنف كحاصل لعملية تحقيق الذات وجوداً تتعالى افتراضات وجود الضحية واستلابها المستمر كضرورة للتعبير من تلكم الثنائية المتلازمة.
هذا يعني أن السوط سيتقابل حتما مع نوع الاتهامات من جهة، وتقمص الدور الذي سيلعبه منصهراً فيه من جهة ثانية, اذ تفترض حالات انكسار ونكوص الذات مطلباً للقمع نتيجة ضعفها الدائم وسيكون السوط مجتمعياً او سلطوياً هو شكل من اشكال بناء الذات/ الدولة/ الخطاب. إنه الوجه الرئيس لحركة المجتمع واطارها السلطوي. إنه بوصلة بلا ضابط انساني يشير ابداً نحو قهر او قمع او مسخ الذات. ذلك لان طبيعة السلطة بمقود السوط تؤدي الى انهيار ثقافي او حضاري ويتحول المجتمع بإرادة منه او بغير ارادة الى قطيع اجوف يساق الى مقصلة الذبح والتهميش والتشرذم.
ولتجسيد قوة السوط على الجسد المجتمعي فينا لازم ذلك ان تتحرك بوصلته بالاتجاهات الآتية:
سوط 1: هذه الضربة/ الحركة/ السلطة/ الشعب، تجعل من الجلاد والضحية في أقصى يمين المنحنى. تجعله عذاباً بمستوى الموقف الايدو ــ ثقافي باتجاه اليمين. آنذاك تبدو الراديكالية/ الخرافة/ الماضي/ التخلف انماط سلوكه وتعبيراته في قراءته لنفسه او محيطه او أفكاره جمعاء. إنها حركة السوط التي تجعل من التاريخ كله منحشراً في يمين خطابه وتصبح سلوكيات الشعب/ السلطة واحدة في انماطها وتعبيراتها على الرغم من التفاوت الصريح بين مكانة الجلاد من مكانة الشعب.
سوط 2 : هذه الضربة/ الحركة/ السلطة / الشعب تجعل من الجلاد والضحية في أقصى اليسار. إنه متجه العذاب والدمار والتأوه بإطاره الايدو ـــ ثقافي كوجود وهوية تختزل، بقوة، يسارها مثلما تختزل يمينها. لأن الذات بمستويها: الجلاد والضحية تعيش ازدواجية التطرف: تطرف اليمين المساوي لتطرف اليسار. إن كل اهات الضحايا/ عذاباتهم لا تختلف صورها وتصوراتها اذا ما انعكست على مرآة واحدة اهات الجلادين : كلاهما وجهان للعذاب. لعملة في الاحساس واحدة يتذوق طعمها المرّ الثابت معاً كلا على حد سواء: الجلاد والضحية وكأنها طبخة واحدة استخرجت من فرن واحد.
إن اليمين يسار لحظة التطرف، والعكس أيضاً صحيح. ذلك على اعتبار أن الجنس المنغلق سواء سحبته بوصلة المتجه يميناً او يساراً لا يتأثر بتغيير الاتجاه او حركة البوصلة إنما أثر التمسّخ في وجه القبلة سيكون واحدا عليه، فلم يعد يدرك السلطة او الضحية. من وجه من؟ ومن بوصلة من؟ ومن متجه من؟ ومن سوط من؟ ومن عذاب من؟ ومن قاتل او مقتول من؟ في لحظة تدور فيها الوجوه على قراءة المصير لتعكس حقيقة واحدة: تطرف اليسار مثله مثل تطرف اليمين. كلاهما يشوّه الوجوه البشرية مثلما يشوّه الوجوه الثقافية، ويتناسل بالقرف والجرب والآهات المشتعلة بلا نيران.
سوط 3: في هذه الضربة من السوط تتواجه الأنا بالأنت مثلما يتواجه الأمام في حركة المسار بالوراء في نزاع دافق بجرّ الاتهامات عن طريق حبل بطرفين متشابهين في النتيجة، مختلفين في الآلية: طريق الجلاد وأليات وصوله وطريق الضحايا وأليات وصوله، وطريق الضحايا وأليات وصولها.
اذاً هي الأنا تواجه/ تعادي الأنت. ذلك يؤرخ الى لحظة متشابهة وإن كانت معيشة بثلاثة أزمنة متباعدة في أشكالها، متقاربة، مندمجة في محتواها: الماضي من الأنا او الانت يشبه الحاضر منها ويشبه المستقبل. كلاهما أرهقتهما قترة المصير وسوء سؤال الوجود او الموقف.
في داخل كل أنا عداء للآخر، مهما كان ذلك الآخر، انساناً، حيواناً، جماداً، كل آخر هو بالضرورة يختلف عن ذلك الأنا، وهذا الاختلاف هو مدعى للخروج عن الحقيقة الاصل. على فرض أن الأنا مشبع بروح الحقائق الأم، وأن الآخر غير منتم لها.. وهكذا يكون الطرف البعيد سواء كان أباً ،أختاً، صديقاً ، ابناء. اذا لم يخضع الى الانكفاء التام في الانا فهو بالضد منها. ومقاس ذلك لدينا أن الآخر هو محمول في اللون الاسود المغاير تماماً للون الأنا: الابيض. ولن يكون ثمة وجود او مبرر لأية الوان او تدرجات أخرى. مما سوف يكون الانا: القوة الاولى، سر الخطاب، وكلية الدولة، وحقيقة الحقائق، بينما يكون الآخر في مصاف الطاعة العمياء، الهامشية ، الثانوية التامة، المنجذبة نحو الاولية التامة. وبدلاً من أن يحل التوازي والتساوي في توزيع المهام والنسب سوف يحل التراتب وتحت عنوانات رئيسة مفادها: أنا الاعلى والآخر هو الاسفل.
ـــ ( عليك أن تسمع كلامي أنا)، ويدل ذلك فيما يدل على وجود الثنائية الملازمة لوجود الوطن: كأنما التراتب هو الاطار العام لسياقات البلد مما يدفعنا لرؤية الخطاب وقد ركن الى انموذجات ثابتة مثل:
1- الغاء فكرة المواطنة.
2- قيمومة العلاقة الوطنية متأسسة على التراتب: أنا أعلى وأنت أسفل.
3- النزعة الشمولية أساس الدولة.
4- الماضي في الزمنية يشكل أصلا لمعالجات الحاضر. على اعتبار أن مرجعية الحقيقة المطلقة للأنا منتزعة من الجذر الماضوي المقدس.
5- خطاب الدولة دائماً في مصاف الراديكالية.
6- التاريخ يكتب بقلم الانا التي تستبعد كل انت.
7- أصل الحقيقة ميتافيزيقية.
8- الارتباط الوثيق بين الايديولوجيا والدين.
9- السلوك القطيعي أساس المعاملة.
10- الأنا يعيش وهم كلية الدولة والشعب.
اذاً، في العراق وجهان: وجه الأنا المعرف الممتلئ بالحقيقة والحضور والهوية، ووجه الآخر النكرة. مما يدعو أن تكون كل هوية مصغرة تحمل جزئها المنضوي في الوطن وكأنها الهوية الأصل. وكأنها الأنا الكلية في جغرافيا الدولة. وهي اكتمال بدر الحقيقة في الايديولوجيا والدين. وهي الاكتمال الاوحد في خارطة الايديو ـــ عقائدية وامتلاك الاولية المطلقة.
إن تقسيمات مثل أنا، انت، هو، ستكون برمتها مثالاً متوازياً يشبه الاتهمات المنصرمة من جهة، وستفرض لعبة تبادل الادوار حضورها بتوافر القوة والغلبة من جهة ثانية. ما يجعل أن الاقنعة المختلفة نتيجتها واحدة حينما يمسها شواظ السلطة وكرسي المقدمة. آنذاك يكون وجه الأنا في دوافعه وثقافته منعكساً على مرآة انت او هو بنفس درجات انعكاس الأخير على وجه الأنا، وكل شفرات الاقنعة في التبادل بوصفها شفرة واحدة على الرغم من تعدد الأوجه.
لقد حمل النص هذه الثنائية مثلما حملها العرض المسرحي: أنا معرّفة وانت نكرة، وحين يتغير كرسي المقدمة تنقلب معرّفة الانا الى نكرة، ونكرة الانت الى معرّفة بتوالد انقلابات لا طائلة لها مثلما لا حصر لها. وبخسارات فادحة ودوّامة قهر وحروب مستمرة.
وبمنطق أن الأنا س والانت ص والـ هو ع في حاضنة الوطن تكون المعادلات الاتية مدار الفعل والحضور والتدفق على نحو:

س الأنا = ص الانت = الوطن = الحروب
ع الـ هو

ص الانت = س الأنا = الوطن = الحروب
ع الـ هو

ع الهو = ص الانت = الوطن = الحروب
س الأنا

من هذه المعادلات نستنتج أن الوطن هو الخاسر من لعبة الانتفاخات في مثلث اضلاعه: س، ص، ع المترادف مع ثلاثية الاضلاع في الكينونة الوطنية: كردي، سني، شيعي على فرض ان المعادلات من المنطوق أعلاه ستؤدي حتماً الى ديمومة الحروب من حيث ديمومة نمط المعادلات ذاتها. وهكذا سوف يظل س الانا معادلا للوطن ومؤداه الحرب، وكذلك ص الانت او ع الـ هو . مما لا يبقى شك في ان النتيجة المستخلصة ستكون حروب.
إن ابرز محنة خرجت من محاضن المعادلات السابقة ستنضوي تحت عنوان المثقف، لأن هذا العنوان الرئيس في صناعة خطاب الدولة ازاء الحروب أعلاه لزم، حسب معطيات ظروف انتفاخات الهوية المنكفئة في س او ص او ع، دروب الهامش المنعزل تماماً عن مراكز وأقطاب الحروب، لضعفه، وقلة عدده، وقدرة خصومه الاشداء في تصفيته سريعاً، ولانعدام صوته الضائع في لغط او صخب الانكفاءات والانغلاقات التي تؤطر س او ص او ع بحجومها وأوزانها المتضخمة.

إن كل تاريخ الثقافة والمثقف ازاء الهويات المنغلقة يمكن اختصاره بشكلين من الوجود:
شكل 1: التفرد بوصفه صوتاً خفيضاً غير مسموح في صخب المجموع الممتلئ بسياق عدده وعاداته وأدلجته.
شكل 2: سرعة هامشيته في تمثله لدور التبعية المعبرة عن صخب المجموع لكونه مندرجاً في سياقهم.
يتساقط الانسان العراقي بهوياته المتفرعة المتناسلة في سلسلة الاحداث مثلما تتساقط أرقام سنواته. أن رئة كل فرد، جماعة، نموذج، قالب، مذهب، عشيرة، مازالت تتنفس من انكسارات تلكم الارقام المتساقطة من غيمات الاحداث الممروضة بالهواء والماء الآسن. تاريخنا كله عبارة عن غيمات متشابهة. وهذا ما سوف يضيّع علينا الاختلاف. فعلى الرغم من تعدد الوجوه لا ينعكس في مرأة الوطن الا الوجه الثابت الدوغمائي، المؤدلج حد النخاع الذي لا يمايز بين أن يكون جلاداً او ضحية فصورته واحدة تنعكس عليه بالوجهين: الجلاد والضحية دونما أي اختلاف او تمايز.
وهذا أيضاً من شأنه الا يرينا في الكثير من التفاصيل تقسيمات الوجوه او الحقائق او الازمنة. آنذاك لا نميز بين أدوارنا، ولا نميز بين المقاتل من أجل الوطن، والارهابي من أجل الوطن، واليميني من أجل الوطن او اليساري من أجل الوطن، في تدوير دائم الحركة والمتاهات الداخلية فينا والخارجية علينا.
إن 1921 تشبه 1958 وتشبه الى حد ما 1963 و 1968و 1980 و 1991 و 2003 و 2012. الرقمنة التي نمرّ عليها متفاوتة قليلاً ومنمذجة كثيراً، هي سوء أحوال الفكرة الواحدة التي تلبّد أجواء الاحداث المتغايرة، وهذا السوء سوف يجعل من جميع الارقام انعكاساً لرقم الموت المؤدلج باسم تناسلات الحروب. كل رقم هو تاريخ عالق في وحلة الانا وسبخة الانت ومحرقة النحن. أرقامنا هويات بطعم البارود والارامل والايتام وسوء أستخدامم الوجود: وجودنا عبر الانكفاء على النموذج الدوغمائي المتكرر بالرغم من حركة الزمن وتباينها.
وليت الأمر انتهى عند هذا الحد وتنطمس الرؤيا وتضيع الهوية فهذا الرقم المتلازم الثابت فينا ومعنا ويكرر نفسه بوصفه المقدس الذي تشبّع مهيمنات تاريخه أخذ في سنة بل في شهر، بل يوم بل ساعة بانتفاخ او ورمة وصار من مجرد افتراض خرافة الى أخطبوط متوحش يتجسد في طرق الاحداث وصناعة الأنا او الانت او الهو، في حقل ملغوم بالقهر والحرمان والحروب.
وبأكثر منطقية سنقترض المعادلة مدخلاً لربما لا يستسيغه البعض: مدخل التساوي بين الانسان، في كل حكوماته وبين الحيوان، اذ من السهل التقارب بين الاثنين، ومن السهل ان تتصدر تهمنا للأخر على فرض قلب معادلة الانسان بمعادلة الحيوان، وبالنتيجة لا فرق بين الانموذجين: كلاهما يؤديان الى الحروب التي تلطخ انعكاسات الصورة فتجعلها واحدة في مشهد الذات. إن كل أنا هي انت وكل انت هي انا ، وبالتالي وجهنا او صورتنا واحدة وحالات استحواذ القوة هي المؤشر على عملية التراتب بين ان يكون الأنا أنسان او حيوان وبين يكون الانت في لعبة مدارها التدوير.
نحن ندفع ازاء الحرب بمثل ما تندفع الحرب ازاء نحن. معادلة طردية ثابتة، اذ كلما تقدمنا باتجاه الحرب تقدمت الحرب باتجاهنا، والخسارة في هذه الحركة المزدوجة المؤتلفة ان تجعلنا غرباء من جهة، وأغبياء من جهة أخرى. الحروب مصدرها الغربة وفاعلها الغباء وعلامات استمرارها الابادة الجماعية.
هذه العلامات هي تمرين غير محلول، بل هي تبعثر أعراب التاريخ في ساحة قتال مشوهة بمخطوطة توقظ أضراس الدم وتلوك حيوات الموتى بحيوات الاحياء.
إننا جميعاً نفكر بنقطة التقاء: العاصمة او العروس ًاو الضحية او الجلاد. شكل يسمى بغداد. عجلة واحدة بوجهين مختلفين لا يلتقيان: وجه أنا المختلف/ المؤتلف بوجه الانت. يختلف لأنه متناقض بنفسه من داخل نفسه، وهو مؤتلف لأنه يكرر نموذجه وإن أختلف بنفسه. بالنتيجة أن العاصمة رقمان مجهولان ينزعان نحو الحرب لتوحيد العاصمة في الأنا مرّة او توحيدها في الانت مرّة ثانية . وفي الامرين يكون التمزيق أصلاً وغيابا للهوية والقتل والتشريد في أغنية (( عد وانا اعد ونشوف )) التي يرددها الجلاد بالقدر نفسه حين تردده الضحية.
في بغداد: العملة المنقسمة/ المنشطرة. ذلك القدح الممتلئ/ الفارغ في آن واحد يهبط الجلاد باتجاه الضحية هبوط الانا ازاء الانت مثلما تهبط الضحية ازاء الجلاد، وهكذا سوف يتنازل العدد والعدّ: ،5،4،3،2،1 وصولاً الى التقاء الاخوين العدوين في البيت الواحد والأب الواحد والاصل الواحد لكن بهويتين متعاكستين في الاتجاه.
أصبح الفارغ بقدر الممتلئ في القدح/ العاصمة/ وهذا التعادل سوف يبرهن على التبادلات الدافقة في الذات على نحو:
أنا × انت
ـــ الوطني / اللاوطني
ـــ القاتل / المقتول
ـــ الحقيقة / الباطل
ـــ السلام / الارهاب
ـــ الضحية / الجلاد
إنها اقنعة تتبادل ادوارها في تبادل أطوارها وأمام مرآة واحدة سيقف احدنا ليرى وجهه بنصفين: نصف من الأنا الذي يوازيه وجه من الانت وسوف يتبادل النصفين: البصق والشتائم والقتل بلعبة استدعاء النصف الاول لجماعته والنصف الثاني لجماعته وتستمر المهزلة/ الحروب.
وبافتراض مقلوب: أن الانا يقاتل من أجل الحرية، وأن الانت يقاتل من أجل السلطة. فلماذا تنقلب الادوار حيثما تنقلب الاطوار؟
وبمنطق أن س = الحرية
ص = العبودية
يكون العراق عبارة عن س/الحرية/العقل/الضحية
ص/العبودية/الغريزة/الجلاد
أ- ان ع العراق = س
ص
ب- ان ع العراق = ص
س
وهذا مؤداه أن س = ص
ع
وكذلك ص = س
ع

النتيجة اختزال ع العراق وحشره بـ (س) او (ص). اذاً، أن الحرية لاوجود لها وأن السلام لا وجود له وأن الضحية ستنقلب الى جلاد وأن العراق هو مجرد ص على قارعة طريق التاريخ والانكفاء. البقاء لـ ص فقط في معادلة هذه العوالم المنكفئة.
إن ع + س = ص / العبودية
هذا يعني ان الحرية بمنظور س هي نفسها العبودية بمنظور ص والعكس كذلك، ويعني أيضاً أن (سعد) المقاتل من اجل الحرية هو نفسه (احمد) المقاتل من اجل العبودية، وأنهما معاً يشكلان يقظة دائمة للحرب. إنهما معاً يستمعان لمذياع الحرب: المدافع، الانفجارات، الرصاص، انفلاقات، موتى.
أغنية تخرج بصوت (سعد) مثلما تخرج بصوت (احمد)، ويشاهدان معاً افلام او حوادث الحرب، ويشمّان معاً بارود الحرب. إن (سعد) شكل من اشكال (احمد)، وأن (احمد) ايضاً شكل من اشكال (سعد). إن يقظتيهما وانعدام نومهما يأتي من حاجتهما لسماع مذياعهما الحربي. النوم الذي يطلبانه يتردد عبر مذياع الحرب بيقظة دائمة. وهو نفسه السلام المفقود.
مثلما كلُّ يدعي ملكية الارض، ملكية الحقيقة، ملكية الأنا الاولى صاحبة السلطة والصولجان ومقاليد كتابة التاريخ وحفر مدوناته مثلما كلّ يدعي العدل في قضيته. إن (س) يرى (س) و (ص) يرى (ص) ولا يكمن أن تمتد او تتمدد حاسة البصر. إن رؤيتهما واحدة، منكمشة، منكسرة، محجوبة في عماء جزئي. حراكها ساكن وليلها شائخ، بلا ضمير او درجة من الشهب الكذوبة تتفرخ بالعداوة والاتهامات .
وفي هكذا ادعاءات واضمارات ستلعب الذاكرة لعبة مزدوجة. إنها تمنح نفسها تاريخاً لا تشوبه الاخطاء، متكاملاً، بريئاً، محمولاً على التقديس والطاعة، وهي تمنح نفسها بذات اللحظة امكانات شطب الخطايا والآثام والبغاء. ذاكرة بمقدار ما تصفر جلادها بمقدار ماتصفر ضحاياه بالمقدار ذاته التي تؤرخ لنفسها حضور البراءة والصدق والانتماء وصولاً الى الوطنية.
إنها تعطي القتل والحروب وتنسى ما تلطخ من ذلك في يديها، والفاصلة الزمنية في النسيان لاتتجاوز (ستة أشهر). إنه نصف مقدار ما تدور عليه السنة، ليكون كل شيء ناقصا: شراهة سفك الدم التي تقابلها شراهة نسيانه. إن الضحية أيضاً تعيش نصف دورتها السنوية فهي بنصف ضحية وبنصف جلاد. لعبة تحولات نازفة بمصير واحد الذي مفاده: عدم اكتمال الحرب هو ضرورة لعدم اكتمال السلان مما سوف يستدعي المزيد من الحرب والحرب لتحقيق المزيد من حضور نصف الدورة وبلا انتهاء للمشهد.
تتجسد مما يفتعل أعلاه قطيعة الزامية، وهي قطيعة ادمنتها الذات: قطيعة الحوار. ذلك الحوار الذي من ممكناته أن يكون استراحة المحارب وايقاف الحرب. إن ما نفكر فيه ويحمل عرش مدوناته في رؤوسنا هو التواصل مع الحرب، التصاق الحرب بالحرب في لحظة او فاصلة تاريخية متذاهنة بالحرب. إن أنا او أنت نعيش الحروب مرتين: مرة في جوانيات نفوسنا مع نفوسنا. داخل صهاريج افكارنا ، نتطافر فيها مثل شظايا مخبولة، ومرة مع خارجنا، محيطنا، مع الانت، أيما انت، بصهاريج حواسنا التي نتطافر فيها مثل شظايا مخبولة.
إن الحرب التي تنضمر تحت جلد الذهن المتهرئ هي أقسى الحروب، وهي اقصاها في البقاء. وهذا ما نعاينه. كأنما ابطالنا سواء كان الأنا او كان الانت يعانون وكأنهم الحروب جمعاء يولدون في الحرب ويعيشون في الحرب ويموتون في الحرب ويبعثون دخانا من الحرب لا لشيء الا لتستمر سرفات القتال تحت اعلام المقاتلين.
وسوف يرتد الصدى:
ــ انت حاقد
ــ انت بليد
ــ انت طائفي
ــ انت عنصري
– ……………….
– ……………….

وكلما عاينت في وجهي على مرآة عين العراق رأيتك نصفي، متلازما معي. أنا وأنت اثنان في واحد. أنت تسمع مثلي اصوات اضراس القتل حين تلوكنا. اسلخ هذا الجلد المتهرئ من وجهي او وجهك 5، 4،3،2: ارجوك (أنا، أنت ): صفر ذاكرة الحروب. اتجه: واحد.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار